قبل ان نقف عند كلمة "نِيل" دعونا نقف أولا عند كلمة بحر. يظن معشر المتعلمين ان اطلاق لفظ بحر على النهر هو من لحن العامة ولا يجوز في الفصيح. وهذا غير صحيح بل ان قصر لفظ بحر على منهل الماء المالح دون العذب هو الخطأ بعينه. فلفظ بحر يرد في الفصحى على منهل الماء المالح والماء العذب على السواء. وما جرى به لسان السودانيين في اطلاق البحر على الماء العذب والملح هو الأصل في العربية. فهم يقولون: بحر أبيض وبحر أزرق وبحر النيل ويعنون "نهر". 

يقول معجم لسان العرب: "البحر: الماء الكثير ملحا كان أو عذبا، وهو خلاف البَر، سمي بذلك لعمقه واتساعه، وقد غلب على الملح حتى قلَّ في العذب. قال الأزهري: كل نهرٍ لا ينقطع ماؤه مثل دجلة والنيل وما أشبههما من الأنهار العذبة الكبار فهو بحر". انتهى.
وأورد المعجم المذكور عددا من الشواهد الشعرية على اطلاق لفظ البحر على الماء العذب لكنه نسي الشاهد الحاسم وهو قوله تعالى: "وهو الذي مرج البحرين، هذا عذبٌ فرات وهذا ملحٌ أجاج". الفرقان – 53. وقوله تعالى: "مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان". الرحمن- 19. البحران هنا البحر العذب (النهر) الذي يصب في البحر المالح، فكلاهما بحر. صحيح ان كلمة نهر وجمعها أنهار قد وردت في القرآن الكريم اسما على منهل الماء العذب ولكن هذا لا ينفي ولا يتعارض مع اطلاق لفظ بحر على النهر. وقد فطن محررو الموسوعة البريطانية الإنجليزية الى ذلك فذكروا أن نهر النيل يطلق عليه أيضا لفظ بحر.
وكان ابن مكي الصقلي المتوفي سنة 501هــ في كتابه (تثقيف اللسان وتلقيح الجِنان) قد غلطَّ من يقصر من أهل عصره، كلمة البحر على الماء المالح. يقول بباب ما جاء لشيئين فقصروه على واحد: "لا يقولون بحر الإ لما كان ملحا خاصة. والبحر يقع على العذب والملح". ص 173.
أما إذا أراد السودانيون البحر الملح، قالوا: البحر المالح أو البحر المر. جاء في كتاب الطبقات في ترجمة عبد الله بن الحلنقي: "وانقادت له قبايل الشرق من بحر اتبره الى البحر المر". ص 265. وجاء في موضع آخر: "في مركب، المالح هاج عليهم الريح، كادت المركب ان تغرق". الإشارة هنا بالمر والمالح إلى البحر الأحمر.
أصل كلمة نِيل:
لم يبحث عون الشريف قاسم بقاموس اللهجة السودانية في أصل كلمة "نِيل"، ولكنه اكتفى بشرح عبارة: البحر نَيّل، بقوله: فاض وارتفع وصار لونه أسودا. أما المصادر الإنجليزية التي بحثت في أصل كلمة نيل والتي اطلعنا عليها بالشبكة العالمية، فتذهب الى ان أصلها كلمة نيلوس Neilos الاغريقية التي تعني وادي. غير ان هذه المصادر نفسها تقول ان كلمة نيلوس ذات أصل سامي: نسبة الى اللغات السامية، وهي لغات الشرق الأوسط القديمة والحية:(الأكادية والفينيقية والسريانية والعبرية والعربية والحميرية والحبشية).
جاء بالموسوعة البريطانية الإنجليزية: "اسم النيل مشتق من الكلمة الإغريقية نيلوس والتي من المرجح أنها مأخوذة من الجذر السامي "نَهَل" بمعنى وادي او وادي النهر".
الحقيقة ان القول بان نيل إغريقية ما هو إلا إلتواء، إذ ان كلمة نيلوس الإغريقية ما هي إلا كلمة نيل السامية نفسها اضيفت إليها علامة المذكر "أوس" فصارت في الإغريقية نيلوس أي النيل! وكان على هذه المصادر ان تذكر ابتداءً أن كلمة "نِيل" سامية الأصل.
