قدم البروفسور الدكتور يوسف فضل حسن خدمة جليلة للثقافة السودانية باقدامه على نشر وتحقيق كتاب الطبقات لمحمد النور وضيف الله الذي انجزه المؤلف في اواخر مملكة سنار في 1753. وجاء تحقيق يوسف فضل للكتاب تحقيقا ممتازا واحترافيا ونموذجا يحتذى في التحقيق من حيث اصول تحقيق المخطوطات ومضاهاة النسخ المتوفرة، وشرح ما غمض من كلمات وتحديد أسماء الأماكن والتحري من أسماء الشخصيات وغير ذلك مما يتطلبه التحقيق وهذا عمل شاق يحتاج الى صبر ودراية ونزعة اكاديمية صارمة عُرف بها أستاذ الأجيال البروف يوسف فضل.
ولكن كما يقولون الكمال لله وحده، فقد شاب التحقيق بعض الأخطاء الطباعية واللغوية وشيء من القصور في الشروحات وتحقيق معاني بعض الكلمات والأسماء وتحديد بعض الأماكن.
أما كون أن المحقق لم يحقق في الكرامات وخوارق العادات التي يزخر بها كتاب الطبقات، فهذا زعم لا علاقة له بمفهوم تحقيق المخطوطات. فليس من حق أو من وظيفة المحقق المساس بمحتويات المخطوطة من حيث الموضوع أو التعبير عن رأيه الشخصي فيما جاء فيها، وكل عمله ينحصر في معالجة وإخراج المخطوطة لتكون قابلة للقراءة والفهم في اللغة التي كتبت بها، وهذا ما نجح فيه الدكتور يوسف فضل. فتحقيق أي مخطوطة ينحصر في الشكل ولا يتعداه إلى الموضوع. (انظر- مقالنا: حول تحقيق الكتب والمخطوطات- سودانايل).
وفيما يلي ننبه الى بعض مما أفلت من المحقق أو فاته إدراكه. ونتمنى للدكتور الفاضل الصحة والعافية وطول العمر حتى تتاح له الفرصة لتصحيح هذه الهنات وغيرها في طبعات قادمة. وقد اعتمدنا في هذه القراءة على الطبعة الرابعة من الكتاب والصادرة سنة 1992 عن دار نشر جامعة الخرطوم:
الأخطاء الطباعية واللغوية:
1- جاء في اول سطر من الطبقات قوله: "اعلم ان الفُنج ملكت أرض النوبة وتغلبت عليها" ص 39. وفي شرحه لكلمة النوبة بالهامش رقم (4) يقول الدكتور يوسف فضل: "ويطلق على سكان مملكة سوبا الفنج". والصحيح العنج. خطأ طباعي.
2- جاء في سيرة الشيخ ابو ادريس محمد بن دفع الله بن مقبل العركي:"وممن سلك عليه طريق القوم ولده الشيخ دفع الله وأبو عاقلة ابن أحمد اخيه". ص 66. والصحيح "ابو عاقلة بن حمد اخيه". وحمد هذا هو حمد النيل احد ابناء الشيخ دفع الله بن مقبل العركي والمعروفين بالخمس العدول كما جاء بالطبقات. وقد استوثقنا من ذلك من الاستاذ الباحث الصديق/ عز العرب حمد النيل العركي. ولا ندري هل الخطا راجع لناسخ المخطوطة ام يعود لطباعة النسخة المحققة.
3- وجاء ايضا في سيرة الشيخ ابو ادريس العركي المذكور آنفا: "ثم انتصب الشيخ ابو ادريس للذكر، وتفرقت طريقة تاج الدين منه". ص 66. وتاج الدين هو تاج البهاري الذي نشر الطريقة القادرية بالسودان. والخطا في عبارة: "وتفرقت طريقة تاج الدين منه". والصحيح بمقتضى السياق "تفرعت" وليس تفرقت. وما يعزز ذلك ان هذه العبارة وردت مرة اخرى باستخدام كلمة "تفرعت" وذلك بسيرة الشيخ بان النقا الضرير حيث يقول المؤلف: "تفرعت طريقة تاج الدين من هؤلاء المذكورين". ص 105.
