ـ2ـ

في منتصف خمسينيات القرن الماضي كنت ضمن العشرة الأوائل الذين انتقلوا من كلية الأقباط (مدرسة ثانوية) بالخرطوم إلى مدرسة الخرطوم الثانوية المصرية (فاروق سابقا)، ضمن التنسيق بين المدرستين.
لقد كانت مدرسة نموذجية حقا، بمبانيها الحديثة والفصول العديدة ذات النوافذ العالية والعريضة والميادين الفسيحة لممارسة مختلف أنواع الرياضة البدنية. وكان يتم ترحيلنا من أم درمان بحافلة خاصة تابعة لإدارة المدرسة، لا أزال أذكر طلائها الخارجي الأبيض الناصع ومقاعدها المبطنة الوثيرة وكانت الأبواب تقفل أوتوماتيكيا ولا تفتح إلا أمام مدخل المدرسة، كما كانت تقدم وجبة الغذاء لجميع الطلاب.
كان جل الأساتذة من المصريين، لا أزال أذكر منهم، يوسف الشاروني مدرس اللغة الفرنسية والذي صار واحدا من أبرز أدباء جيل الأربعينيات وأحد رموز كتاب القصة القصيرة من مصر، رافضا القالب التقليدي وكذلك المدرسة الواقعية التي كانت تسيطر على الساحة الأدبية، مبتدعا قالبا فنيا جماليا جديدا الذي عرف فيما بعد وسط نقاد الأدب بالتيار التعبيري (المدرسة التعبيرية) وكذلك الأستاذ الألفي مدرس التربية البدنية بشعره الأشقر الكثيف وقامته الفارعة وجسمه المتين وكان يلعب أو بالأحرى يدرب الحاكم العام مستر روبرت هاو على كرة التنس في حدائق سراي الحاكم العام. وكنا أحيانا نذهب إلى حدائق السراي في بعض المناسبات الاحتفالية – مثل عيد الزهور وشم النسيم وكنا نشاهد الحاكم العام مرتديا السروال القصير (الشورت، الردى) يسير وسط أصحاب البلد بدون خوف أو وجل وهو الدخيل والمستعمِر.
هل يستطيع الآن حاكم"قومي" إفريقي أو عربي أن يسير مطمئنا حتى داخل قصره المحاط بسور من الفولاذ دون الحرس المدجج بالسلاح؟
اندمجنا بسرعة في الوسط المدرسي الجديد دون أن نفقد علاقتنا مع زملائنا في الكلية القبطية وأذكر منهم تمثيلا لا حصرا من زملائنا في المدرستين مع الاختلاف في الصف الدراسي: عدلي عبد المجيد وصديق وعبد الرحمن الفاضل إدريس، ومحمد أحمد الخواجة، وصلاح الربعة، وإبراهيم مصطفى، ويس إبراهيم (جربوع)، وخالد عمر الإمام، وعبد الله الطاهر، وحمدي بدر الدين، وكمال شانتير والفاضل سعيد (بت قضيم)، وكمال ابن محمد برعي المصري صاحب دكان الداندرمة (الأيس كريم) الشهير بالقرب من المحطة الوسطى بأم درمان.
كنت في البداية قريبا من الحركة الإسلامية ومع علاقة ود واحترام متبادل مع النور علي الحاج الذي كان يشع نورا وعزيمة وبكري علي يبهرك بطيبة سريرته وطهر ونقاء تدينه وعمق إيمانه. وعبد الحميد مدثر من بيت أدب وفن، نظم الشعر في صباه ولا أدري إذا تابع النظم وهو الذي صاغ نشيد الأخوات المسلمات عندما بدأ التفكير في تكوين تنظيم لهن مضادا للتنظيم اليساري المتسع يوم ذاك، والذي جاء فيه:
أي نور لاح خدر النساء
مشرق بالحق موفور الضياء
صافي الأغراض محمود النداء
يا فتاة الجيل هيا للنداء
موكب حفته هالات سنية
ينشر الإيمان في قلب البرية
(من تاريخ الأخوان المسلمين في السودان، عيسى مكي عثمان أزرق)

ذهبت مع النور علي وزميل آخر إلى جامعة الخرطوم لتسجيل أسمائنا كممثلين لمدرستنا في الإتحاد العام للطلاب السودانيين والتي بدأت فكرة تكوينه ليضم جميع اتحادات طلاب الثانويات بجانب إتحاد جامعة الخرطوم – استقبلنا موسى المبارك وكان وقتها رئيسا لاتحاد جامعة الخرطوم والمكلف بالتنسيق بين الاتحادات – رفض موسى المبارك اعتمادنا كممثلين لمدرستنا بحجة أننا تجاوزنا بعض نصوص النظام الأساسي (الدستور) وعلينا أن نعود إلى قاعدتنا. ناشدناه التغاضي عن هذه النقطة وأشرنا بالتضمين لرئاسته لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، فموسى تم اختياره رئيسا للإتحاد بمساندة الأخوان المسلمين – رد علينا موسى بحزم لا لبس فيه:
إذا كنتم تظنون بأنني أتجاوز عن خرق الدستور فأنتم واهمون. شعرنا بالخجل وبالفخر في الوقت عينه، بأن يكون في قيادة طلابنا مثل هذه الشخصية الفذة، التي تلتزم جانب الحق والحقيقة – والحق يقال بأننا لم نكن ندري بأننا تجاوزنا الدستور لقلة خبرتنا بالعمل النقابي والطلابي في مطلع شبابنا، فهذا يحسب لنا أما جدالنا العقيم مع موسى فهذا يحسب علينا وما نعاب عليه.