أما القول إن الجذر السامي الذي اشتقت منه كلمة نِيل هو "نهل" والذي جاءت منه كلمة منهل وجمعها مناهل، ربما كان صحيحا من حيث المعنى لكنه ليس صحيحا من حيث اللفظ. فمن حيث اللفظ نحن نرى أن النيل مشتق من الجذر نَيَل ينيل نَيلا أو نال ينيل نوالا. فقد ورد اسم النيل بالمعاجم العربية تحت مادة :نَيَل. ووردت كلمة نِيل نفسها في الشعر الجاهلي بمعنى فيض المطر. فقد أورد لسان العرب قول أمية بن أُبي:
أناخَ بأعجازٍ وجاشتْ بِحارُه * ومدَّ له نِيلُ السماءِ المنزَّلُ
نِيل السماء: مطر السماء وفيضها. لذلك يقول معجم الصِحاح في وصف نهر النيل: "فيضُ مصر". وجاء تحت مادة نَول بلسان العرب: النَوْل: الوادي السائل. والنوال: العطاء. يستخلص من ذلك ان لفظ نِيل في العربية وأخواتها السامية يطلق على فيض او فيضان المطر الذي يجري ويفيض به الوادي أو النهر او هو وادي النهر السائل. وما يعزز ذلك ان هنالك نهر صغير بالعراق يسمى نِيل أيضا. يقول لسان العرب:" والنِّيل: نهر مصر. ونِيل: نهر بالكوفة، وحكى الأزهري قال: رأيت في سواد الكوفة قرية يقال لها النِّيل يخرقها خليج كبير يختلج من الفرات الكبير، قال: وقد نزلت بهذه القرية، وقال لبيد: ما جاوزَ النِّيلُ يوماً أهل إبْلِيلا". انتهى. (انظر مادتي : نَيل ونَول بمعجم لسان العرب).
هذا، وقد فطن ود ضيف الله في الطبقات إلى أن النيل هو الفيضان أو فيض ماء السماء على وادي النهر. يقول في سيرة الشيخ ابراهيم بن الشيخ صغيرون:" وتوفى سنة تسعة وتسعون بعد الألف سنة النِّيل اللم الناس من أم لحم بمدينة سنار". ص 76. النِّيل هنا بمعنى الفيضان الذي أعاد الناس إلى ديارهم بالنيل بعد نجيع سنة مجاعة أم لحم إلى كردفان ومناطق جنوب النيل الأزرق (الصعيد). ومعنى النِّيل هنا يتوافق مع ما ورد في معنى النيل في المعاجم العربية على النحو السابق بيانه.
ويقول ود ضيف الله في تفسيره لاسم الشيخ علي النَيَّل بن الشيخ محمد الهميم ما يلي:" وسلك الطريق على ابيه الشيخ محمد وارشده وقام مقامه في السلوك وتربية المريدين حتى انه سمي النَيِّل لكثرة ارشاده كما النِّيل اذا طمح يروي الأرض اليابسة. وقال الشيخ دفع الله لما رأى البحر طامح على الأرض اليابسة كذلك الشيخ علي مثله". ص 300و301.
ويؤكد المحقق يوسف فضل على تفسير المؤلف لاسم النَيَّل في تعليقه على ترجمة ابو القاسم الجنيد بن علي النَيَّل، بقوله: "نَيَّل النهر أي ارتفع واكتسب ماؤه لونا بنيا او داكنا من كثرة ما يحمل من طمي. ويقولون البحر مُنَيِّل اي هائج وفائض واكتسب لونا ارزقا اي اسودا. وكلمة النَيَّل تطلق على الرجل الشهم الكريم كالنهر الفائض الذي يعطي الخير". ص 70.
وعلى غرار ذلك جاء عندنا الاسم العلم المذكر: "النَّيل" وكذلك "حمد النِّيل". والشيخ حمد النِّيل بن دفع الله بن مقبل العركي ورد ذكره في الطبقات في ترجمة الشيخ دفع الله بن مقبل جد العركيين، في سياق الحديث عن ابناء الشيخ الذين يعرفون بـ"الخمس العدول" وحمد النِّيل أحدهم. وأرى أن حمد هو الاسم الأساس والنِّيل صفة او لقب لحمد ثم دمجت الصفة مع الموصوف فصارت اسما مركبا: حمد النِّيل. ومعنى النِّيل الذي ينيل أي يفيض بالخير العميم. وعليه يكون معنى الاسم كاملا: حمد المعطاء الكريم الذي يعم جوده وفضله الجميع مثل نهر النيل.
