بعد نشر الحلقة الأولى من هذا المقال واصلنا البحث عن كلمة "اجواد" بمعجم امبروستر للغة النوبية الدنقلاوية ووجدناها بعد عناء وذلك لان الدكتور عون الشريف قاسم لم يورد الكلمة بالإنقليزية كما هي في المعجم ولأنه كتبها بالعربية بهمزة مفتوحة: أج+ واد الأمر الذي جعلنا نركز البحث في الكلمات الواردة تحت الحرف a، إضافة إلى أن المعجم يورد كلمات عديدة تبدأ بالبادئة "أج" ag وهي فعل مساعد يدل على استمرارية الفعل المتحدث عنه. ولكنا بالنظر تحت الحرف e وجدنا الكلمة فهي تبدأ بهمزة مكسورة: إج+ واد = eggwad. 

يقول امبروستر في معجم اللغة النوبية الدنقلاوية عن كلمة "إجواد" ما يلي:
Eggwad, n. umpire, peacemaker, reconciler (egg; deferent + wad; separation; so separator of disputants).p.64
وهذا ما اثبته بالضبط الدكتور عون الشريف قاسم في قاموسه في اللهجة العامية السودانية، حيث يقول:
"أجاويد (سودانية نوبية) الجماعة الذين يتوسطون بين المتخاصمين لحل الخلاف بالحسنى.. والكلمة أجاويد واجواد مفردها، ليست من الجود وانما هي نوبية الأصل: أج مختلف ووَادْ الذي يفصل بين المتنازعين (انظر امبروستر فقرة 2348) ويقولون (غرب) جودية أي مجلس صلح". انتهى. ص 247.
مع ملاحظة ان الباحث النوبي فؤاد عكود يختلف مع امبروستر وعون الشريف حول نطق ودلالة المقطع الاول من الكلمة "إج" حيث يقول في كتابه (من ثقافة وتاريخ النوبة) إن: "آج = مستمر، وواد = الذي يفصل بين المتنازعين". ص 49. وهذا الاختلاف في دلالة المقطع الأول من الكلمة يدعو الى البحث في دلالة المقطعين اللذين يقول امبروستر ان الكلمة تتالف منهما. وبالبحث في المعجم نفسه تحت الحرفw وجدنا ان wad تحمل معنيً واحدا فقط هو ينزف وان waad تعني يحفر. أما المقطع الاول "إج"egg فلا وجود له ككلمة قائمة بذاتها تحت الحرفe .
وكان بعد نشر الحلقة الأولى من المقال ان وصلتنا رسالة من الأستاذ الجليل، سعادة السفير والوزير السابق ابراهيم طه ايوب جاء فيها ما يلي: "اذكر انه عام ١٩٦٣ ان أستدعانى ونحن بالجامعة المرحوم الدكتور عون الشريف قاسم قائلا انه يعتقد ان كلمة اجواد لا بد ان تكون ذات جذور نوبية، وطلب رأيى فى ذلك. قلت له ان هذه الكلمة أساسها مكون من كلمتى "الي" وتعنى تجد او بالانقليزية to find وكلمة "جواد" juwaad وتعنى to go in between أو يبحث عن الشيء بطريقة مكوكية". ويضيف "ان الكلمة تنطق ellijuwaad وهي جمع وليس لها مفرد". انتهي.
والاستاذ طه يتحدث هنا عن الكلمة في اللغة الحلفاوية (الفديجا – المحسية). وقد أكد لي أكثر من مصدر صحة نطق الكلمة في النوبية (الفديجا-المحسية) على النحو الذي ذكره الأستاذ الجليل/ ابراهيم طه ايوب.
أما قول عون الشريف: "والكلمة أجاويد واجواد مفردها، ليست من الجود"، هو الذي في حاجة الى تصحيح فقد وجدنا في المعاجم العربية أن أجواد وأجاويد من الجود.
فقد جاء في مادة جود بمعجم لسان: "جود: الجيًد نقيض الرديء. وجاد الشيء جُودة وجَودة..، وجدتُ له بالمال جودا. ورجلٌ جواد: سخي، وكذلك الأنثى. وقوم أجواد وأجاوِد..، وفرسٌ جواد بيًن الجودة والأنثى جواد أيضا، من خيل جياد وأجياد وأجاويد".
على ان الملفت في هذا قول معجم لسان العرب في ذات السياق: "قال ابو سعيد: سمعت اعرابيا قال: كنت اجلس الى قوم يتجاوبون ويتجاودون، فقلت له: ما يتجاودون؟ فقال: ينظرون أيهم أجود حجة". ثم يذكر مباشرة بعد ذلك قوله: "وأجواد العرب المذكورين، فأجواد الكوفة هم.. واجواد البصرة هم.. واجواد أهل الحجاز هم: عبد الله بن جعفر بن ابي طالب وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب". انتهى.