لقد اختطف الموت مبكرا موسى المبارك قبل أن يلعب دوره الواعد كمثقف في الحياة السياسية والثقافية في وطننا. لقد ماتت فكرة الاتحاد العام بعد أن حاربها الأخوان المسلمون واتهمت بأنها تنظيم يساري. وتحققت الفكرة بعد سنوات بعد أن أحكمت حكومة الإنقاذ الوطني قبضتها على جميع المدارس والجامعات وأصبح اتحادا أخوانجيا.
في عام 1955 زار سعيد رمضان القائد المصري البارز في جماعة الأخوان المسلمين السودان بدعوة من الأخوان المسلمين.
ولا أزال أذكر الندوة الكبيرة التي أقيمت في مكى ود عروسه في حوش واسع (ساحة واسعة) تسع المئات من الحضور. وبينما كنت أتابع محاضرة سعيد رمضان بصوته الجهوري وهو يتكلم عن الإسلام والقيم الإسلامية والكفاح والنضال ضد الاستعمار والظلم والكل منبهر بلغته الناصعة وفي صمت رهيب وقد أصابنا الخدر؟ من سحر كلماته، كان يقف بجانبي جورج القبطي (والذي كان يكبرنا في السن ويتميز بطيبة الخلق ويسكن بالقرب من الحوش ويزورنا كثيرا في بيت المال). كان يدخن بشراهة وينفث الدخان بقوة، فيخرج من أنفه وفمه ويتطاير سحبا، وكان وجهه محتقنا.
سألته هامسا ما بك؟ رد بانفعال "الزول جند نصفهم!!!!"
كان جورج ناشطا في الحزب الشيوعي وقديرا في التمويه والإفلات من قبضة ود الكتيابي. وود الكتيابي هذا هو البوليس السري لحينا وكان معروفا للجميع، والمطرف أنه كان يلف حول عنقه منديلا أحمر إمعانا في الإظهار – كان يراقب توزيع المنشورات وكتابة الشعارات على الجدران التي تندد بالسلطة وعندما يضبط أحدا كان الأمر لا يتعدى أحيانا إلا علقة ساخنة "بالبسطونة الخيزران" وتحذيرا إلى أولياء الأمور، فهو يعرف أهالي الحي فردا فردا.
تعرفت في برلين بعد سنوات طويلة على ابن سعيد رمضان وحفيد حسن البنا – طارق رمضان، الذي أصبح نجما في وسائل الإعلام الأوروبية وممثلا للإسلام الأوروبي وكشخصية كرزماتية وخلافية في عين الوقت.
دخلت المدرسة الأولية "الكتاب" مدرسة الهداية وصاحبها الشيخ الطاهر الشبلي قبل أن ننتقل إلى المسلمية. كانت المدرسة ملاصقة لمنزل عبد الله خليل رئيس الوزراء الأسبق وكان يُدرس فيها عبد الرحمن خالد ابو الروس شاعر الأغنية والمسرحي المعروف وكان منزله مقابلا لمحطة الترام في ود درو.
