يعد كتاب الطبقات لمؤلفه محمد النور ود ضيف الله، كنزا معرفيا لا ينضب في اللغة والتاريخ والإثنلوجيا والإثنوغرافيا والأنثوربولوجيا والميثيولوجيا. فقد تم تأليف الكتاب في عهد مملكة الفونج أو سلطنة سنار وفرغ من وضعه في 21 يناير 1753 ويكون بذلك قد مضى على تاليف الكتاب حوالي الثلاثة قرون. والقاريء المتعجل والمعتاد على اللغة الفصحى في التأليف قد يصدمه استخدام صاحب كتاب الطبقات اسلوب لغة الكلام الدارج في الحكي عن سير واخبار الأولياء والصالحين والعلماء الذين ترجم لهم وربما اصدر هذا القاريء بسبب ذلك حكما متعجلا على المؤلف يرميه فيه بالركاكة والجهل وقلة العلم والمعرفة وضعف التحصيل في اللغة.
ولكن الشاهد أن المؤلف كان فقيها وعالما في اللغة ولم يفعل ذلك لقصور باعه في الفصحى غير انه استشعر بحسه الفني الحيوية التي يضفيها استخدام لهجة الكلام في السرد. والدليل على ذلك خطبة الكتاب والتمهيد والتي كتبها بلغة عربية فصحى مبينة لا تشوبها شائبة من لغة الكلام. بل نجد أنه استخدم الفصحى في ثنايا سرده للتراجم لكنا نجده عندما يسترسل في الحكي عن الشخصية وعندما تاتي القصة في شكل حوار بين أكثر من شخصية، ينتقل من الفصحى إلى لغة الكلام. فهو قد زواج بين الفصحى واللهجة الدراجة في التأليف. وبذلك يكون محمد النور بن ضيف الله رائدا في توظيف لغة الكلام في السرد القصصي.
إن استخدام صاحب كتاب الطبقات للغة الكلام في الكتابة لا يشهد بريادته في لغة السرد المعاصر وحسب بل يشهد على أنه قد قدم لنا بذلك خدمة لا تقدر بثمن وهي حفظ الصورة التي كانت عليها اللهجة السودانية العربية الجامعة قبل ثلاثمائة سنة وهي الفترة التي مرت على تاليف الكتاب (1753م) وربما هذه الصورة هي التي كانت عليها اللهجة السودانية قبل عدة قرون من تاريخ وضع الكتاب. وبذلك وفر المؤلف معينا لا ينضب للباحثين في فقه اللغة المقارن واللغويات.  

والحديث عن لغة كتاب الطبقات يحتاج الى مُؤلَف كامل وهو ما نحن بصدده،  ولكنا نود هنا أن نقف عند دلالة كلمتي "السودان" و"سوادني" في الطبقات. فقد وردت كلمة "السودان" اربع مرات في الكتاب ووردت كلمة "سوداني" ثلاث مرات. فما هي دلالات الكلمتين وما مفهومهما في المخيلة الجمعية التي كان يصدر عنها ود ضيف الله في ذلك الزمان؟
لقد عُرفت مملكة الفونج في العالم الخارجي بسلطنة سنار وينسب اليها فيقال سناري وسنانير. وإذا كانت بلادنا قد اتخذت رسميا اسم السودان علما عليها عشية استقلالها عن الحكم البريطاني، فإن الاسم في الدلالة على السودان الشمالي لم يكن غائبا تماما في عهد مملكة سنار وما قبلها وما بعدها. ومن ذلك وروده في الطبقات. يقول ود ضيف الله في سيرة الشيخ تاج الدين البهاري الذي ادخل الطريقة القادرية الى السودان: "مولده بغداد وحج بيت الله الحرام ومنه قدم الى السودان باذن رسول الله صلي الله عليه وسلم والشيخ عبد القادر الجيلاني". ص 127.
وجاء في سيرة الشيخ دفع الله بن محمد ابو ادريس: "وجاء رجل من المغرب ومر بالديار المصرية ودخل بلاد السودان وراى الشيخ دفع الله فقال من اقصى المغرب الى مصر ما رايت مثله". ص 207.  
وفي ترجمته للشيخ عبد الحليم بن سلطان المغربي الفاسي يقول عنه: "قَدِم بلاد السودان مع الخواجة عبد الدافع الفضلي حين قدِم من مصر تاجر وحاجا، وزوجه ابنته ست النِسا فولد منها الفقيه عبد الرحمن وقدومه في زمان مُلك الفونج".  ص 297.
