ليس المقصود، بالنقد الثقافي، التعبير التقليدي العام الذي يمكن أن توصف به الدراسات والبحوث الفكرية والفلسفية والتاريخية والاجتماعية، فبهذا المعنى العام، كل النشاط الكتابي الفكري والفلسفي، نقد ثقافي، حتى ولو لم نطلق عليه هذه الصفة.
ما نقصده ونستهدفه بالنقد هنا هو، "النقد الثقافي" cultural criticism كمصطلح ما بعد حداثي في النقد الأدبي والذي برز في الغرب لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي ويدعو صراحة إلى إحلال النقد الثقافي محل النقد الأدبي وهو بذلك يعد أحد ارتدادات ما بعد الحداثة النقدية.
وفي تقديري، أن بروز هذا المصطلح في النقد الأدبي بمثابة رد فعل غير متوازن على إهدار السياق الثقافي والسيسيولوجي للنشاط  الأدبي طوال حقب السبعينيات والثمانينات حيث كانت المناهج التي تعلي تمركز الدال وتهمش المدلول كالبنيوية وما بعد البنيوية كالتفكيكية مسيطرة على المشهد النقدي.
وعندما نقول أنه رد فعل غير متوازن فإننا نقصد بذلك  أنه في سعيه لرد الإعتبار لدور السياقات الثقافية في العملية الإبداعية، إنتهك الخصوصية والإستقلالية النسبية للنشاط الأدبي والفني. فصار النقد  الأدبي بذلك مرتهنا للخطاب الثقافي الذي هو بطبيعته خطاب آيديولوجي. وبذلك يفقد الأدب إستقلاليته النسبية التي تميزه عن سائر الخطابات والأنساق الثقافية الأخرى.
لذا نحن نرى أن ما يسمى بالنقد الثقافي، في الأدب، كما تجلي في بعض الكتابات العربية، ليس فتحا نقدياً جديداً كما يتوهم البعض، بل  في أحسن حالاته، لا يعدو ان يكون، قراءة آيديولوجية للنص الأدبي.
من أولى التجـارب النقدية العربية التي تبنت النقد الثقافي بهذا المفهوم كمنهج في دراسـة النصوص الأدبية كتاب (الثقافة والامبريالية) 1993 للكاتب  والمفكـر الفلسطيني إدوارد سعيد.
فقد خصص إدوارد سعيد هذا الكتاب  لتقصى النزعة الإمبريالية أو التواطؤ معها، ومحاكمتها، في فن السرد الروائي الأوربي منذ القرن الثامن عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين. وذلك في أعمال كتاب كلاسيكيين مثل جارلس ديكنز وجين أوستن، بل وحتى في سرديات البرت كامو التي كانت ينظر إليها بوصفها "كتابة بيضاء" على حد وصف رولان بارت لها أي خالية من الحمولات الآيديولوجية  والسيسولوجية. غير أننا سنقصر الحديث هنا عن مساهمة الناقد القدير الدكتور عبد الله الغذامي التي بسطها في كتابه (النقد الثقافي – قراءة في الأنساق العربية) 2000 (1).  ويعد الغذامي من أبرز نقاد الحداثة العرب ومن أكثرهم رواجا و يمتاز أسلوبه بالمباشرة في مقاربة القضايا الأدبية التي يكتب فيها وذلك بخلاف الكثرة الغالبة من كتاب الحداثة وما بعدها، الأمر الذي وفر له حضورا جماهيريا ملحوظا في وسائل الإعلام وفي الندوات والمهرجات الأدبية.
ومن ناحية أخرى يمثل الغذامي نموذجاً ممتازاً لكيفية تعاطي المثقفين العرب مع تيارات الحداثة وما بعد الحداثة. فهم لا يقفون منها موقفاً نقدياً فاحصاً وإنما يسلمون تسليماً مطلقا  بكل مقولاتها التي يرددونها ويستشهدون بها دون تمحيص. وإذا ما ظهر تيار جديد يسارعون إلى التبشير به حتى ولو كان نقيضا لما قبله من غير ممارسة أي قدر من النقد للمواقف السابقة أو سوق المبررات في هجر هذا المنهج أو ذاك.
