حين قدمت إلى برلين عام 1993 كنت مواظباً على حضور النشاطات الثقافية التي تقيمها الجمعيات العربية (أو الجمعيات الألمانية التي فيها نشاط فرعي للناطقين بالعربية). وهذه المواظبة خفت في السنين اللاحقة مع ملاحظتي لفقدان كثرة من الحضور لروح الحوار أو تقبل الاختلاف في وجهات النظر، وضيقي بالميل العربي المنقول من بلادنا لقمع الرأي المخالف أو حتى الرأي الذي نتوقع أنه مخالف ولو لم نتأكد بعد من مخالفته! وما كان يضايقني أكبر مضايقة لم يكن الميول القمعية لأشخاص لا يدعون لأنفسهم انتماء فكرياً متحرراً أو "ديمقراطياً" إن شئت، بل كان يضايقني بالتحديد رؤيتي لفقدان روح الحوار عند من يملؤون الدنيا ضجيجاً بضرورة امتلاك روح الحوار وتقبل الآخر والاعتياد على التعددية في الأفكار والطباع الشخصية أيضاً. وهذا كله ما جعلني لاحقاً، وفي هذه "المرحلة البرلينية" تحديداً أوسّع من مفهوم "الديمقراطية" لأرى أنها يجب أن تشمل التعدد الفكري وقبول تعددية الشخصيات الفردية والجمعية أيضاً، أي قبول تعددية الهويات الثقافية لسكان هذه الكرة المنكودة! (ويخطر لي أن على البشرأن يتجاوزوا هذا المفهوم الملتبس الذي هو "حكم الشعب"، لأنه يمكن أن يفسر أنه تبرير لقهر الأغلبية للأقلية خصوصاً في تجسده الملموس في الأخذ بنتائج انتخابات قد تأتي بشعبويين عنصريين إلى السلطة، إلى مفهوم: المجتمع القابل بالتعدد، وباختصار: ننادي بمجتمع تعددي!).

على أن واحداً من منظمي الندوات ومن أنشطهم لفت انتباهي على كل حال، فقد بدا لي صديقاً للجميع أيا كانت حالتهم الفكرية أو النفسية! وهذه الحالة الحميدة النادرة من الانفتاح (أو قل: من الموقف اللبرالي الجذري كما كنت تعرفه في مصطلح "اللبرالية" قبل أن يشوهه "اللبراليون الجدد"، وهؤلاء شوهوا معنى "اللبرالية" كما شوه المتدينون الجدد معنى الدين!) بدت نشازاً في الخطاب العربي السائد. على أني عرفت أن هذا المنظّم المنفتح الذهن للنشاطات الفكرية هو من السودان، وللسودان تاريخ ثقافي وسياسي له خصوصياته المختلفة عن تاريخنا نحن عرب شرق المتوسط. ومن وراء ذلك، وأهم منه ربما، لأهله مزاجهم الخاص وأسلوبهم الخاص في إدارة علاقاتهم الشخصية والعامة. وعلى أن علينا دوماً بالتأكيد أن نأخذ السمات الفردية بعين الاعتبار ولا نكتفي في تفسير السمات الشخصية بردها إلى سياقها القومي أو الإقليمي.
هذا الشخص كما علمت هو الدكتور حامد فضل الله، وقد فهمت أنه على حيويته التي يحسد عليها ولا تجعلك تحزر كم هي سنه الحقيقية هو من أقدم العرب في برلين، ولو كان للعرب عميد في برلين لاستحق هو بجدارة أن يكون عميداً للجالية العربية سواء بالسن أم بالخبرة أم بالصفات الشخصية التي ذكرتها في الأسطر السابقة. هو طبيب سوداني درس في ألمانيا واستقر فيها وشكّل حالة لا تخلو من فرادة فهو على اندماجه الهائل النادر المثال في المجتمع الألماني ظل نشيطاً لا يهدأ ضمن العرب وفي نشاطات ناطقة باللغة العربية.