(انظر: محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الاولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق وتعليق وتقديم: الدكتور يوسف فضل حسن، دار التاليف والترجمة والنشر- جامعة الخرطوم، الطبعة الرابعة 1992.
لا ريب ان اسم السودان في جميع الاقتباسات السابقة اعلاه، المراد به السودان الشمالي الحاضر. ولا غرابة في ذلك فقد عُرف السودان بهذا الاسم منذ فجر التاريخ. حيث اطلق قدماء المصريين اسم نحسي وكوش على بلاد السودان المعروفة الان. وهذه الكلمات تعني في اللغة المصرية القديمة السودان او بلاد السود. وقد ترجم الاغريق الاسماء المصرية للسودان الى اثيوبيا وتعني في الاغريقية بلاد السود او السودان. ولذلك حيثما ورد اسم اثيوبيا في الاثار الاغريقية والرومانية وفي ترجمات الكتاب المقدس فهي تعني السودان الحاضر الان. (انظر مقالنا: السودان في الكتاب المقدس. وكذلك مقالنا الآخر: السودان في الآثار الإغريقية). حتى عائدة صاحبة الاوبرا الشهيرة "اوبرا عايدة" سودانية، وليست اثيوبية حبشية كما تجده مذكورا دائما في الكتابات المصرية.
أما في اللغة العربية فيحمل اسم السودان مدلولا اثنيا عاما وهو الجنس السودان مقابل جنس البيضان. وبلاد السودان بهذا المعنى العام كانت تطلق على البلاد الواقعة جنوب الصحراء الكبرى والممتدة من الصومال شرقا مرورا بالسودان وتشاد ولغاية مالي والسنغال وغيرها غربا. كما يحمل الاسم مدلولا خاصا يراد به البلد المسمى السودان الواقع جنوب مصر مباشرة. وفي العصر الوسيط اطلق العرب على هذا البلد اسم بلاد النوبة وظل الاسم ساريا حتى قيام سلطنة سنار وسقوط الممالك النوبية المسيحية.  
يقول الدكتور احمد الياس الحسين استاذ التاريخ بالجامعات السودانية في مقال جاء بعنوان (الهوية السودانية -1 السودان: اسم أسلافنا منذ أكثر من 5 آلاف سنة) نشر بالراكوبة وسودانايل، يقول: "فالسودان عند المقريزي في القرن الخمس عشر وعند الجبرتي في القرن التاسع عشر هو البلاد الواقعة جنوب مصر. ولم يحتاج الكاتبان إلى تحديد موقع السودان الذي تناولاه، لأن مفهوم السودان في الذهن المصري أصبح يعني البلاد الواقعة إلى الجنوب من حدودهم. وهكذا فإن مواطني المنطقة الواقعة جنوبي مصر (أي منطقة السودان الحالية) قد عرفوا في المصادر المصرية القديمة واليونانية والعربية بالسكان ذوي اللون الأسود منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد وحتى العصر الحديث، أي قبل أكثر من خمسة ألف سنة". – انتهى.
وكما ورد اسم السودان بكتاب الطبقات أربع مرات، وردت ايضا صفة سوداني وسودانية حوالي ثلاث مرات بالكتاب. لكن المفارقة ان صفة سوداني وسودانية لم تكن تطلق في زمن ود ضيف على كل سكان السودان وانما كانت تطلق فقط على سكان السودان من أصول أفريقية. وواضح ان الوعي القومي لم يكن قد تبلور بعد في الانتساب الى السودان دونما تمييز. يقول ود ضيف الله: "بان النًقا الضرير الفضلي الجعلي.، امه سودانية"(119).
ويقول البروفسور يوسف فضل حسن محقق الكتاب في شرح كلمة سودانية هنا: "اي أنها من سكان البلاد الأصليين: السودان او السود. وهذا التعبير كان شائعا بين العناصر العربية او المستعربة من سكان السودان والآن يندر استعماله في هذا المعنى الا بين الكهول والشيوخ وسكان القرى". ص 108
قمين بالذكر ان الدكتور يوسف فضل كان قد فرغ من تحقيق كتاب الطبقات في 1970 أما الآن فلا وجود لهذا الاستعمال لكلمة سوداني حتى بين الكهول وسكان القرى والبوادي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.