4- لم يحرص المحقق على التمييز بين رسم الالف المقصور والياء في آخر الكلمة. مثل كلمتي "على" حرف الجر، والاسم المعروف "علي" فهو يرسمها كلها على نحو واحد من غير وضع نقطتين على الياء في علي. ومن ذلك كتابة الاسم، علي ولد بَري هكذا: "على بن برى". ص 293 فالقاريء إذا قرأ الاسم الأول فلا يدري كيف يقرأ الاسم الثاني أو قرأه خطأ. وكذلك كتابة كلمة "الهُوي" ص 63 وغيرها بدون نقطتين على الياء في اخر الكلمة. وكتابة كلمة "قَري" ص 43 وغيرها أيضا بغير وضع نقطتين على الياء في آخر الكلمة. وقد ورثنا عدم التمييز بين كتابة الالف المقصور والياء من المطابع المصرية القديمة ولكن مفاتيح الطباعة في أجهزة الكمبيوتر تميز الآن بوضوح بين رسم الحرفين.
5- وجاء في سيرة ابو عاقلة الكشيف: "وسلك طريق القوم على عمه الشيخ ابو ادريس". ص 69. وفي التعريف بالشيخ ابو ادريس يقول المحقق في الهامش 21 انظر: الترجمة 50". وهذا خطا فترجمة الشيخ ابو ادريس رقم 8 بالكتاب.
6- وجاء في سيرة المسلمي الصغير: "وصحب في التصوف الشيخ دفع الله العركي بن الشيخ ابو ادريس". ص 83. وفي التعريف بالشيخ دفع الله العركي بن ابو ادريس يقول المحقق بالهامش (11) انظر الترجمة 98. والصحيح الترجمة 99.
7- وفي ترجمة الشيخ العجمي بن حسونة، يقول المحقق في الهامش(1): "هو الشيخ حسن ود حسونة". ص 88. والصحيح: "هو أخ الشيخ حسن ود حسونة". سقطت كلمة "أخ". أي ان العجمي هو أخ حسن ود حسونة وليس هو ذاته.
8- وردت عبارة "بات القوا" أكثر من مرة في الطبقات. وبرغم ان المحقق يقول في الهامش أن كلمة "القوا" رسمت هكذا في سائر نسخ المخطوطة، إلا أنه خالف هذا الرسم وكتبها حيثما وردت "القوى" وهذا خطأ. والصحيح ما ورد في النسخ الأصلية "القوا" أي القواء بالمد وليس القصر. وقد وردت عبارة "بات القوا" بحذافيرها بمعجم لسان العرب، يقول: "وبات فلان القَواء، اذا بات جائعا على غير طُعم. قال حاتم طيء:
وإني لأختار القَوا طاوي الحشى* محافظةً من أن يُقال ليئم.
قال المهلبي: القوا ههنا بمعنى الطَوَى. وأقوى الرجل: نفذ طعامه وفني زاده ومنه قوله تعالى: (ومتاعا للمقوين). وفي حديث سرية عبد الله بن جحش: قال له المسلمون إنا قد أقوينا فأعطنا من الغنيمة أي نفدت أزوادنا. وأقوى الرجل اذا جاع فلم يكن معه شيء وان كان في بيته وسط قومه". انتهي. هذا، ولم ترد مفردة "القوا" في قاموس اللهجة العامية السودانية للدكتور عون الشريف قاسم.
والمواضع التي وردت فيها كلمة القوا وكتبها المحقق القوى، هي: يقول ود ضيف الله في سيرة الشيخ بدوي ود ابو دليق: "قال ولد ابو عريف الجعلي نحن طلاب نقرا القرآن في خلوات الشيخ بدوي، ختت جلابة بين المغرب والعشاء فيها ستماية جمل..، قلنا الليلة البوابين يبيتوا القوى من كثرة الأضياف". ص120. ويقول في سيرة الشيخ عبد الله العركي ان والده دفع الله : "سافر الى دار الشايقية فوجد ولده شايل شبكته ومنجله يحش القش للخيل. فذبحوا له شاة فامر باكلها. فبات القوى. فاخبروا الشيخ بذلك فقال: ابو عبد الله ولدنا يبيت القوى ما راءنا اهل للخدمة". ص 252. أما في سيرة الشيخ عبد الله الحلنقي، فيقول: "وقال شحادة: بتنا في المسجد بايتين القوى. قال لنا الشيخ ابو عاقلة: اعذرونا، الحلة من فراق الشيخ ما اوقدت فيها نار". ص 266.