كان فضل الله قديماً قريباً من اليسار، لكنه لم يتحول إلى "يساري تائب" يشتم اليسار ويهمه أن يعلن بأعلى صوت ممكن تبنيه يمينية راديكالية مستجدة كما فعل الكثيرون حين تحولوا إلى أنصار متعصبين للبرالية الجديدة التي تسمى أحياناً بالرأسمالية المتوحشة، وظل على موقفه اللبرالي السليم المنفتح الذهن مستعداً للتعامل مع الاتجاهات الفكرية كلها طالما هي تحترم أصول الحوار ولا تحاول فرض وجهات نظر تراها صحيحة صحة مطلقة باستخدام أي شكل من أشكال الإكراه، ولو عبر الألفاظ، مع أنه بالفعل كان غالباً يجد نفسه في موقع "التنويري" العربي الذي يضيق ذرعاً بصعود التيارات المتنطعة الناطقة بلغة دينية لفرض نظام يذكر بالشموليات الأوروبية التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين مع تلوينات خاصة باللغة العربية والتاريخ العربي. وفي نشاطه التأسيسي في جمعية "ابن رشد" كان مع زملائه يجرّبون"نشر ثقافة العقل والتنوير" بأقصى ما يملكون من وسائل. والمشكلة في هذا النشاط أنه أحياناً يقع في مأزق الحداثة الذي صار موضوعاً لنقد مفكرين غربيين وغير غربيين، وهو تأويل الحداثة على أنها تعني وحدة الحقيقة ذات البعد الواحد التي لا يمكن أن تكون متعددة الطيّات. ولك أن تعود إلى أنواع النقد التي مرت بمدرسة فرنكفورت مع أدورنو وهوركهايمر لتصل إلى شرق أوروبا مع باومان، ولتصل إلى قلب البلد الذي مثل أكثر شكل من أشكال الحداثة جذرية وهو فرنسا مع المنظّر الذي وجه نقده الجذري إلى الحداثة في وجهها الأقوى والأكثر مدعاة لامتنان البشر وهو وجه الاقتصاد والنمو (المترافق مع "قهر الطبيعة") الذي كان حتى وقت قريب يبدو كلي القدرة ومستقبله لا حدود له، وأعني به سيرج لاتوش. لن تجد أصداء لهذا النقد وإعادة النظر عند هؤلاء الأصدقاء من "التنويرانيين" كما أسميتهم في آخر كتاب لي "الثقافة العربية المعاصرة من الوصف إلى التغيير". وما من ريب في أن دخول العرب في العقود الأخيرة في حروب داخلية مدمرة اشتملت على صراع شرس بين الناس وبين الأفكار رفع الاستقطاب الاجتماعي والفكري إلى أقصى حدوده وساد مبدأ "الأبيض والأسود" (ومعناه العملي الاقتناع بوحدانية الحقيقة وأن الصواب واحد لا يتعدد، ومن المفارقة أن طرفين متصارعين صراعاً دموياً متفقان على هذا الأساس الفكري!).
تعرفت إلى الدكتور حامد فضل الله في منتصف التسعينات في محفل عربي عام نسيت مناسبته، وأذكر أنه سألني إن كنت أنا من كتب مقالاً محدداً في جريدة القدس العربي يبدو أنه لفت انتباهه لأمر ما (نسيت ماذا كان مع الأسف) فأجبته بالإيجاب. ومنذ ذلك التعارف صرنا نلتقي ويدعوني إلى المحاضرات التي ينظمها وأحبها إلى قلبي تلك التي ينظّمها في جمعية تضم المثقفين السودانيين في برلين.
ما أراه جديراً بالانتباه والتقدير والمتابعة في نموذج الصديق فضل الله هو أنه يقدم لنا شخصية مهمة جداً ويجب أن يكون عندنا نحن العرب منها الكثير وهي الشخصية التي أسميها "الشغيل الثقافي". و"الشغّيل الثقافي" كما أعرفه هو ذلك الشخص المشتغل بالثقافة، لا لأنه منتج لها (وقد يكون كذلك، وفي هذه الحالة الخاصة فإن فضل الله كما أعلم كاتب وإن يكن مقلاً وقد قرأت له قصصاً قصيرة ممتازة علاوة على كتابه عن تجربته في ألمانيا) ولكن لأنه يتولى تعريف العاملين في الثقافة (والشأن العام) ببعضهم، وتنسيق نشاطاتهم لتكوين نوع من تيار متنوع عنده مع تنوعه مشتركات قد تذكرك لو كنت ستنتقل إلى ميدان السياسة الأعم بمفهوم "الكتلة التاريخية" الذي بدأ مع غرامشي ثم تبناه آخرون في أوروبا، وينتظر من يتبناه (وأنا منهم!) في بلاد العرب.