وعلة ذلك في تقديري أنهم ينظرون إلى هذه النظريات كأنها تسير في خط مستقيم نحو غاية واحدة بينما هي غير ذلك. فهذه النظريات والتيارات لا تسير في خط صاعد بحيث يمكن إعتبار كل تيار إمتدادا طبيعيا للتيار السابق له، لكنها متضاربة وتقوم أصلا على تناقضات بعضها البعض، بحيث يكون من المستحيل أن تجمع في وقت واحد بين هذه المناهج وتضعها في سلة واحدة إلا أن يكون لك موقفاً نقدياً منها يتيح لك أن تختار أحسن ما فيها وتترك ما عداه.
فبعد كل الحديث المفرط في حماسه عن عزل النص الأدبي عن سياقه التاريخي والإجتماعي والتعامل معه كبنية مكتفية بذاتها وبعد كل الحديث عن (موت المؤلف) و (سحر الدال) ومطاردة العلامات ها هي هذه التيارات تعود إلى نقطة البداية وترد الإعتبار مرة أخرى للسياق التاريخي والإجتماعي ويعود الحديث من جديد عن التحليل السيسيولوجي للأدب وعن النقد الثقافي والتاريخانية الجديدة وغيرها.
وهذا ينطبق بالضبط على مسيرة الدكتور عبدالله الغذامي وتجربته النقدية. فقد بدأ الغذامي مبشراً قوياً رائداً للنقد الحداثي وما بعده شديد التحمس لنظرياته التي تعلي من شأن النص الأدبي وتعول على جمالية النص وبلاغته الأدبية دون إعطاء أي وزن للسياق وتهميش المضمون والقيمة الإجتماعية والسياسية للنص.
وقد تجلى هذا الموقف النقدي بصورة بارزة في كتابه (الخطيئة والتكفير- من البنيوية إلى التشريحية) 1985(2). وهو كتاب رائد في التبشير بالنظريات الحداثوية في العالم العربي. وهو يقصد بالتشريحية، التفكيكية، وهي ترجمة على الضد تماما من دلالة التفكيك عند جاك دريدا.  ويصف محمد أحمد البنكي في كتابه (دريدا عربيا) كتاب الغذامي بقوله "هز الكتاب المسلمات بعنف محدثا دويا ملحوظا في أوساط التلقي، كاسرا أفاق توقعها حتى ليذكر الغذامي أن مجموع ما تحصل في أرشيفه من كتابات حول كتابه الآنف قد قارب المائة والتسعون تناولا"(3).  
كما يصفه الناقد معجب الزهراني بقوله انه: "أول وأهم محاولة جادة لطرح القضايا الجمالية المتعلقة بالنص الأدبي إنجازا وتلقيا ومن منظور حديث وجديد تماما على الخطاب النقدي التقليدي السائد في هذه المنطقة إلى وقت قريب"(4).
وبتاثير من هذه النظريات، يحدد الغذامي، في كتابه (من البنيوية الى التشريحية) بصورة حاسمة، أدبية النص الأدبي في بنيته اللغوية والجمالية وليس في معناه أو دلالته الإجتماعية و التاريخية. فعلم الأدب، كما يقول ، قد صار علما للنصوص لا المضامين. فحتمية الشـكل تلغي المضمـون وتزيحه بعيدا عن مجـال دراسـة الأدب"(5).
والنص الأدبي يعتمد في وجوده كنص أدبي على شاعريته وبدونها لا يحظى النص بسمته الأدبية. لذلك فخير وسيلة للنظر في النص الأدبي، كما يقول الغذامي، هي الإنطلاق من مصدره اللغوي و أن التذوق الجمالي المتمثل في القراءة الواعية للنصوص هو المنطلق الأساسي للحكم النقدي عليها. فالشعر مثلا، أثر، لا معنى. فهو لا يتجه إلى المضمون وهذا ما يجب أن نتطلبه في كل تجربة لغوية جمالية"(6).
