الضرا (في الأصل: ضَرَاء، بالمد لا القصر) من الكلمات التي تعكس ثقافة السودانيين وخصوصيتهم اللغوية وتجسد عاداتهم وقيمهم النبيلة. والضراء في القرى والفرقان والحلال هو فسحة من أرض فضاء تتوسط عددا من البيوت تتخذها مجموعة من الجيران مكانا للتجمع يوميا لتناول طعام العشاء في جماعة وللمسامرة وعقد الجوديات وحل الخلافات. وفي رمضان يصير الضراء مكانا للفطور الجماعي حيث ياتي كل بيت بمائدته وتوضع الموائد جنبا الى جنب فيتحلق حولها الناس فيتناولون فطورهم من كل الموائد على النحو المعروف. وإن كان الضراء كممارسة اجتماعية، معروفة على نطاق السودان، إلا أنها متجذرة أكثر، لفظا ومعنى، في كردفان ودارفور. وتقوم هذه الممارسة كما ترى مقام المنتدى أو النادي بالمفهوم الحديث.

هذا، وقد تقصيت عن أصل كلمة ضراء، فوجدتها وردت في معجم لسان العرب باكثر من معنى وكل هذه المعاني متداخلة ومتشابكة ولها وجود في كلام أهل السودان. فقد جاء أن الضراء أرض فضاء مستوية. يقول :"الضَرَاء: الفضاء. والضراء المستوي من الأرض. قال: ونزلنا بضراء من الأرض أي أرض مستوية". وفي الأصل يكون الضراء عندنا وبخاصة في الأرياف ارضا فضاء أي خالية ومستوية.
ومن معاني ضراء في اللهجة السودانية معنى آخر غير بعيد عن المعنى الأول وإن بدأ نقيضه، وهو الستر والحماية. فكل ما اتخذته من ساتر وحامي فهو ضراء. فحوش البيت مثلا ضراء. وقد أشار الشاعر محجوب شريف إلى هذا المعنى حينما قال في قصيدة "جميلة ومستحيلة" التي يصدح بها محمد وردي: "يا صبية الريح وراي* خلي من حضنك ضراي.
الضراء هنا الستر والملجأ والملاذ. وقد ورد هذا المعنى في معجم لسان العرب حين قال :"والضراء ما وراك من الشجر وغيره. والضراء: الشجر الملتف في الوادي. يقال: تواري الصيد منه في ضراء". فكل ما يستر ويحمي فهو ضراء. وعليه فإن الضراء، بالمعنى الأول، ليس فقط مكانا للتجمع والتناول الجماعي للوجبات بل هو المكان الذي يلجأ إليه الفرد للإستقواء بالجماعة والإحتماء بهم واتخاذهم سندا وسترا وحمى من عوادي الدهر. ففي هذه المجتمعات التقليدية لا يستقيم للفرد أمر بغير الجماعة.
ومن المعاني الأخرى لكلمة ضراء التي وردت بلسان العرب: المضاراة في كلامنا من ضارى تضارى يتضاري إذا اندس واختبأ واستتر. يقولون: مالك بتضارى من الناس، وما تتضارى فوقي او فيني بلهجة المدينة، أي لا تختبيء ورائي. وفي هذا المعنى يقول صاحب اللسان: "الضراء: الإستخفاء. استضريت للصيد إذا أختلته من حيث لا يعلم". إذاً المضاراة في لهجتنا من الضراء والاستضراء وليس من المدارة كما قد يظن البعض. ومن كل ذلك نستنتج أن الضراء من الأضداد في اللغة. فهي تعني أرض فضاء خالية وتعني الستر والإستخفاء.
هذا، ولم يهتد أستاذنا عون الشريف قاسم في قاموسه في اللهجة السودانية، إلى الأصل العربي لكلمة ضرا وعدها سودانية خالصة وكتبها ضرى بالقصر. يقول: "الضرى (س) فناء الدار ونواحيها وكل ما استترت به.. ومن أمثالهم (س) الجوا ورا حجزوا الضرى. ضرى (غرب حمر) مجمع سمر أو عشاء. والضرى (غرب) الجزء من الفريق يسكنه العوائل والأسر المنتسبون لجد واحد في الغالب". انتهى- ص 690.
فهو يستخدم حرف السين رمزا على الأصل السوداني للكلمة وحرف الفاء إذا كانت الكلمة في الفصحى. قوله إن الضرا سودانية وهو "فناء الدار وكل ما استترت به".. نقول إن الضرا هنا فصيحة واصلها ضراء بمعنى الستر وذلك على النحو الذي تقدم بيانه. ويلاحظ انه ربط الضراء في غرب السودان بالحمر والشاهد أن كل قبائل كردفان ودارفور يشكل الضراء، لفظا ومعنى، جزء من ثقافتها. أما قوله إن من معاني ضراء، الجزء من الفريق تسكنه عدد من الأسر ترجع إلى جد واحد، فالأصل فيه هو الضراء مكان العشاء نفسه. فالأقرباء يسكنون متجاورين لذلك يلتقون في ضراء واحد. فيقال: ضراء عيال فلان. وعيال فصيحة من عال يعول عولا ومنها عائلة.

الفطور:
الفطور في اللغة وفي اللهجة السودانية وسائر اللهجات العربية هو وجبة الطعام الأولى وهو ما يفطر عليه من طعام. وفطور رمضان هو الوجبة التي ينهي بها الصائم صومه. وفي الحديث: "عجلوا الفطور واخروا السحور". ونقيض الصوم: الفطر. تقول: أفطر وفطر ويفطر فِطرا، فهو مفطر وهم مفطرون. وعيد الفطر وزكاة الفطر معروفان. قالوا: عيد الفطر ولم يقولوا عيد الإفطار. ويقال مثلا في كتب الفقه: ما حكم الفِطر في نهار رمضان عمدا؟
ولكن ما أصل كلمة افطار السائدة الآن في وسائل الإعلام والتي حلت محل فطر وفطور؟ لم يرد المصدر افطار بامهات المعاجم وكتب اللغة القديمة وكتب الفقه الكلاسيكية الإ نادرا. مع أنه يجوز نظريا أن تأتي افطار مصدرا او اسما من أفطر لذلك نجده يرد في المعاجم الحديثة. وقد انتشرت كلمة افطار في العقدين الأخيرين بسبب التكرار في وسائل الإعلام الحديثة حتى كاد الناس ينسون كلمة فطور وربما ظن بعضهم أن فطور عامية!!
وارى أن الاستخدام الإعلامي السائد الآن لإفطار مرده إلى التاثر بالإعلام المصري واللهجة القاهرية المصرية التي تطلق على الفطور، فطار، فاضيفت اليها الهمزة في وسائل الإعلام لتفصيحها فصارت افطار. وإذا كان من ناحية نظرية يجوز ان تقول افطار من أفطر يفطر افطارا أي أمسك عن الصوم، فإنه لا يجوز أن تقول افطار للوجبة نفسها بل هي فطور. زبدة القول إن احلال إفطار محل فِطر وفطور، تزيَد في التفصح لا ضرورة له ولا مبرر سوى الترديد الإعلامي والتقليد الماحق.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.