فؤجي الناس بأن التعديلات الدستورية المقترحة مؤخرا، تضمنت إدخال نص متعلق بالزواج يقضي بجواز انعقاد العقد بالتراضي بين الزوج والزوجة مباشرة وبحضور شاهدين قاصدا بذلك استبعاد رضا ولي الزوجة الذي يعد رضاه وفق القانون الساري شرطا من شروط صحة عقد الزواج.

أقول فؤجي الناس بهذا النص الجديد لأنه لم يأت على خلفية مطالبات حقوقية ولم يُطرح للنقاش على المختصين أو فئات المجتمع ومنظماته المدنية والدينية اللهم إلا ممن قدمه وتمسك به لأسباب تخصه.
في البدء نتفق مع الذين قالوا إن هذا النص المقترح محله القانون وليس الدستور. وهذه مسألة متعلقة بفقه وضع الدساتير. فالدستور يجب أن يقتصر على المبادئ العامة ثم يأتي القانون لتفصيلها وتنزيلها على النحو الذي يجب ألا يتعارض مع هذه المبادئ أو روحها. والنص المقترح نص تفصيلي متعلق بالقانون وليس الدستور. فإذا أرادوا إسقاط شرط الولي من شروط صحة الزواج فما عليهم إلا ان يدخلوا تعديلا، إذا رأوا هنالك ضرورة، على المواد 32-36 من قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991 التي تقضي بوجوب الولاية في عقد الزواج.
الأمر الثاني ان الذين اعترضوا على النص المقترح باستبعاد موافقة ولي الزوجة كشرط لصحة الزواج، اعترضوا عليه بحجة مخالفته للشريعة الإسلامية، ونحن نرى أنه يجوز في الشريعة أن تزوج المرأة نفسها بغير ولي وقد أجاز فقهاء المذهب الحنفي ذلك.
غير أننا نرى أن هذا النص المقترح الذي يجوِّز الزواج بالتراضي مباشرة بين الزوجين، تحصيل حاصل لأن ما يتم فعلا على أرض الواقع هو أصلا زواج بالتراضي. فلا يوجد اليوم، في غالب الأحوال، زواج ينعقد من غير تراضي مباشر بين الزوجين. وبحكم العادة الإجتماعية يتم عقد الزواج بالمشاورة بين البنت وولي أمرها وفي أغلب الحالات يصل الطرفان لاتفاق مرضي للجميع. بل انما يحدث الآن على الصعيد العملي ان البنت هي التي تختار شريك حياتها ثم تسعى من بعد الى اقناع الأسرة به وذلك دون حاجة إلى تدخل تشريعي.
إن موافقة الولي لم تكن لتشكل مشكلة كبيرة فبحكم حركة تطور المجتمع بسبب التعليم والتحولات المجتمعية وخلافه، لا يوجد اليوم ولي عاقل يمكن أن يزوج وليته قسرا اللهم إلا حالات نادرة لا يقاس عليها. كما لا توجد بنت راشدة يمكن ان تنفرد بتزويج نفسها من غير موافقة ولي امرها اللهم إلا حالات نادرة أيضا لا يقاس عليها. ومهما كانت الخلافات بين البنت وولي أمرها بشأن الزواج، ففي الغالب يتم حسم هذه الخلافات بالتراضي وغالبا ما يرضخ الولي لرغبة البنت في النهاية.
أما في الحالات القليلة النادرة التي تصر فيها البنت على الزواج من شخص معين يرفضه الولي، فإن القانون الساري قد وضع المعالجة لذلك. فقد نص قانون الاحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991 في مادته رقم 37 على أنه :"(1) إذا امتنع الولي عن تزويج موليته فيجوز لها أن تطلب من القاضي تزويجها(2) يجوز للقاضي أن يأذن بتزويج من طلبت الزواج إذا ثبت له أن وليها ممتنع عن التزويج بلا مسوغ شرعي". انتهى.
أقول إن الرغبة في استبعاد الولي كلية من المشهد لم تستصحب حركة تطور المجتمع وأغفلت تماما حقيقة أن العرف المجتمعي لا يزال ينظر إلى الزواج بوصفه شأنا أسريا وليس فرديا فقط.
وهنا رب قائل يقول: وماذا عن ختان الإناث؟ أليس عادة اجتماعية وعرف اجتماعي؟ لماذا نمنعه بالقانون؟ هذا صحيح، ولكن الفرق كبير جدا. الختان عمل ضار بجسد طفلة قاصرة لا حول لها ولا قوة وهو ضرر لا يمكن تداركه او معالجته إلا بمنعه بقوة القانون، أما عدم موافقة ولي الأمر على الزواج فيمكن معالجته بعدد من التدابير ومنها ما نص عليه القانون وهو حق البنت في الزواج بمن يرفضه وليها باللجوء للقاضي الذي يحق له أن يزوجها أو يأذن بتزويجها بغير إذن وليها.
ربما رأى أنصار حقوق المرأة والحقوق المدنية عامة في هذا التعديل المقترح إذا أجيز انجازا عظيما أتاهم من حيث لا يحتسبون، ولكن يجب عليهم أيضا أن ينظروا إلى موافقة ولي الزوجة في سياقها المجتمعى والزمنى وألا يروا في انفراد البنت بالزواج كحق، نظرة تجريدية معزولة عن السياق المجتمعي. ربما في المستقبل يفرض الزواج المدني نفسه، ولكن الآن لا يزال بحكم تركيبة الأسرة السودانية ينظر الى الزواج بوصفه شأنا أسريا.
نقطة أخيرة أود التعليق عليها لأهميتها وهي أن بعضهم نشر بوسائل التواصل الاجتماعي ما يبدو من شكله الظاهري أنه نموذج جديد لوثيقة زواج (قسيمة) وذلك بالتزامن مع النقاش حول مقترح الزواج بالتراضي، وقد اقتصر النموذج الجديد على توقيع الزوجين فقط والشاهدين واسقاط وكيل الزوج والزوجة. ولا نستطيع أن نجزم بصحة هذا النموذج الجديد لوثيقة الزواج ولكن إن صح صدوره عن السلطة القضائية، فإن هذا من شأنه أن يثير اللبس ويدخل في فهم الناس أنه صادر بناء على التعديلات الدستورية التي استبعدت شرط رضا الولي من عقد الزواج والتي لم تجاز حتى تاريخه. وهنا يتعين على السلطة القضائية اصدار بيان لشرح ملابسات اصدار هذه الوثيقة إذا صح صدورها عنها، كما يتعين عليها مراجعة حرمان الزوجين من توكيل من ينوب عنهما في ابرام عقد الزواج وهو الأمر الذي كان عادة اجتماعية يمليها العرف ومسنودة بالقانون حيث يجوز لكل شخص قانونا ان يوكل غيره في ابرام اي عقد كان. وليس من الحِكمة مصادرة هذا التقليد الإجتماعي والحق القانوني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.