9- جاء بترجمة الشيخ حامد بن عمر ابو عصا، جد العمراب: "وسئل عنه الشيخ ادريس فقال الشيخ حامد سكت والله بتكلم؟ قالوا له: بتكلم قال: بمجرد ما يسكت، بموت". ص 148و149. الخطا في عبارة: "والله بتكلم". وأصل نطق العبارة هو: ولا بتكلم. والمعنى: سكت ام لسع بتكلم. ولما كان ذلك فان رسمها مطابقا لاسم الجلالة يعد خطا هجائيا ومعنويا. مع ان المحقق قد ذكر في الهامش 12 انها رسمت باحد نسخ المخطوطة: "ول بتكلم" بينما رسمت في مخطوطة اخرى "ولا يتكلم" وما جاء بهاتين النسختين اصح مما ذهب اليه المحقق. وقد تكرر ذات الخطا بسيرة الشيخ حمد النحلان حيث جاء: "قال: فجبت معي كراع عنقريب صندل. قلت يا سيدي: بخروا بها الخلوة للعبادة. فجدعها. وقال لي: يا كيك، ذكر الله بطيب والله بطيبوه". ص 165. الخطا في عبارة :" والله بطيبوه". والصحيح : ولا بطيبوه. والمعنى ام بطيبوه.
10- يقول المؤلف في ترجمة الشيخ عبد الله ود العجوز:"فقال له: اعف من داوود قال: شن فعل؟ قال: ما قالك انت ما اخير مني؟ فقال بأي شيء اخير مني؟ هو ازرق وانا ازرق وجاء من الغرب وانا جيت من الغرب". ص 270. والخطأ في عبارة: "فقال باي شيء اخير مني؟" الصحيح منه وليس مني. اي ان الشيخ يقول: باي شيء انا اخير منه.
11- جاء في سيرة عبودي تلميذ المسلمي: "وكان صاحب كرم شديد وله قدحا كبيرا يشيل الجخض كل ليلة يملوه يختوه في الفجة". ص 271. الجخض خطأ طباعي والصحيح "الجخص" بدليل انه كتبت في موضع اخر في ذات المعنى جخص. والجخص وتنطق "جخس" هو التور او التيس المدوعل او المخصي بغرض الذبح.
12- ويقول المؤلف في ترجمة الشيخ نعيم البطحاني:" وكان جسيما والشيخ بدوي نحيف. وان رجلا مصع به جملا. فقال له: يا بدوي أبشلة ويا نعيم الضامر". ص 365. الخطا في عبارة: "فقال له: يا بدوي أبشلة ويا نعيم الضامر". كلمة "له" في "فقال له" زائدة والصحيح "فقال" من غير زيادة. فالرجل نهم كلا من الشيخ بدوي والشيخ نعيم، فقال: "يا بدوي أبشلة ويا نعيم الضامر". فخلط بين الصفتين إذ جعل بدوي جسيما وهو النحيف وجعل نعيم نحيفا وهو السمين.