هذه كانت هي إجمالا المنطلقات النظرية التي أرتكز إليها الغذامي في ثورته النقدية، والرامية إلى وصل النشاط النقدي في العالم العربي بأحدث النظريات النقدية الغربية.
لكنه يعود في كتابه (النقد الثقافي) لينسف كل هذه المقولات النقدية ويتبنى النقيض تماما لكل مقولة، ويذهب إلى حد تجريد الأدب من طبيعته الجمالية والبلاغية ويسلب الأديب رسالته الفنية ويحوله إلى مصلح اجتماعي ثم يعلن موت النقد الأدبي الفني.
في تبرير دعوته إلى موت النقد الأدبي يقول الغذامي: "لقد أدى النقد الأدبي دوراً مهماً في الوقوف على جماليات النصوص ولكنه أوقعنا وأوقع نفسه في حالة من العمى الثقافي التام عن العيوب النسقية المختبئة تحت عباءة الجمالي" (7).
ثم يضيف "وبما أن النقد الادبي غير مؤهل لكشف هذا الخلل الثقافي فقد كانت دعوتي بإعلان موت النقد الادبي وإحلال النقد الثقافي مكانه"(8).
الغرض من ذلك: "هو تحويل الأداة النقدية من أداة في قراءة الجمالي الخالص وتبريره وتسويقه بغض النظر عن عيوبه النسقية، الى أداة في نقد الخطاب وكشف أنساقه"(9). و ذلك أن النظرة البلاغية محدودة :"فهي  تنظر إلى النصوص بوصفها مجموعة من الدوال وهذا يحد من قدرتها على رؤية المضمر الآيديولوجي"(10).
إذن، إنه ينادي بالتخلص من النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه. والسبب ان النقد الأدبي يهتم بجماليات وبلاغة النصوص الأدبية، الأمر الذي يجعله عاجزاً عن القراءة الآيديلوجية للنصوص. لكن متى كانت القراءة الآيديولوجية غاية للنقد الأدبي الحديث؟ ألم يقم الغذامي شهرته الأدبية على التركيز على أن أدبية النص تكمن في بعده الجمالي وقيمته البلاغية وتهميش المضون الايديولوجي والقيمي وذلك من خلال تبنيه  لمدراس الحداثة وما بعد الحداثة في كتبه النقدية السابقة على النحو الذي أجملناه آنفا ؟    
ولكن ها هو الجمالي والبلاغي يتحول فجأة، بين عشية وضحاها ودون تقديم اي مسوغات لهذه النقلة العكسية، إلى عائق وحيلة خادعة لاخفاء الأنساق الثقافية والقيم الإجتماعية. وتصبح وظيفة النقد حسب الغذامي الكشف عن عيوب هذه القيم  الثقافية  ورؤية المضمر الآيديولوجي في الأدب.
وبذلك لا تعدو دعوة الغذامي إلى إحلال النقد الثفافي محل النقد الادبي، عودة بالأدب والنقد إلى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، أيام تغليب المضمون الأيديولوجي والتعويل على الوظيفة الإجتماعية للأدب التي تجلت في الواقعية الإشتراكية ودعوة سارتر إلى الإلتزام، في مواجهة وكشف وتعرية الأدب البرجوازي الذي يخفي عيوب الخطاب الرأسمالي.
ولا يغير في ذلك ما يستخدمه الغذامي هنا من مفردات ومصطلحات تبدو في ظاهرها وكأنها دعوة جديدة الى أمر مختلف مثل: نسق ثقافي، وأنساق وخطابات ثقافية، وغيرها. وهي لا تعني أكثر مما تعنيه، القيم الثقافية والمعارف السائدة التي تتحكم في حركة المجتمع وتحدد إنتاجه الثقافي في فترة تاريخية معينة.

