نُشر قبل أيام بالصحف وعدد من المواقع الإلكترونية خبر عن نزول أمطار غزيرة بمناطق مختلفة من السودان منها القضارف، وأضاف الخبر ان نزول الأمطار كان مصحوبا بنزول الثلج. ونحن في السودان ليس لدينا أمطار ثلجية كما يحدث في اوربا وامريكا ولكن لدينا ظاهرة سقوط البَرَد (بفتح الباء والراء) وليس برْد، مع المطر وهذه الظاهرة لا تحدث كثيرا عندنا ربما تحدث مرة واحدة في السنة واحيانا لا تحدث إلا بعد سنوات. 

والبَرَد من ألفاظ اللهجة السودانية العربية الجامعة ولكن بسبب الفصل بين لغة التعليم المدرسي وثقافة المحيط الشعبي وبسبب تغول لغة الإعلام العربي علينا وعدم ثقتنا في لهجتنا وثقافتنا الوطنية تم هجر الكثير من المفردات في لغتنا الجميلة ومن بينها البَرَد.
وأغلب الظن أن محرر الخبر يعلم بوجود كلمة البَرد في اللهجة السودانية ولكنه ظن أنها ليست فصيحة فاسقطها. وربما أنه اعرض عنها لأنه لم يسمعها في اجهزة الإعلام العربية فإعلامنا لا يستعمل الكلمة الا إذا سمعها مستعملة عند الغير.
قبل اسابيع كنت استمع الى مباراة محلية في كرة القدم، فاصيب احد اللاعبين بالرعاف ولكن المذيع غلبه ان يقول رعاف وظل يردد: نزيف، نزيف الى أن قال اخيرا: أو زي ما بقولوا رعاف!!
فهو لم يشأ ان ينطق كلمة رعاف منذ البداية ظنا منه أنها عامية أو أنه لم يسمعها من غيره من المذيعين العرب أو ربما سمع مذيع عربي يصف الرُعاف بالنزيف فأراد ان يقلده في جهله. والرُعاف كلمة سودانية عربية فصيحة. جاء بلسان العرب: الرُعاف: دم يسبق من الأنف". ولكن لا ادري لماذا الإصرار أصلا على نقل مباراة في كرة القدم باللغة الفصحى!!
أذكر في أحداث انتفاضة سبتمبر تحدث وزير الإعلام السوداني الى الفضائيات العربية واصفا الذين قاموا بالمظاهرات بالشبحية والبلطجية! وغلبه ان يصفهم بالشماشة والرباطين كما وصفوهم في اجهزة الإعلام المحلية. فإعلامنا سيء الظن باللهجة السودانية ولكنه يفترض دائما ان كل ما يصدر عن الآخر العربي صحيح وينبغي اتباعه بلا تردد. ويفترض ان كل ما عندنا غلط ولا أصل له الى ان يصححه الآخر العربي. وهم بذلك يحكمون علينا بالتبعية اللغوية والثقافية وان ليس من حقنا المشاركة في صناعة اللغة وانتاج كلمات جديدة من واقعنا الثقافي المحلي كما يفعل الآخرون.
فكلمة "شبيحة" هي كلمة سورية محلية متعقلة بالخصوصية الثقافية لسوريا. وكلمة بلطجية نابعة من الثقافة المصرية واللهجة المصرية. أما شماسة ورباطين فهي من انتاج العبقرية اللغوية السودانية التي تعكس خصوصيتنا الثقافية وليس هناك حد أفضل من حد. وحتى بمقياس الفصحى فان كلمتي شماسة ورباطين مستلة من عمق الفصحى. فكما هو معروف الشماسة هم اطفال الشمس الذين بلا مأوى والرباطين الذين يربطون الطريق للمارين ليلا. من رابط يرابط فهو مرابط ورَباط، ورَباط صيغة مبالغة على وزن فعال من المرابطة. وأصل الرِباط والمرابطة كما يقول لسان :"الرِباط والمرابطة: ملازمة ثغر العدو". والرَباط عندنا يلازم ثغور الطرق لسلب ونهب الناس.
وعودة الى البَرَد (بالتحريك) هو حبات جامدة من الماء تتساقط أحيانا مع نزول المطر. جاء في لسان العرب: "البَرَد: حَبً الغمام". وقد وردت في القرآن الكريم. قال تعالى: "وينزل من السماء من جبال فيها من برَد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء". – سورة النور– الآية 43. وذلك أن البَرَد إذا كان شديدا أتلف الزرع، وأذكر أنه كان عندنا يقصف "أجراس" السمسم.
ووردت مفردة بَرَد كثيرا في الشعر العربي. ففي القصيدة المنسوبة ليزيد بن معاوية التي يترنم بها عبد الكريم الكابلي يقول:
نالَتْ عَلَى يَدِهَا مَا لَمْ تَنَلْهُ يَدِي * نَقْشاً عَلَى مِعْصَمٍ أَوْهَتْ بِهِ جَلَدِي
كَأنهُ طَرْقُ نَمْلٍ فِي أنَامِلِهَا * أَوْ رَوْضَةٌ رَصَّعَتْهَا السُّحْبُ بالبَرَدِ


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.