في الشروح وتحقيق معاني الكلمات والاسماء والاماكن:
أرباب:
في شرحة لكلمة أرباب في اسم الشيخ ادريس ود الأرباب يقول الدكتور يوسف فضل استنادا الى عون الشريف قاسم: "والكلمة مكونة من مقطعين ارب أو عرب و آب وهي مقطع بجاوي يدل على النسبة والمفعولية". ص49. وأقول كلمة أرباب عربية وهي جمع رب واستعمل الجمع في راينا في اسم ادريس ود الأرباب وغيره، للتعظيم فقيل: أرباب. وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم في صيغة الجمع في مثل قوله تعالى:"ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله". آل عمران - 64. ومن معاني رب في العربية السيد والمالِك. ومن ذلك قولهم: رب البيت، وربة المنزل، وأرباب الأعمال. جاء في لسان العرب: "الرب يطلق في العربية على المالِك والسيد والمُدَبِر والمربي والقيًم والمُنعِم". ومن ذلك في حديث أشراط الساعة: "وأن تلد الأمَة ربتها". اي سيدتها. أما استعمال كلمة أرباب للمفرد فمعروف في العراق ودول الخليج العربي وقد ادخلها مسلمو اسيا وبخاصة الباكستانيين والهنود، وقد عشت وعملت بدولة الإمارت العربية ووجدتهم يستعملون كلمة "أرباب" لمخاطبة المفرد بمعنى رب العمل أو السيد. وكما قلنا ان استعمالها للمفرد الغرض منه التعظيم.
باسبار السُكري:
يقول في ترجمة باسبار السُكري عن سبب تسميته باسبار:"وسمته امه باسبار على البسبر الكمالات الإلهية". ص 109. ويقول المحقق ان باسبار:"من سبر اي اختبر او اكتشف ومنها قولهم سبر اغوار الشيء". ص 109 وهذا صحيح ولكنه لا يشرح لماذا الاسم باسبار وليس سبار؟
ونحن نرى ان اصل الاسم: أبو سبار أو اب سبار، فحذفت همزة أب وادمجت الباء في سبار على الطريقة اليمينة كما في بارزعة وبالخير، فصار الاسم باسبار. وعلى هذه الصيغة جاء عندنا اسم بابكر، وأصله أبو بكر أو اب بكر. والسَبار الآلة التي يسُبر بها. يقول لسان العرب: "السَبر: التجربة. وسبر الشيء سبرا: حرزه وخبره. والسَبر: استخراج كنه الأمر. والسَبر: مصدر سَبر الجرح يسبره سبرا نظر مقداره ليعرف غوره. وفي حديث الغار: قال ابو بكر: لا تدخله حتى اسبره قبلك اي اختبره وانظر هل فيه احد او شيء يؤذي. والمِسبار والسَبار: ما سُبر به وقدر به غور الجراحات".
تيراب:
جاء في سيرة ادريس ولد محسن: "واولاد محسن جماعة بلغ منهم ورعهم انهم اذا تبين لهم ان تيراب بلادهم مخلوط بتيراب غير تيرابهم، امتنعوا من أكل زرعهم". ص 49. يقول الدكتور يوسف فضل في تفسير كلمة تيراب وذلك اعتمادا على عون الشريف قاسم:" تيراب أي البذور وهي ليست عربية. وجاء في ارمبرستور 197 إنها دنقلاوية وتكتب تيرار بمعنى يبذر الحب، يفلح او زراعة". ص 49. وأقول كل ما ذكره الباحثون من أن الكلمة نوبية وليست عربية غير صحيح. والصحيح أن لفظة "تيراب" صيغة عربية في تراب. فقد جاء في معجم لسان العرب والقاموس المحيط ومعجم الصِحاح :"ترب وتراب وتورب وتيراب، كلمة واحدة". وعلاقة التيراب السودانية العربية بالتراب ودفن البذور في التربة ليست في حاجة إلى بيان. أما آرمبرستور فاورادها في قاموسه في اللغة الدنقلاوية النوبية، بوصفها من الكلمات التي تجري على اللسان النوبي ولم يقل إن أصلها نوبي. بل أن الأمثلة التي ذكرها تؤكد الأصل العربي للكلمة حيث جاء: "تيرب" terib يزرع و"تيربون" terbun مزروع و"تيري" terri تيراب أي البذور التي تزرع وعملية الزراعة في الأرض. وأرض "تيربون" Arid terbun أرض مزروعة". انتهى. لاحظ أن النوبية هنا أخذت كلمة أرض من العربية مثلما اخذت تيراب واجرتها على اللسان النوبي. (انظر: C. H Armbruster, Dongolese Nubian, Cambridge, 1965, p. 197,198)
تربال:
جاء في سيرة الشيخ حسن ود حسونة: "علي اخوي خدم تربالا في حفير الشيخ حسن ام قنيطير سنة" ص 294. يقول المحقق في شرح كلمة تربال:" والتربال هو الفلاح او المزارع واعتقد ان الكلمة من اصل نوبي: تُربا، انظر محمد متولي بدر: اللغة النوبية". ص 294. وأقول مثلما اخذت النوبية أرض وتيراب من العربية كما رأينا أعلاه، اخذت منها كذلك كلمة "تربال" بمعني مزارع وفلاح. وليس صحيحا ما ذهب إليه الباحثون في اللهجة السودانية من أن "تربال" نوبية، فعون الشريف يقول إنها من "تربار" النوبية بينما يقول يوسف فضل إنها من "تُربا" النوبية.