كنا نركب الترام (الطرماج) للفسحة والفرجة – نبدأ من المحطة الوسطى بأم درمان مرورا بمكى ود عروسه، ثم ودرو ومحطة ود البنا ثم الشجرة حتى نهاية الخط – محطة ابوروف (الطريق الشاقيه الترام) وكان الترام مفتوحا من كل الجوانب ولا أبواب له. وأذكر كم كنا نتبارى نحن الصبيان في النزول من الترام أثناء سيره، ليس زوغانا من الكمساري  (أو كما كنا نقول "نركب ملح") فحسب وإنما لإظهار الشجاعة والإقدام أيضا. أما قمة الشجاعة فهي النزول "عكس" أي ننزل عكس اتجاه سير الترام وهو يسير بأقصى سرعته، فيضغط تيار الهواء على صدورنا فيدفعنا بقوة في اتجاه سير الترام، فيصعب التحكم ونفقد أحيانا التوازن ونسقط على الأرض فكم من الصبية فقدوا أطرافهم أو حتى حياتهم تحت عجلات الترام من جراء هذا الفعل الصبياني الطائش.
بدعوة من الحكومة المصرية للمشاركة في الاحتفالات بانتصار الثورة المصرية، غادرت السودان عام 1955 إلى القاهرة ضمن وفد مكون من مائة وعشرين طالبا ممثلين لمدارس ثانوية مختلفة – اطلعنا على معالم القاهرة، الأهرامات والمتاحف العديدة كما نظمت لنا رحلات بالبواخر على النيل والإطلاع على النهج الجديد لسياسة الضباط الأحرار.
والتقينا ببعض الطلاب السودانيين والتف حولنا علي عبد الله يعقوب والقطب البارز الآن في الحركة الإسلامية. كان علي مثل الدينمو في حركته وطاقته، طاف بنا على معالم أخرى للقاهرة وزرنا معه مركز الأخوان المسلمين وفروعه المنتشرة في أزقة وحواري القاهرة.
كان علي عبد الله يخطب ويتحدث في ندوات الأخوان المسلمين في مصر وكنا نعتقد أنه أستاذ جامعي وأصابتنا الدهشة عندما علمنا بأنه يحضر للحصول على الشهادة الثانوية (التوجيهية). رجعت إلى السودان ضمن مجموعة تم تجنيدها في صفوف الأخوان المسلمين بعد أن كانت علاقتي بهم قبل ذلك تحكمها فقط الصداقة والزمالة الدراسية.
حصلت في عام 1955 /1956 على الشهادة الثانوية وتقدمت بها لجامعة الخرطوم ودخلت امتحان المعاينة ضمن أربعين طالبا لاختيار ثلاثين لكلية الطب وكنت ضمن العشرة الذين أحيلوا إلى كلية العلوم – وتبخر الحلم.
منتصف الخمسينيات والساحة السودانية تموج بتباشير وأهازيج الاستقلال وتكوين الحكومة الوطنية بقيادة "أبو الوطنية" الزعيم إسماعيل الأزهري وجامعة الخرطوم معقل النضال الوطني والفكري وساحة المحاضرات والمناظرات السياسية والثقافية من طلابية وحزبية ونحن الطلاب الجدد ننظر بإعجاب واندهاش لهذه الحياة الخصبة الغنية بالمعرفة ولا أنسى الندوة السياسية التي أقامها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في داره لمناقشة خطاب الميزانية لحكومة الأزهري. عندها وقف المناضل الكبير وعضو الجبهة المعادية للاستعمار عبد الرحمن عبد الرحيم الوسيلة والذي كنا نشاهده من قبل في دار الجبهة بأم درمان بالقرب من طاحونة كلبس في مكي ود عروسه (واسم الجبهة المعادية للاستعمار اتخذته الحركة السودانية للتحرر الوطني، (1946) قبل أن تحول نفسها إلى الحزب الشيوعي السوداني (1956) كتنظيم شعبي للمنافسة في الانتخابات البرلمانية) يناقش خطاب الميزانية بطريقته الهجومية الصدامية المعروفة ويفند بنودها. ثم جاء دور الحكومة يمثلها القطب الاتحادي البارز والسياسي والمحامي الضليع مبارك زروق. بدأ زروق رده بسخرية لاذعة عندما طالب الوسيلة بأن يتعلم مبادئ علم الاقتصاد أولا قبل أن يجرؤ على مهاجمة الحكومة ثم ناقش أراء الوسيلة بموضوعية وبدقة عالية وهو يفند النقاط التي أثارها الوسيلة. كان الوسيلة قد خلط بين بعض المصطلحات الاقتصادية مثل بند المصروفات وميزان المدفوعات والسيولة النقدية والمعونات الخارجية.
