كان الناس في السودان منذ عهد مملكة سنار (انظر كتاب الطبقات) وربما قبلها يتخذون بيوتهم من القش و القصب والحطب ولا يزال يفعلون ذلك في عدد من نواحي السودان منها قرى كردفان ودارفور والنيل الأزرق ومناطق القضارف. ومن الدلائل على ان طريقة البناء هذه كانت شائعة في كل أو جلّ السودان قولهم في المثل: "خربانة أم بناياً قش" يعنون الدنيا. 

ويتكون بيت الأسرة من قطاطي جمع قطية بمثابة غرف وحجرات، ورواكيب جمع راكوبة بمثابة فرندات، والحوش وهو سور القش الذي يحوش البيت والصريف وجمعه صرفان وهو الجانب الواحد من الحوش.
وكل هذه الأسماء كلمات عربية أو مشتقة من كلمات عربية معجمية. القطية كوخ مخروطي الشكل يبنى من قصب الدخن بخاصة وعيدان الشجر وجذوعه. والقطية اصلا اسم لرأس كوخ القش ثم اطلقت على كل البناء. يقولون قطية البيت ويعنون رأس القطية. ونرى أن الاسم قطية نسبة إلى القط. وهو القطع على شكل هندسي معين كقطع معدن على هيئة بعينها أو قطع قصبة في شكل قلم.
يقول لسان العرب: "القط: القطع عامة. وقيل هو قطع الشيء الصلب كالحُقة ونحوها تقطها على نحو مسبور كما يقط الإنسان قصبة على عظم. وقيل هو القطع عرضا: قطه يقطه قطا. ومنه قط القلم والمقطة والمِقط: ما يقط عليه القلم". انتهى.
وعلى ذلك سمي رأس الكوخ قُطية لأنه يُقطع ويسوى بطريقة هندسية معينة تشبه سنة القلم. بل أن القطية كلها كبناء مقطوعة على شكل مخروطي معين. والغرض من هذه الهيئة المخروطية للقطية هو منع ماء المطر من النفاذ إلى الداخل. فهذا الشكل المخروطي يجعل الماء ينزلف على القش إلى أسفل من الخارج.
ويطلقون لفظ بيت على القطية الواحدة. جاء بكتاب الطبقات قوله: "وجدته راقد في راكوبة قدام بيت". ص 228. كلمة بيت المراد بها هنا قطية حيث تطلق كلمة بيت في كلامنا على البيت باكمله أو بحوشه كما تطلق على القطية الواحدة (مجاز مرسل). وفي العادة عندما تبنى القطية تبني قدامها راكوبة كفرندة.
والراكوبة وجمعها رواكيب، عريشة معروفة وربما سميت بذلك لكونها تشبه الراكوبة. جاء بلسان العرب: "الراكوبة والراكوب: ما ينبت من الفسيل في جذوع النخل وليس له في الأرض عرق. والجمع رواكيب". انتهى. إذن سميت الراكوبة كذلك لأنها تشبه عريشة فسيل النخل.
والراكوبة إما أن تكون مسيوجة (من السوج) في كلامنا، وهو السياج، أو غير مسيوجة. فإذا كانت غير مسيوجة بالجنبات فتوصف بأنها "حاحاية" يقولون: راكوبة حاحاية ساكت. ومن أمثالهم: ما تشكر لي الراكوبة في الخريف. وذلك لكون الراكوبة لا تمسك ماء المطر الذي ينهمر على مَن بداخلها، وذلك بسبب سقفها المستوي من القش.
وأما الحوش في كلامنا فتطلق على فناء الدار وعلى سور أو حائط البيت أيضا الذي يحوش كل وحداته. وهي فصيحة من حاش يحوش حوشا فهو حائش. جاء في لسان العرب: "وفي الحديث أنه دخل حائش نخل فقضى فيه حاجته، وهو النخل الملتف المجتمع كأنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض. ومنه الحديث: أنه كان أحب ما استتر به إليه حائش نخل أو حائط. وقال بن جني: الحائش اسم لا صفة و(الهمزة) في الأصل واو من الحَوش".
وهكذا سمي حائط البيت في لهجتنا حوشا لأنه يحوش ويجمع وحدات البيت. يقول صاحب اللسان: "حُشت عليه الصيد إذا نفرته نحوه وسقته اليه وجمعته عليه. وفي حديث سمرة: فإذا عنده ولدان وهو يحوشهم أي يجمعهم. وحشت الإبل: جمعتها وسقتها. الأزهري: حَوّش إذا جمع. وحاش الذئب الغنم". وعليه سمي الحوش حوشا لأنه يحوش ويجمع وحدات البيت في فناء واحد.