ونحن نرى ان تربال، أصلها من تراب العربية. وهذا يؤيده ما ذكره الدكتور محمد ابراهيم ابو سليم واورده يوسف فضل بمقدمة الطبعة الثانية من تحقيق كتاب الطقبات حيث جاء: "يقول الدكتور أبو سليم ان اصلها في بعض اللهجات النوبية تربا بالألف المخففة، وقد زيدت الراء أو اللام لياتي اللفظ على اللسان العربي"(51). وتأكيد أبوسليم بأن أصل نطق تربال في اللغات النوبية هو "تربا" وان الراء او اللام ليس من أصل الكلمة يحسم علاقة الكلمة بكلمة تراب العربية. وما يؤكد ذلك ان وردوها في الطبقات يدل على علاقتها بالتراب وهي قوله: "علي اخوي خدم تربالا في حفير الشيخ حسن ام قنيطير سنة". أي انه خدم لمدة سنة يحفر تراب الحفير. فمعنى "تربال" إذاً الذي خدمته التراب ومن هنا جاءت دلالتها على فلاحة الأرض. وفي ذلك ما يقوي حجة الدكتور عبد الله الطيب من أن تربال أصلها تربان، قلبت النون لاما أو راء. (انظر كتابه: من حقيبة الذكريات ص 22).
هَرد:
من اشعار الغزل المنسوبة للشيخ اسماعيل صاحب الربابة الواردة بالطبقات قوله: "تعجبك في الرقيص حين ما تهردو". ص 94. قال المحقق في معنى تهرد الرقيص: "اخبرني السيد الطيب محمد الطيب انها تعني الرقص الخيف المتواصل ويسمى ذلك النوع من الرقص المهرود". انتهى. ص 94. قلت: هَردتْ الرقيص: اندمجتْ فيه فاتقنته وبدعت فيه حتى كادت ان تتقطع من شدة الإتقان. وهذا معنى مجازي. والأصل في الهرد في اللهجة واللغة انضاج الشيء او ضربه او دعكه حتى يهتريء ويتفسخ. يقولون: هرد اللحم، إذا أنضجه حتى اهترأ. وتقول الأمهات عندنا حينما تغضب الواحدة من صغيرها: يا ولد هردت كبدتي، يهرد مصارينك". ويقول حميد في احد روائعه التي يرددها مصطفى سيد احمد: "هردتَ لهاتي بالغنوات"، أي مزقتها بالغناء.
جاء في لسان العرب: "هرد الثوب يهرده هردا فهو مهرود: مزقه وخرقه. هرد فلان الشيء انضجه انضاجا شديدا. وهردت اللحم اهرده بالكسر هردا: طبخته حتى تهرأ وتفسخ". انتهى. وهكذا فإن قوله: "تعجبك في الرقيص حين ما تهردو"، أي حين اندماجها فيه ووصولها فيه اقصى مرحلة في الأداء.أي حين تنضجه إنضاجا.
نبؤة الشيخ ادريس ود الأرباب:
تنبأ الشيخ ادريس ود الأرباب بغزو سلطنة الفور لكردفان من قبل شعبة المسبعات الذين انتزعوا كردفان من سلطنة سنار وظلوا يحكمونها حتى الغزو التركي في 1821. ووردت هذه النبؤة في الطبقات في قوله: "ومن اخباره ما وقع، وما هو منتظر الوقوع. ومنها اخباره ان دار الغرب يملكها سرايا فور من الحرازة ام قد الى الكنيسة الرقطاء وفي وراية من الترعة الخضراء فكان الامر كما كان". ص 63.
