منذ عودتي إلى برلين الغربية للمرة الثانية في سبعينيات القرن الماضي، كنت أجلس بداية في فترات متقاربة في مقهى "إشتاين بلاتس" الذي يرتاده بعض الطلاب والعاملين السودانيين وكذلك الطلاب السودانيين القادمين من أوروبا الشرقية أثناء العطلات الجامعية للتسوق والعمل، فالعمل كان وقتها ميسرا والراتب وفيرا.

يقع المقهى في منطقة "شارلتونبورغ" المشهورة بمبانيها القديمة الضخمة والشقق ذات السقوف العالية وغرفها الواسعة، بجانب المحلات التجارية العديدة والبنوك والمقاهي والمنتديات الثقافية ويقطنها عادة أبناء الطبقة الوسطى من الألمان الميسورين نسبيا. المقهى لا يبتعد كثيرا عن محطة "بانهوف تسو" وهي شبكة المواصلات التي تمر بها القطارات ومترو الأنفاق و"الأس بان" والحافلات.

يفتح المقهى بأبوابه الزجاجية العديدة على الكلية العليا للفنون الجميلة وكلية برلين التقنية. وبالطابق الأول دار سينما صغيرة تعرض أفلاما رائعة تتناول قضايا اجتماعية وسياسية من بلدان مختلفة.

كنت التقي بالسودانيين وبعضهم حديثي العهد بالمدينة، نتحدث عن حياة الغربة والمجتمع الجديد وتعليم اللغة الألمانية وامتحان المعادلة للشهادة السودانية كشرط لدخول الجامعات الألمانية.

اتسعت الحلقة بمرور الزمن والتي تبدأ أحيانا بعد منتصف النهار بقليل، وكنت عندما أحضر بعد الدوام تكون المشروبات الروحية قد عبثت بالرؤوس ودخان السجائر يعقد سحبا فوقنا، فيحتدم النقاش وتتعالى الأصوات فتجلب أنظار واستنكار الرواد الآخرين. كان النقاش يدور ويحتد كالعادة حول السياسة – المرض السوداني المتوارث – لكنه لا يصل أبدا إلى عراك أو أذى جسدي.

كان يشاركنا في النقاش الأخ الفاضل وهو من القدماء نسبياً، طويل القامة، يناقش بموضوعية ويعرض أفكاره بتسلسل. عمل قبل حضوره إلى برلين متعاونا مع الإذاعة السودانية يقدم برنامجا حول الفن (الغناء) والأدب (الشعر) السوداني وكان يراسل صحافة المهجر من برلين باسم صحفي سوداني كما كان يحرر معنا "مجلة السودان" التي كانت تصدرها الجمعية الثقافية السودانية وهي مجلة غير دورية، صدر العدد الأول في مايو1980. من الأسماء التي كانت تشارك من الخارج: محمد محمود، وخالد المبارك، ومعاوية حسن يسن (بريطانيا)، وصلاح أحمد إبراهيم (باريس)، والسر سيد أحمد (السعودية)، وحسن عبد الوهاب (بون)، وعواطف سيد أحمد (أمريكا)، وصديق التجاني المرضي (أبو ظبي)، وعبد الرحيم بلال (الخرطوم). لقد كانوا كرما معنا نحن البرلينيين، فالمقالات كانت تكتب خصيصا لمجلتنا تشجيعا لنا – ونحن في بداية الطريق – وليس مثل المقالات التي يتفضل بها كاتبوها بعد أن تكون قد نشرت في مجلات أخرى أكثر ذيوعا وانتشارا.

في إحدى اللقاءات همس لي أحدهم بأنه لا يملك ما يقيم الأود وطلب سلفه وقال باسما بأنها لن تدوم طويلا. ناولته ورقة نقدية من فئة الخمسين مارك، خرج بعدها مسرعا وشاهدته من خلال الباب الزجاجي يصعد إلى التاكسي المرابط أمام المقهى. انطلقت السيارة "وطارت الخمسون".

حضرت يوما إلى المقهى مبكرا في صحبة الأخ جعفر سعد لاستقبال صديق قادم من بون وعندما كنا نتجاذب أطراف الحديث، دخل شاب قوي البنية لم نلتق به من قبل، بعد التحية جذب كرسي من الطاولة المجاورة وجلس بيننا واندفع في الحديث بدون مقدمات قائلا أنه من مدينة كوستى، بدأ دراسته في جامعة الخرطوم وذهب إلى الهند لمواصلتها وحضر الآن إلى برلين لمواصلة التحصيل والعلم (كذا!!) نظرت إلى جعفر وتبادلنا الابتسام وواصلنا الحديث منفردين، شعر بالحرج فانسحب صامتا.

شاهدته بعد ثلاثة أشهر وقد صفف شعره ضفائر طويلة منسدلة على الكتفين ومتأبطا ذراع فتاة شقراء قلت لنفسي "الهندي ضاع".