وقف الوسيلة للمرة الثانية بدون خجل أو وجل ليقدم اعتذاره عن الخطأ الذي حدث بسبب العجلة وبدون قصد ولم يترك الفرصة وهو السياسي المحنك بعد أن عاد إلى المنبر من جديد ليكرر الهجوم معتمدا على النقاط التي أثارها زروق. كان اعتذار الوسيلة ورده لا يقل بلاغة وروعة عن حديث نظيره زروق. وكنا نحن الشباب نستمع إلى حديث الكبار، هذا الحوار الديمقراطي الخصب العميق وأفئدتنا مطمئنة وقلوبنا منشرحة. وكذلك كنا ننظر بدهشة وإعجاب إلى "صراع الجبابرة" دفع الله الحاج يوسف (من الأخوان المسلمين) وعمر مصطفى المكي (من الشيوعيين) وأذكر عندما قابلت مولانا دفع الله الحاج يوسف في منزله في القاهرة بعد أكثر من أربعين عاما، تذكرنا تلك الفترة الخصبة وقلت له لقد كنا نحن طلاب (البرلم) (Prelim) نجلس في الصفوف الخلفية رهبة واحتراما لكم أنتم الكبار ونتابع بشغف وقلوب مفتوحة سجالك مع عمر مصطفى المكي – قال لي وهو يبتسم: "كان عمر عندما تحضر الشرطة أو البوليس السري بحثا عنه، يختفي في غرفتي قبل أن نقوم بترحيله خارج العاصمة، فالبوليس لا يتصور أن عمر يمكن أن يختفي في غرفتي!!"
هكذا كان الخصم السياسي في سودان الخمسينيات لا يحترم خصمه فحسب بل يعمل على حمايته. في إحدى محاضرات علم النبات صعقني الأستاذ ماكليه بسؤال عويص، فجاءت الإجابة مع الصوت الرفيع الممزوج بالبحة متعثرة ومضطربة، فبادرني الخواجة بصوته الغليظ الأجش:
Your voice is not proportional to your body.
فضجت القاعة بالضحك، لقد كانت بي بسطة في الجسد لا أزال أعاني منها حتى في شيخوختي. لقد كان الأستاذ "الخواجه" متعجرفا وسليطا، عميدا لكلية العلوم ورئيسا لقسم النبات ومديرا لمصلحة الغابات  (الخواجات كانوا ما سكين كل شيء).
كنا نسكن في داخلية البركس بمبانيها الجيدة وكانت لكل طالب غرفة لوحده، بجانب ميادين الرياضة الفسيحة وحوض للسباحة لقد كان المبنى إحدى ثكنات الجيش البريطاني ونحن من الأوائل الذين سودنوا المنطقة.
بجانب النشاط الثقافي كان هناك الجانب الرياضي (التربية البدنية) وكانت المنافسات بين الكليات وخاصة بين فرق كرة القدم على أشدها. عندما يسجل أحد الفرق أصابه في شباك فريق كلية الزراعة بشمبات، نسمع هتافات المشجعين "أولاد شمبات جرجيركم مات"، "أولاد شمبات جريركم مات" وعندما يسجل فريق الزراعة إصابة التعادل ترفع الأذرع اليمنى مسنودة من راحة الأيادي اليسرى عند المرفق "الكوع" فتكون زاوية من90 درجة، ثم يتعالى هتاف أولاد شمبات "عجورنا قام" "عجورنا قام" وكنا نضحك جميعا ملء صدورنا لهذه المداعبة البريئة والبذيئة في الوقت عينه.
شددت الرحال إلى قاهرة المعز جريا وراء حلم دراسة الطب في جامعتها. وبعدما وصلت ووزعت "كوتة" المنح الدراسية المخصصة للسودانيين على أبناء الطائفة الختمية وأبناء الموسرين من التجار السودانيين خرجت خالي الوفاض. قررت البقاء في القاهرة رغم ضيق الحال على أمل أن يحالفني الحظ في العام التالي في الحصول على منحة. وكانت تقدم مع المنحة أيضا إعانة شهرية للمعيشة.
كان المد الثوري قد عم البلدان العربية، بانتصار الثورة المصرية وقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وكانت الثقافة المصرية في قمة ازدهارها والصحافة المصرية في عصرها الذهبي وكنت أحضر الندوات الثقافية والأدبية في نادي القصة وشاهدت لأول مرة يوسف إدريس الذي تربع بعد ذلك أميرا لكتاب القصة المصرية والعربية وكنت استمع إلى حديث الأربعاء لطه حسين في كلية الآداب بالقاهرة. لا يمكن وصف الشعور الذي يمتلكك وأنت اليافع القادم من جنوب الوادي، جالسا في حضرة العميد: الجسم النحيل واللبس الأنيق والطربوش على الرأس المتين وهو يلقي دروسه بصوته الرخيم. وكنت قد شاهدت العميد من قبل على شاشة السينما في سينما برامبل ("قديس" سابقا، البوستة حاليا في أم درمان) عندما تم عرض فيلم ظهور الإسلام والفيلم مأخوذ من كتابه الوعد الحق والذي يشرح فيه الطابع الثوري للإسلام في مكة المكرمة والدعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة ويصور حياة العرب في الجاهلية وفترة صدر الإسلام. وقد كتب طه حسين حوار الفيلم بنفسه ولا تزال الكلمات التي قدم بها الفيلم محفورة في رأسي: فنان يجرب فنه للمرة الأولى متيمنا بظهور الإسلام.