وقد وقع ما تنبأ به الشيخ ادريس. والمقصود بدار الغرب هنا كردفال أو تحديدا شمال كردفان التي كانت تخضع لسلطنة سنار. وسرايا فور المقصود بهم هنا مسبعات دارفور الذين انتزعوا كردفان من الفونج. وما اورده المحقق ليس كافيا لاستيعاب هذه النبؤة تاريخيا إذ يقول: "الإشارة هنا الى تغليب قبيلة الكنجارة وبسط نفوذها على قبائل الفور وما جاورها حتى اصبحت دولة ذات شأن في دار الغرب تنافس الفونج في السيطرة على اقليم كردفان". ص 63– انتهى. فعبارة سرايا فور إشارة الى المسبعات بزعامة هاشم المسبعاوي وليس الى الكنجارة، الاسرة الحاكمة في سلطنة الفور.
الترعة الخضراء:
وردت الاشارة في نبؤة الشيخ ادريس اعلاه إلى الترعة الخضراء حيث يقول: "ومن اخباره ما وقع، وما هو منتظر الوقوع. ومنها اخباره ان دار الغرب يملكها سرايا فور من الحرازة ام قد الى الكنيسة الرقطاء وفي وراية من الترعة الخضراء فكان الامر كما كان". ص 63. وعن الترعة الخضراء يقول المحقق عنها: "قيل انها بلد على النيل الابيض شمال الدويم". ولكن الشيخ عبد الله عبد الرحمن في كتابه (العربية في السودان) 1922 يقطع الشك ويقول انها ترعة أو مسيلة ويحدد موقعها بالضبط قائلا: "الترعة الخضراء بين الدويم والقطينة على نحو ساعين غرب النيل الابيض سميت بذلك لان ارضها في الخريف تمسك المياه حتى تخضر من طول المكث". ص 17. ووقوع هذه الترعة بغرب النيل الأبيض بالقرب من الدويم يجعلها على حدود شمال كردفان الشرقية مع النيل الأبيض وهو ما ينسجم مع قول الشيخ ادريس ان سرايا فور (المسبعات) يملكون دار الغرب (شمال كردفان) إلى الترعة الخضراء.
الحرازة أم قد:
كذلك ورد ذكر الحرازة ام قد، في نبؤة الشيخ ادريس السابق ذكرها حيث جاء: "ومن اخباره ما وقع، وما هو منتظر الوقوع. ومنها اخباره ان دار الغرب يملكها سرايا فور من الحرازة ام قد الى الكنيسة الرقطاء وفي وراية من الترعة الخضراء فكان الامر كما كان". ص 63. ويقول المحقق عن الحرازة: "هنالك مواضع كثيرة تحمل هذا الاسم ولذا تعذر علي تحديد موقعها. ومع هذا كله فان سياق الحديث يقتضي وجودها في مديرية كردفان بالقرب من تقلي وجبل كردفال". ص 63.
تقلي في جنوب كردفان وجبل كردفال بالمدخل الجنوبي الشرقي الأبيض، أما "الحرازة أم قد" فتقع شمال كردفان على مسافة ليست قريبة من الأبيض. وهي من مراكز قبائل الكبابيش ويرد ذكرها في تاريخ قبائل المجموعة الجعلية العباسية في شمال كردفان قبل نزوحها الى النيل اثر سقوط سوبا والممالك النوبية الأخرى (انظر: الفحل الفكي الطاهر- تاريخ العرب في السودان 1976).
