درسنا في دبلوم الترجمة العالي بكلية الآداب بجامعة الخرطوم في الثمانينات أن أجود أنواع الترجمة هي ترجمة المعنى وأن أردأ أنواع الترجمة هي الترجمة الحرفية. ومع ذلك فهذه القاعدة غير مطلقة، فمتى كان التعبير صريحا وواضحا ومباشرا وغير ملتبس يتعين الإلتزام بالنقل الحرفي ومتى أدى النقل الحرفي إلى الإلتباس والتعقيد اللفظي والإغراب والبعد عن المعنى المراد، فيتعين اللجوء إلى ترجمة المعنى والإلتفات عن حرفية اللفظ أو النص.
انطلاقا من ذلك أقول إن ترجمة مصطلح deep state بـ"الدولة العميقة" هي ترجمة حرفية لا تؤدي إلى نقل المعنى المراد من المصطلح في لغته الأصلية. المعنى المراد للمصطلح في لغته الأصلية معنى سلبي وترجمته للعربية بـ"دولة عميقة" يعطى انطباعا للقاريء بأن المعنى المراد معنى إيجابي وهو ليس كذلك. فلفظ "العمق" ومشتقاته في العربية، ذو دلالات إيجابية.
لذلك نحن نرى أن الترجمة الأدق للمصطلح ينبغي أن تكون: الدولة الخفية أو الحكومة الخفية ونميل إلى عبارة "الحكومة الخفية" حتى لا تؤدي عبارة "الدولة الخفية" إلى الإلتباس مع مفهوم الدولة ككيان سياسي وديموغرافي محدد وثابت.
ودون الدخول في تطويل وتنظير كثير أقول أن مصطلح deep state المراد به وجود مؤسسات وشبكة علاقات ومصالح تسيطر فعليا على إدارة الدولة من وراء الكواليس وهي ليست جزءً من مؤسسات الدولة والحكومة المعلن عنها ظاهريا كمجلس الوزراء والبرلمان والرئيس. وخير مثال على ذلك قدمه نظام الإنقاذ الوطنى بالسودان، فخلف المؤسسات السياسية المعلن عنها ظاهريا توجد مؤسسات وشبكة علاقات ومصالح موازية تتحكم فعليا في إدارة الدولة والحكومة افرزتها الحركة الإسلامية السودانية بغية السيطرة على مفاصل الدولة.
والمصطلح بهذا المعنى ليس جديدا تماما وله مترادفات معروفة في الإرث السياسي العالمي مثل "دولة داخل دولة" و"حكومة الظل" و"مراكز القوى" و"الحرس القديم" وما إلى ذلك من تعابير سياسية معروفة. إذاً المصطلح ما هو إلا ترديد وإعاد إنتاج لهذه التعابير القديمة.
وتقول المصادر (انظر ويكيبيديا) أن مصطلح deep state نشأ في تركيا في سبعينات القرن الماضي لوصف النخبة ومؤسسة الجيش التي تعمل لحماية التوجه العلماني للدولة بغض النظر عن توجهات الحكومة المعلنة، وأول من استعمله رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد، وهو في اللغة التركية derin devlet وقد تُرجمت العبارة ترجمة حرفية إلى الإنجليزبية deep state.
هذا، وأعيد إحياء المصطلح بعد فوز دونالد ترمب بالرئاسة الأمريكية وهو كما هو معروف جاء من خارج النخبة السياسية وأراد أن يفرض توجهات جديدة فأصطدم بالمؤسسات التقليدية العريقة في الدولة مثل القضاء ووكالة المخابرات المركزية (السي آي أيه) والجيش والصحافة وغيرها. غير أن هنالك من يرى أن مفهوم deep state لا ينطبق على واقع الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية لأنه مصطلح مرتبط أصلا بالأنظمة غير الديمقراطية حيث تغيب الشفافية وسيادة حكم القانون. ونحن مع هذا الرأي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////////////