دخلت المقهى في منتصف الليل بصحبة الأديب الطيب صالح، بعد ندوة أدبية شيقة بحضوره في الجمعية الأدبية السودانية قدمت فيها قراءة لقصة قصيرة وشرح من الروائي الكبير حول طريقة وفن كتابة القصة القصيرة وأهمية العنوان وما يحمله من دلالة. وكان النقاش مستفيضا مع الباحث الشاب أمير حمد الذي بدأ في التحضير لدراسة منهجية عن أدب الطيب صالح، كما ألقى الشاعر صلاح يوسف قصيدة مهداه لضيفنا الكبير.

عندما دخلنا المقهى كان لا يزال يعج بالرواد. سألت الطيب عما يشربه أقبلت النادلة، شابة صبيحة الوجه، رقيقة التقاطيع، طلبت لنفسي كوبا من البيرة وآخر من الحليب البارد – نظرت إلي – لاحظ الطيب اندهاشها فكرر طلبه باللغة الإنجليزية، ردت بانجليزية سليمة وقالت إنها تدرس الأدب في جامعة برلين الحرة وتعمل ليلا لتغطي تكاليف المعيشة والدراسة وأردفت بأنها ستحاول تحقيق طلبنا.

وضعت النادلة الكوبين أمامنا، الأصفر الذهبي والأبيض الناصع، نظر الطيب إلى الكوبين بتمعن، قلت لها إنه روائي من بلدنا قالت والابتسامة تملأ وجهها – لا غرابة في طلبه، فبعض الأدباء لا يزالوا مفعمين ببراءة الأطفال.

في ركن قصي كنت ألاحظ أحيانا رجلا حوالي الستين من العمر، فارع القامة يميل إلى سمرة خفيفة، يجلس وحيدا، يتطلع بإمعان في وجوه رواد المقهى بصورة تثير الشكوك والالتباس. يحيه النادل باحترام وأدب جم ويحضر له مباشرة كوبا من الجعة وفنجان من القهوة.

التقيت به ونحن نحتفي بالشاعر الفلسطيني سميح القاسم أثناء زيارته إلى برلين. كان يجلس قبالتي، فيا فرحي فقد كان جليسي الرسام السوري العالمي مروان قصاب باشي والأستاذ الدائم للرسم في الكلية العليا للفنون الجميلة في برلين. وقد اشتهر ونبغ في رسم وجه الإنسان وهي مجازفة وتجربة مثيرة لكشف ومعرفة أسراره – كان يتحدث بهدوء وتواضع شيمة كل فنان وعالم أصيل.

أهداني كتابه الرائع – "رحلة الحياة والفن" بالاشتراك مع صديقه الأديب عبد الرحمن منيف. لقاء بين مبدعين بارزين قادمين من فنين مختلفين ظاهرا، متحدين جوهرا – أحدهما يرسم بالقلم والآخر بالريشة – إنه لقاء يجسد العلاقة العميقة بين الأدب والفن.

 

كتب أدونيس 75 قصيدة نثر قصيرة بعنوان: "الوجه مرئيا بريشة مروان".
-    ليس الوجه شكلا: هو حركة دائمة في التشكل.
-    انظر إلى الوجه: أضيع ما بين ما أراه وما أود أن أراه.
-    الوجه قيد لا يتحرر منه إلا بالغموض.
-    الزمان والمكان موجة واحدة في بحر الوجه.
-    لا يأخذ القمر شكل الوجه إلا حين يكتمل – يصير بدرا.
-    لا يُشرح الوجه: يُؤول.
-    تزول الخليقة، ولا يبقى إلا الوجه وجه الخالق –
(مجلة مواقف عدد 70 /71 -1993)

دخلت في ليلة شتوية إلى المقهى فوجدت الفاضل يجلس لوحده – اقتربت منه وجلست بهدوء – لقد كان يطرق على الطاولة بأنامله طرقا خفيفا وينشد بوجد:
أنت يا غرامي.
حبك السامي.
مصدر إلهامي.

كان صوته يصافح أذني مع صدى صوت أحد مطربينا الكبار وهو يصدح بها بصوت شجي من إذاعة "هنا أم درمان" وأجزم أنها من قريضة. توقف فجأة عن الإنشاد ونهض مغادرا المكان، تألمت لقد أفسدت عزلته.

بدأنا نلاحظ حضوره غير المنتظم وجلوسه معنا أحيانا الساعات الطوال صامتا، غارقا في نفسه – كل المحاولات لكسر صمته باءت بالفشل. كان عزائي أنني أتابع بعض تعليقاته في صحافة المهجر واستمتع برشاقة أسلوبه وسخريته المرة وأحيانا الجارحة، فبالرغم من طيبة سريرته ولين معشره كان شديد الاشتعال عندما يرى ظلم وصلف الآخرين.