دنع:
ترد كثيرا في الطبقات عبارة: "ولما دنَع للوفاة"(18). ص 71 وذلك في سياق الحديث عن تاريخ وفاة الأولياء الذي ترجم لهم. وشرحها يوسف فضل بقوله: "أي دنا على، أي قربت وفاته". ص 71 وهذا المعنى الذي ذكره المحقق يعطيه سياق العبارة لكنه ليس معنى كلمة دنع في اللهجة واللغة. فالدناعة في اللهجة السودانية هي الرغبة الملحاحة في شيء من رخص النفس. وهو ما أثبته عون الشريف في قاموسه بقوله: "الدناعة الرغبة الشديدة في الشيء". وقد أورد في ذلك عددا من الأقوال الماثورة منها: "قالت شغبة: يا دوب لجنياتنا البدنعو الشكرات. وقال الحمري: يا قصيبة السكر الليك النفس دناعة. يقولون دناع ما بريد دناع وسيد البيت ما بريد الكل. ودناعة الطعام ولا دناعة الكلام. قال الحمري: حبيبك كن أباك ما تبقى ليه دناعي". ص 405و406 . ويقولون (شمال كردفان) مثلا: ما تدنع. أي لا تتزلف وتتذلل تقربا وبرخص نفس.
وكل المعاني السودانية المذكورة مما أشار إليه لسان العرب، يقول: "الدنع: الذل. دنع دنعا ودنوعا: ذلً. ورجل دنِع: فَسلٌ. والدنيع: الخسيس".
غير ان لسان العرب يشير في هذا السياق الى المعنى الذي اراده ود ضيف الله حين يقول: "وأدنع إذا تبع طريقة الصالحين". كأن قوله: "لما دنع للوفاة" بمعنى لما اذعن لطريق الصالحين في الفرح بملاقاة ربهم. فالأمر يحتاج الى تاويل لكي ينسجم المعنى المراد مع دلالة الكلمة في اللغة.
نقابة:
جاء في ترجمة ابو الحسن بن صالح العودي:" وكان كريما سخيا له نقابة وصلة". ص 77 يقول المحقق: "لم اهتد لمعنى نقابة لكنها قد تعني انه ذو خصال حميدة من مروءة وكرم". ص 77. وردت هذه الصفة في الطبقات اكثر من مرة. ومنها قوله بسيرة سنوسي ولد نورين: "وكان شيخا كريما مدرسا للقرآن وكان فيه نقابة للطلبة". ص 224. قوله: "وكان فيه نقابة للطلبة" يعمل على جلاء المعنى أكثر. ونقابة من نقيب وهو زعيم القوم وقائدهم والمقدم عليهم. يقول لسان العرب: "والنقيب: عَرِيف القوم والجمع نقباء. والنقيب: العريف وهو شاهد القوم وضمينهم ونقب عليهم ينقب نِقابة: عَرَف. وفي التنزيل: (وبعثنا عليهم اثني عشر نقيبا). قال ابو اسحاق: النقيب في اللغة كالأمين والكفيل. وفي حديث عُبادة: وكان من النقباء، جمع نقيب وهو كالعَرِيف على القوم المُقدم عليهم الذي يتعرف على اخبارهم وينقب عن احوالهم أي يفتش. وكان النبي ص قد جعل ليلة العقبة كل واحد من الجماعة الذين بايعوه بها نقيبا على قومه وجماعته ليأخذوا الإسلام ويعرفونهم شرائطه. وقولهم: في فلان مناقب جميلة أي أخلاق، وهو حسن النقيبة أي جميل الخليقة. إنما قيل للنقيب نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعرف مناقبهم وهو الطريق الى معرفة أمورهم". – انتهى.
أم بارك:
من الذين ترجم لهم ود ضيف الله "أم بارك ابن أم الشيخ مسكين الخفي". لم يذكر له ود ضيف الله، جهة ولا قبيلة ولا مسكنا وكل ما جاء في ترجمته هو قوله: "وله كرامات وخوارق عادات وله من الأولاد الشيخ بدر الدين الذي اشتهر بجلالة القدر". ص 72و73. وعن الاسم أم بارك يقول الدكتور يوسف فضل: "هكذا في سائر النسخ، ولعلها تحريف لاسم مبارك وقد سمعت بعض سكان شنمبات ينطقونه بهذه الصيغة وهكذا ينطق به في اللغة السواحلية". ص 72.
واقول سمعت هذا الاسم في منطقة الكاملين بشمال الجزيرة. وهو ليس تحريفا لاسم "مبارك" كما قال المحقق، بل صيغة لنطق "المبارك" وأصله أُمبارك. وأم هي بمثابة أداة التعريف (أل) التي في اللغة الحميرية القديمة وهذا يفسر وجود هذه الصيغة في السواحلية بسبب التاثير اليمني على بلدان شرق أفريقيا (زنجبار وتنزانيا).