اسم نهر النِّيل في اللغة النوبية والمصرية القديمة:
جدير بالذكر أن اسم نهر النيل لم يرد بالكتاب المقدس (التوارة والإنجيل) وإنما وردت الإشارة إليه باسم جيحون حيث جاء بسفر التكوين بالعهد القديم: "واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش". واُكتفِيَ في الإشارة إليه بباقي الأسفار، بكلمة النهر. وكلمة نهر في العبرية هي نهر العربية ذاتها وكذلك هي في السريانية/ الآرامية.
ولا شك أن القاريء الكريم تساءل اثناء اطلاعه على هذا المقال عن اسم نهر النيل في اللغة المصرية القديمة أو في اللغة الكوشية أو النوبية. وطبقا لمعجم ارمبرستور للغة النوبية الدنقلاوية (بالإنجليزية، طبعة كمبيردج 1965 ص212) يسمى نهر النيل في النوبية اُرو Uru . ويفهم مما ذكره المعجم ان الكلمة النوبية "اُرو" تطلق على كل نهر كبير ونهر النيل بخاصة.
أما في المصرية القديمة فتذكر المصادر الإنجليزية التي اطلعنا عليها، أكثر من اسم لنهر النيل في اللغة المصرية القديمة. فبينما تذكر موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية أن النيل يسمى عند الفراعنة: حابي او هابي، يقول موقع مصر القديمة وكذلك الموسوعة البريطانية الإنجليزية ان نهر النيل يسمى في المصرية القديمة: آر Ar أو أيور Aur وتعني أسود. لاحظ قرابة هذا اللفظ من اللفظ النوبي لاسم نهر النيل. وتمضي الموسوعة البريطانية وموقع مصر القديمة، في تفسير تسمية النيل بالأسود، بالقول ان سبب ذلك يعود إلى الطين الذي يفيض به النيل وإلى ترسبات الطمي التي تجعل لون الأرض التي يفيض عليها أسودا.
والتسمية الفرعونية للنيل بالأسود تستدعي تسمية النيل الأزرق بذلك والتي تعني النيل الأسود في اللهجة السودانية. الحقيقة إن اطلاق الأزرق على الأسود ليس أمرا قاصرا على اللهجة السودانية فقد ورد ذلك في القرآن الكريم، وإن لم يرد بالمعاجم وكتب التفسير، وذلك في قوله تعالى: "ونحشر المجرمين يومئذ زُرقا". طه- 102 أي سود الوجوه. (انظر مقالنا: بلو نايل أم بلاك نايل- سودانايل).
النِّيل والنِّيلة:
وهنالك سؤال آخر يفرض نفسه وهو ما علاقة النِّيل بالنِّيلة؟ لا علاقة بين النيل والنيلة إلا من ظاهر اللفظ. والنِّيلة من أصل فارسي طبقا لعون الشريف قاسم لكنه لم يذكر الأصل الفارسي للكلمة وهو "نَيلَج". جاء بمعجم القاموس المحيط: "ومن العظلم يُتخذ النيلج، بأن يغسل ورقه بالماء الحار، فيجلو ما عليه من الزرقة ويترك الماء فيرسب النيلج أسفله كالطين، فيصب الماء عنه ويجفف. وهو مبرِد يمنع جميع الأورام في الإبتداء". انتهى.
والنَيلَج هو نفسه الصبغة الزرقاء اللون blue والتي تستخلص من ورق شجر استوائي يسمي في الإنجليزية indigo. وكان ثوب "الزراق" السوداني يصبغ بهذه النيلة أو النيلج. وواضح أن منشأ تسمية هذا الثوب بالزراق، مصري. فالزرقة في اللسان السوداني تعني السواد كما هو معروف، وهذا الثوب لونه "بلو" وليس أسودا. وعندما يقول الناس في السودان: البحر نيّل أو منيّل لا يقصدون أنه صار أزرقا blue مثل النيلة وإنما يعنون بذلك أنه فاض وصار لونه داكنا أو أسودا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.