كانت صحيفة المساء برئاسة خالد محي الدين تحتضن الكتاب الناشئين من السودان وهم طلابا في الجامعات المصرية مثل: محمد الفيتورى، وجيلى عبد الرحمن، ومحي الدين فارس، الذين كانوا يجاسرون ويجربون ويبحثون عن جوهرة الإبداع الشعري، وأبو بكر خالد والطيب زروق في مجال الإبداع القصصي.
قرأ مبارك حسن خليفة الطالب آنذاك بكلية آداب القاهرة، بحضور رجاء النقاش – الناقد الأدبي والصحفي المعروف فيما بعد والذي كان أول من قدم كاتبنا الكبير الطيب صالح إلى الجمهور العربي وصار من أعز أصدقائه – والقصيدة على ما أذكر كانت بعنوان "ألوية المهدية" يشيد فيها بالثورة المهدية وقائدها الإمام محمد أحمد المهدي الذي قاتل وطرد الاستعمار التركي من السودان.
أرسل رجاء النقاش القصيدة إلى مجلة الآداب في بيروت التي كان مراسلا لها في القاهرة. طار مبارك من الفرح وهو يرى قصيدته منشورة على صفحات الآداب العريقة. اشتهر مبارك بعد ذلك بقصائده الوطنية ولقب بشاعر المتاريس وصار أستاذا في كلية التربية في جامعة عدن باليمن.
بدأت علاقتي قارئا لمجلة الآداب في بداية المرحلة الثانوية، كنا مجموعة متآلفة ومتجانسة يجمعنا حب قراءة الأدب ومن المدهش أننا كنا نحصل على مجلة الآداب بسهولة في الخرطوم وأحيانا في بعض المدن السودانية الأخرى في ذلك الزمن الغابر مقارنة بالحاضر. كانت الآداب نافذتنا إلى الكتاب والأدباء والشعراء من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين أمثال: سهيل إدريس، ونزار قباني، والسياب، ونازك الملائكة، والبياتي، وأدونيس، والعلامة إحسان عباس وغيرهم.
كنا نستقبل الآداب كل شهر بفرح ونقرأها بشغف حبا للمعرفة والاستمتاع بالأدب الراقي ونقرأ كذلك بتمعن صفحة: "قرأت العدد الماضي من الآداب" التي كان يحررها شهريا واحد من كبار النقاد، ناقدا ومحللا مواد العدد السابق، كان ذلك يساعدنا في استيعاب ما استغلق علينا من النصوص السابقة، فنصبح أكثر قدرة على التذوق والاستمتاع وتنمية ذائقتنا النقدية.
كانت الآداب أيضا نافذتنا للفكر القومي العربي والفكر الأوروبي – مثل الماركسية والوجودية التي كانت وقتها موضة العصر. قرأنا رواية المومس الفاضلة ل سارتر – هزتنا من الداخل وتركت تأثيرا بالغا على عقولنا الغضة ومع خيالاتنا وتهويماتنا قررنا البحث عن هذه المومس الطاهرة وكان يا ما كان و"خلوها مستورة".
عندما كنت شابا مدمنا على قراءة الآداب كنت أحلم بأن أكتب يوما فيها. وقد تحقق هذا الحلم بعد أكثر من نصف قرن من الزمان. عندما نشرت لي الآداب قصتي القصيرة "الجدار" – كم كنت سعيدا وفخورا أن أرى قصتي منشورة واسمي مرسوما على صفحات المجلة البيضاء الناصعة – المجلة الرائدة التي تسلم الآن رئاسة تحريرها سماح إدريس ابن مؤسسها الكاتب والروائي سهيل إدريس، لتواصل دورها التنويري لنشر الثقافة الوطنية الرفيعة والفكر الرصين في عقول بناتنا وأبنائنا بالرغم من الصعوبات والمحن والخراب الذي يعم عالمنا العربي.
عدت من القاهرة إلى السودان على عجل للمنافسة في البعثات الخارجية غير الحكومية لطلاب المدارس الثانوية.

Hamid Fadlalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]