كتب مرة يصف شخصا سيء الخلق، عديم الحياء في صحيفة العرب اللندنية بتاريخ 10/4/1985:
"في الرابع من الشهر الثالث لهذا العام، قمت بجولة استطلاعية وإذا بي أشاهد وأتأمل أحد كبار عباقرة الأفك والنفاق يحاول في حالة من السعر أن يعض ألاف الأبرياء من الأجانب الطيبين في برلين الغربية الذي نصب نفسه عليهم حاكما بوليسيا وعسكريا ضالعا في الفاشية من رأسه لأخمص القدم.
وهذه الألآف بريئة من أحكام قراقوش أخر الزمان ..... وما تهويماته سوى هلوسات وهوس كوثيقة تثبت أنه شب على الخبث والحقد والغرور كعناصر أسياسية للنفاق الكامنة جذوره في أعماق إنسان حيوان .....
والجذور عليها تنبت الشجر، كما قال شاعر فيلسوف. وشجرة جذورها ملوثة لا تعطي بداهة إلا براعم وثمار فاسدة سامة."

لم ألتق الفاضل لعامين أو أكثر، سألت عنه قالوا أنه انقطع عن المقهى تماما. بحثت عنه في حانة دكه فيرتن "المضيفة السمينة" مكانه المفضل في البداية. وكذلك في مقهى أينشتاين الذي يرتاده لفيف من الكتاب والمثقفين الألمان.
لا خبر ولا أثر.

بدعوة كريمة من أحد المنظمات العراقية حضرت عرض فيلم "الياذرلي" للمخرج السينمائي العراقي القدير قيس الزبيدي والفيلم مأخوذ من قصة قصيرة لحنا مينه. بعض العرض خرجنا إلى الصالة الأمامية لفترة استراحة قصيرة – قبل فتح النقاش مع المخرج.

وقفت مع بعض الزملاء نتبادل التحايا وإذ أشعر بربت خفيف على كتفي، التفت لأجد الفاضل أمامي، حياني باسمي كاملا وعانقني بشدة. كان يرتدي بنطالا طويلا أسودا وبالطو شتوي فضفاضا تختفي تحته الجاكيت وقبعة سوداء عريضة تكاد تصل إلى مشارف العينين وحذاء سميك مدبب يلبس عادة في الشتاء القارس لتحاشي الانزلاق وكنا نحن في عز الصيف. وأطلق لحيته التي طال زمن تهذيبها وسواد شعرها يختفي خلف بياضها وازداد نحولا وشحوبا.

ابتعد الزملاء العرب خطوات إلى الخلف مندهشين لمعرفتي بهذا المتسول.
طلب مني الفاضل سيجارة.
-    قلت لعلك نسيت أنني لا أدخن.

التفت ناحية الزملاء العرب للسؤال، نهاني بحركة كفه الأيمن وتقدم خطوات إلى الأمام. سرت بجانبه وبدأ يتحدث بلا انقطاع عن الفيلم ويهمس كأنه يتحدث إلى نفسه - تحدث عن أداء الممثلين – طريقة الإضاءة والحيل السينمائية وموضوع الفيلم وتفسيره له طبقيا واجتماعيا مما أدهشني سرعة إلمامه بكل هذه التفاصيل.

قدمت له بعض الأوراق المالية – دفع يدي بإباء وإصرار.
دخلنا الصالة من جديد – عدت إلى مكاني، جلس الفاضل في كنبه لوحده – لقد تحاشاه الجميع بالرغم من قلة الأماكن. كنت أتابع النقاش باهتمام والذي كان يديره الروائي والشاعر صبري هاشم واسترق من حين إلى حين النظر إليه حتى لا يفلت مني، وأجده أحيانا مغمض العينين وكأنه يصغي لنداء من بعيد. سبقني بالخروج، أسرعت حتى حاذيته – ظل يواصل السير صامتا دون أن يلتفت إلي أو يحس حتى لوجودي. بدأت أتحدث عن تعليقات الآخرين في محاولة لجره إلى الحديث، دون جدوى وكان يتمتم بكلمات لا أستبينها ممعنا بعيدا بعيدا.
توقف فجأة أمام كشك لبيع الصحف وبعض الأشياء الصغيرة – تظاهرت بشراء إحدى الصحف وعدت ودسست في جيبه علبتين من الدخان وانحرفت إلى يمين الشارع. في الطريق إلى منزلي انتابني ألم وحزن عميقين. كنا نعلم جميعا بمعاناته النفسية والجسدية ولم نحرك ساكنا – هل نعد أنفسنا أصدقاء؟
لماذا تركناه وشأنه غارقا في وحشته ووحدته القاسية؟

وصلت رسالة إلى سفارته من شرطة "فدينغ" تعلن فيها وفاة الفاضل – وجدوه ميتاً على الدرج داخل البناية على بعد خطوات من غرفته، ودفن منذ ستة أشهر في أحد مقابر برلين ولم أهتد إلى الآن إلى قبره.

•    طبيب وكاتب سوداني مقيم في برلين

Hamid Fadlalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]