ويسمى الجنب الواحد من جنبات الحوش صريفا. ويبني بمثابة حائط من القش والقصب الجاف والعيدان اليابسة. والصريف كلمة عربية. جاء بلسان العرب: "والصّريف: السعف اليابس، الواحدة صريفة، حكى ذلك ابو حنيفة، وقال مرة: هو ما يبس من الشجر مثل الضريع". وعلى ذلك يكون اسم الصريف في لغتنا مأخوذ من القش اليابس وعيدان الشجر اليابسة التي تستعمل في بنائه وهو من باب إطلاق الجزء على الكل (مجاز مرسل). وقد يكون للصريف تأويل آخر فيما نرى وهو أنه يصرف عن البيت البهائم ويصد كل ما ليس مرغوب فيه. والقوائم المكونة لهيكل الصريف من العيدان وتسمى "غَزَّاز" من الغز وهو الغرز في الأرض، الواحدة غَزَّازة.
أما القوائم التي تغرز في الأرض وتحمل الجزء الأعلى من القطية وهيكل الراكوبة فتسمى شِعَب الواحدة شِعْبَة بالكسر، وبالمعجم شُعْبة بالضم، وسميت كذلك لأن رأسها يتفرع إلى شُعبتين في شكل الحرف الإنجليزي v . يقول لسان العرب: "وتشعبت أغصان الشجرة وانشعبت: انتشرت وتفرقت. والشُّعبة من الشجر: ما تفرق من أغصانها. ويقال: هذه عصا في رأسها شُعبتان. وانشعب الطريق: تفرق، وكذلك أغصان الشجرة. والتشعب: التفرق والانشعاب مثله". انتهى.
والأعمدة الطولية التي تشكل هيكل الجزء الأعلى المخروطي من القطية تسمى "كَوْ" الواحدة كواية. ولعل الكوة اسم البلدة المعروفة بالنيل الأبيض، الصيغة الصرفية الفصيحة في كواية. وابراهيم أبو كواية إذاعي معروف. وكو ليست بعربية ولعلها والله أعلم، نوبية.
والمَطارِق جمع مُطْرق العيدان الطويلة الرقيقة اللدنة تقطع من فروع الشجر تشذب (تبربح) وتستعمل خضراء أو يابسة في لمّ وشد مكونات البناء من قش وحطب. وتتخذ من المطارق أيضا العصا الخفيفة لسوق الدواب والتاديب ومنها ما يستعمل في ضرب القطن المستعمل في النجادة لينتفش. وقد شبهت بها الشلوخ الطويلة فيقولون: شلوخه مطارق.
جاء في لسان العرب: "وأصل الطرق الضرب ومنه سميت مِطرقة الصائغ والحداد لانه بها يطرق أي يضرب بها وكذلك عصا النجاد التي يضرب بها الصوف. وطرق النجاد الصوف بالعود يطرقه طرقا: ضربه، واسم ذلك العود الذي يضرب به المِطرقة. وفي الحديث: انه رأي عجوزا تطرق شعرا، وهو ضرب الصوف والشعر بالقضيب لينتفشا". والطَرَق أيضا اللين والرقة والتكسر. يقول لسان العرب: "ويقال: بعير أطرق وناقة طرقاء في يديها لين. وفي الرجل طَرقة أي استرخاء وتكسر وضعف. ورجل مطروق: ضعيف لين". انتهى. ومن ذلك جاءت تسميتنا للمُطرق الأخضر بذلك لكونه به لين وتكسر ورقة وتثني.
وتستعمل النِّسع لتربيط وتكريب المطارق على الحطب والقش. والنسع واحدتها نِسْعَة حبل يُضفر من سعف/ زعف الدوم والنخيل بعد أن يحول إلى (حنقوق). والنسعة فصيحة. جاء بلسان العرب: "النِّسع: سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال. والجمع أنساع ونسوع ونسع والقطعة منه نِسعة. وفي الحديث: يجر نِسعةً في عنقه. والأنساع الحبال". انتهى. ومن أمثالهم في كردفان والتي تعبر عن فضل الأم قولهم: "شالتك تسعة ومسكتْ بيك النسعة" أي حملتك في بطنها تسعة أشهر، والنسعة هنا حبل الولادة. يقولون: داية الحبل ويقصدون الداية التقليدية في مقابل الداية الحديثة.
أما القش ففصيحة. جاء بلسان العرب: "والقشّ: رديء التمر". ونحن نقول في ذلك: التمر دا قشّ ساي أي كالعشب اليابس لا فائدة فيه. وإذا كان صاحب اللسان قد اقتصر معنى القش على المثال الذي اورده، فنحن نرى أن القش في اللغة لفظ عام، فكل حشيش وعشب قش، أخضرا كان أم يابسا. وكل ما ترعاه البهائم قش في لغتنا. ومخلفات الزرع بعد الحصاد قش، مثل قش الدخن الذي يستعمل في البناء وغيره.
وأما العيدان جمع عود فهي فصيحة كذلك. يقول لسان العرب: "العُود كل خشبة دقت، وقيل: العود خشبة كل شجرة دق أو غلظ. والجمع أعواد وعيدان. وفي الحديث: عليكم بالعُود الهندي. قيل: هو العُود الذي يتبخر به. والعُود ذو الأوتار الأربعة: الذي يضرب به، والجمع عيدان". انتهى. والعود وحدة قياس للأرض الزراعية بالجزيرة والشمالية. أما "عود المخمس" فهو وحدة قياس للأرض الزراعية بكردفان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.