من الشغيلة الثقافيين في بلادنا مثلاً فقيد الثقافة العربية الكبير رجاء النقاش، وكان رجاء النقاش ينشر المقالات عن كتاب وشعراء عرب ليسوا معروفين فيصبحون معروفين وتدخل أفكارهم (أو الأشكال الفنية الجديدة التي يبتدعونها شعراء وأدباء) في التداول الثقافي ضمن الإنتلجنتسيا العربية. ورجاء النقاش هو مثلاً الذي عرّف في كتاب مبكر عام 1970 القارئ العربي على الشاعر الشاب محمود درويش تعريفاً فردياً خاصاً به، ولم يكن أحد يعرفه خارج نطاق ضيق في الثقافة النضالية الفلسطينية آنذاك بعد أن كان غسان كنفاني قد أدخله في سياق إقليمي فلسطيني وضمن عموم المجموعة التي ضمت شعراء وكتاباً آخرين في كتابيه عن الأدب المقاوم في فلسطين الذين نشرهما عامي 1966 و1968 على التوالي (قالنقاش "عرّب" درويش و "أفرده" بعد أن كان كنفاني "فلسطنه" و "جمعه") ونشاط النقاش الذي يعرّف منتجي الثقافة الذهنية العرب ببعضهم شمل عدداً كبيراً من المقالات، التي تحولت إلى كتب تعرّف بمنتجين منفردين وبمدارس كاملة، فكرية أو أدبية، جديدة. وفي السياق السوداني كان النقّاش هو الذي عرّف القارئ العربي على الطيب صالح الذي نشر الفلسطيني توفيق صايغ روايته الأولى "موسم الهجرة الى الشمال" في مجلة حوار عام 1966 في بيروت، ثم سلّط رجاء النقاش على الرواية أضواءه النقدية الكاشفة لجدتها وأصالتها العالية في مقال في مجلة المصوّر عام 1968 ثم نشر المقال بعد ذلك في كتاب خاص.
يتبدى موقع الصديق فضل الله بما هو "شغيل ثقافي" في نشاطاته العامة التي أشرت إليها سابقاً، ولعل كثيراً من المشتغلين في الثقافة في مدينة برلين لم يكونوا يعرفون بعضهم لولا نشاطه الدؤوب، هو يعرّفهم على بعض معرفة شخصية ومعرفة فكرية عبر إيصال أفكار كل منهم إلى الآخرين، ونتيجة هذا الفعل لو وجد متابعة ودعماً من آخرين هي تكوين نوع من الرأي العام الثقافي العربي أو التيار الذي يقبل المشتركات والتنوع معاً كما قلت أعلاه. وتساعده على هذه المقدرة درجة عالية من التسامح تجعله أحياناً يتسامح مع غير المتسامحين، بل قد يخفي عن نفسه ما قد يتعرض له هو نفسه من ضروب اللاتسامح بل العنصرية! وقد استغربت مرة قوله لي إنه طيلة هذه العقود التي قضاها في ألمانيا لم يتعرض لأي موقف عنصري، وبدا لي هذا أمراً غير محتمل إلا أن يكون محظوظاً حظاً لم يتوفر لأحد سواه! ولكني حين قرأت لاحقاً له قصة قصيرة بديعة بعنوان "الأجنبي" (نشرت في العدد 293 من مجلة "أدب ونقد" المصرية) وجدته يصف مواقف عنصرية جلية يبدو عليها بوضوح طابع الخبرة الشخصية! ولأني أعرف أن فضل الله صادق لا يكذب فلم أجد إلا تفسيراً نفسياً بحتاً لهذا "الإنكار" كما قد نستعير مصطلحاً من التحليل النفسي لوصفه. ولكن الآلية هنا لا تبدو لي نفسية بل هي من النوع الفكري-العقلي: إن مجمل القيم التي يؤمن بها تجعله لا يريد أن يصدق أن العالم لا يتبنى، أو ليس كله يتبنى، قيمه هو!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.