كما جاء بالقاموس المحيط في مادة جود نفسها قوله: "وتجاودوا: نظروا أيهم أجود حجة". وقلنا انه واضح من السياق ان ليس المقصود باجواد الناس، الذين عددهم لسان العرب اعلاه، اصحاب الكرم والجود، وانما اصحاب الحجج القوية والمنطق القويم في التخاصم والمنازعات. اي الذين "يتجاوبون ويتجاودون" في الفصل في مسألة. والتجاوب طرح الأسئلة والأجوبة لمعرفة أصل المسألة، والتجاود طرح الحجج ومقابلة الحجة بالحجة للفصل فيها.
وخلصنا من ذلك أن كلمة "جودية" في لهجتنا نسبة الى التجاود. أي المقابلة بين الحجج للفصل في النزاع وذلك يتضمن حتما التجاوب. وما يعزز هذا القول ان كلمة "حجة" في كلامنا تفيد معنى النزاع في قضية. يقولون: ناس فلان عندهم حجة وطاة مشينا تفقناهم او صلحناهم. او يقولون: انت حجتك شني مع فلان؟ اي ما قضيتك او مسألتك معه.
هذا، مع ملاحظة ان "أجواد" في اللهجة السودانية تاتي في صيغة المفرد ولكنها في المعاجم صيغة جمع. جاء في لسان العرب: "جواد: سخي، والجمع أجواد وأجاوِد". وربما شعر ذو الحس اللغوي بشيء من الغرابة في ورود أجواد صيغة للجمع فهي الى صيغة المفرد أقرب كانها مبالغة من جواد! ولكنها على اية حال ليست صيغة الجمع الوحيدة فهنالك "أجاوِد" الواردة أعلاه، وهي الصيغة التي حولها اللسان السوداني الى أجاويد بمد كسرة الواو فصارت ياء.
لا بل ان المعاجم أثبتت صيغة أجاويد نفسها كجمع ولكن للجياد جمع جواد بمعنى فرس. يقول لسان العرب في مادة جود نفسها: "وفرس جواد بيَن الجودة، والأنثى جواد أيضا.،من خيل جياد وأجياد وأجاويد". وبما أن المادة واحدة وهي "جود" فليس هنالك ما يمنع ان نطلق الجمع أجاويد على أجواد الناس.
وعلى اية حال فقد وردت "أجواد" في صيغة الجمع في طبقات ود ضيف الله كما وردت أجاويد بذات المعنى. يقول: "فقال الحاج: اسمعوا يا اجواد". ص 98. وبعد سبعة اسطر يقول في ذات السياق: "كلم الفقرا واجاويد البلد يمشوا معه لي عند الملك". ص 99.
جدير بالذكر أن المعاجم المذكورة اتفقت كلها في شرح جواد بالسخي. والسخاء اعم من الجود والكرم. نقول في لهجتنا: فلان سخي سخاوة فلا نقصر المعنى على الكرم. أي ذو شهامة ومروة ولا يرد طلبا. فاذا ارسلته الى اي مكان مثلا لا يتردد، ولا يكل ولا يمل. ومن هنا أرى أنه جاء تسمية الفرس جوادا لسخاوته أو سخائه. ومن هنا كذلك جاءت تسميتنا الأجواد للذي يسعى بالصلح بين الناس.


المراجع والمصادر:
1- عون الشريف قاسم، قاموس اللهجة العامية السودانية، المكتب المصري الحديث، القاهرة، ط2، 1985.
2- فؤاد عكود، من ثقافة وتاريخ النوبة، الشركة العالمية للطباعة والنشر، 2007 ط1.
3- محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الاولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق وتعليق وتقديم: الدكتور يوسف فضل حسن، دار التاليف والترجمة والنشر- جامعة الخرطوم، الطبعة الرابعة 1992.
4- ابن منظور المصري، معجم لسان العرب، دار احياء التراث العرب، بيروت، الطبعة الثالثة.
5- الفيروزآبادي، معجم القاموس المحيط، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة 2008.
6- اسماعيل بن حماد الجوهري، معجم الصِحاح، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 2005.
7- C.H. Armbruster, Dongolese Nubian, A lexicon, Cambridge University Press, 1965


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.