وتسمي كتب اللغة القديمة ظاهرة قلب لام التعربف ميما بالطمطمانية. وروي ان النبي (ص) قد تكلم بها في الحديث: "ليس من اُمْبر اُمْصيام في امْسفر". أي ليس من البر الصيام في سفر. وروي أيضا قولهم: "طاب امْهواء وصفا امْجو" أي طاب الهواء وصفا الجو. وأذكر أنه حينما كنا أطفالا (شمال كردفان) كنا نسمي قوس قزح: "سوط اُمْجو" أي سوط الجو.
الشيخ حمد النيل بن دفع الله بن مقبل:
جاء بالترجمة رقم 28 :"ابو عاقلة بن الشيخ حمد جلس بعد أبيه الشيخ حمد ليدرس وسلوك طريق القوم". ص 90. ويعلق المحقق شارحا بالهامش 20 من ذات الصفحة: "ونلاحظ ان هذا الاسم كُتب حمد النيل في الترجمة 98 وربما حدث شيء من الخلط". ولا يوجد خلط فحمد المذكور هنا هو نفسه حمد(النيل) المذكور في الترجمة 98 كأحد ابناء دفع الله بن مقبل الخمس الذين انحدر منهم شيوخ العركيين. وبذلك يكون صاحب الترجمة 28 هو: ابو عاقلة بن حمد (النيل) بن دفع الله بن مقبل العركي. كل ما هنالك ان لقب النيل لم يذكر في هذه الترجمة.
الخلوات المربعات:
جاء بسيرة دوليب ود نسِي: "وكان يدخل للذكر والعبادة الخلوات المربعات. دخل اربعين خلوة في جبل البرضة وكل خلوة اربعين يوما والبرصة جبل بين الشايقية وضنقلة". ص 213. يقول الدكتور يوسف فضل في الهامش 14 من ذات الصفحة عن معنى الخلوات المربعات: "لم اهتد الى معنى لها سوى انها مربعة الشكل". والمعنى واضح ذكره المؤلف وهو قوله:" اربعين خلوة، كل خلوة اربعين يوم". فالمعنى لا علاقة له بشكل الخلوة كمبني. الخلوة هنا اسم معنوي للدلالة على الاختلاء وكانت في هذا الجبل المذكور.
شرف الدين بن علي ود بري:
جاء بالترجمة 126 ما يلي: "شرف الدين بن عبد الله العركي بن الشيخ علي بري، امه عجبت بنت الحاج ابراهيم بن بري ولد بالجزيرة نسري". ص 228. هنا بالفعل يوجد خلط ولكن المحقق لم ينتبه إليه. فالشيخ المقصود بالترجمة هو شرف الدين بن الشيخ علي ود بري جد البارياب. وقد اُقحم اسم الشيخ عبد الله العركي عن طريق الخطأ. فعلاقة شرف الدين بن علي ود بري بعبد الله العركي علاقة تلمذة فقط. وقد استوثقنا من ذلك من الاستاذ الباحث/ عز العرب حمد النيل العركي. واغلب الظن ان هذا الخطأ هو من عمل ناسخ المخطوطة التي اعتمد عليها المحقق وليس من عمل المؤلف.
الفقرا والحيران:
جاء بسيرة شيخ شرف الدين بن علي ود بري: "فان الشيخ سألني.. فقال لي أتاريك انت مطموس ماك محل أمانة فبكيت بكاء شديدا". ص 230. يقول المحقق في الهامش 3 في شرح كلمة مطموس: "لفظة تأنيب يقولها عادة الفقرا لمن هم دونهم كالحيران وتعني انت غير جاد أو عابث". وهنالك اعتراضان على هذا الشرح. الأول ان مطموس كلمة عامة وليست خاصة بلغة الفقرا. والثاني ان الحيران ليس هم دون الفقرا لأن الفقرا هم الحيران والمعنى واحد. فالكلمتان مترادفتان في عُرف الصوفية ولغتهم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.