خلط المفاهيم:

يحصر الدكتور عبد الله الغذامي تجريب نقده الثقافي، في محاكمة الشعر العربي قديماً وحديثاً. ويبدأ هذه المحاكمة باستجوابات أو تساؤلات تقريرية تنطوى على إجابات وأحكام قيمة جاهزة في ذاتها من قبيل: "هل جنى الشعر العربي على الشخصية العربية؟ هل هنالك علاقة بين الفحل الشعري وصناعة الطاغية؟ وهل هنالك أنساق ثقافية تسربت من الشعر وبالشعر لتؤسس لسلوك غير إنساني وغير ديمقراطي؟ هل المتنبي شاعر عظيم أم شحاذ عظيم؟"(11).  
ثم يخرج الغذامي من هذه المحاكمة الإيجازية بنتيجة يعممها على كل الشعر العربي من لدن إمريء القيس إلى أدونيس ونزار قباني، وهي أن الشعر العربي هو المسؤول عن عيوب ونقائص الشخصية العربية إذ أنه شعر رجعي يقوم على النفاق والكذب وهو غير إنساني وغير ديمقراطي وإن رموزه الشعرية طواغيت متسلطين مستبدين رجعيين وشحاذيين وإن من يدعي منهم الحداثة فان حداثته رجعية. يقول:
"في الشعر العربي جمال و أي جمال ولكنه أيضا ينطوي على عيوب نسقية خطيرة نزعم أنها كانت السبب وراء الشخصية العربية ذاتها فشخصية الكذاب والمنافق والطماع من جهة وشخصية الفرد المتوحد فحل الفحول ذي الأنا المتضخمة من السمات المترسخة في الخطاب الشعري ومنه تسربت إلى الخطابات الأخرى ومن ثم صارت نموذجا سلوكياً ثقافياً يعاد إنتاجه بما أنه نسق منغرس في الوجدان الثقافي مما ربى صورة الطاغية الأوحد فحل الفحول" (12).
ربما يبدو هذا الكلام في ظاهره وجيها ولكننا ننسى أمرا مهما، هو أنه علينا أن ننظر إلى ظاهرة المديح في سياقها التاريخي والإجتماعي الذي أفرزها حتى لا نحاكم فن المديح باثر رجعي. ولكن الغذامي رغم ربطه للنقد الثقافي بالتاريخانية الجديدة الا أنه لم يطبق أهم شروط هذه التاريخانية وهو ربط الأحداث والظواهر بعللها وسياقاتها التاريخية وعدم النظر إليها بشكل مجرد وكانها ظاهرة أزلية  مبتة  الصلة بحركة المجتمع المتغيرة أبدا.  
إننا نضع العربة أمام الحصان حينما نحمل الشعر المسؤولية عما يصفه بالخلل والعيوب الخطيرة في الشخصية العربية. فالشعر والشاعر كلاهما نتاج الشروط التاريخية والإجتماعية والثقافية وليس العكس. فالشاعر لم يصنع نواميس المجتمع القبلي الجاهلي وليس له يد في نظام الحكم الذي يولد الطغيان والجبروت.
وفوق ذاك إن الشاعر المداح، كان يصدر عن منظومة جمالية تحدد أغراضا للشعر بعينها لا حيلة له في الخروج عليها. ويعد فن المديح أهم هذه الأغراض الشعرية. لذلك القول بأن الطغيان والإستبداد السياسي إختراع شعري هو قلب لمنطق الاشياء.  
ومن المفارقة التي هي جديرة بالتأمل هنا، أن ناقداً تقليدياً محافظاً مثل الدكتور عبد الله الطيب المجذوب قد أدرك بحسه النقدي التقليدي البعد التاريخاني للمسألة حينما رأى في فن المديح أنه كان بمثابة ما تقوم به وسائل الإعلام في العصر الحديث. فما كان  يقوم به الشعراء العرب مناظر لما كان يقوم به الرسامون والمصورون الأوربيين في عصر النهضة.
إن تنافس الأمراء العرب، على الشعراء، كما يرى عبد الطيب المجذوب: "كتنافس ملوك أوربا وأمرائها على إستقدام المصوريين البارعين وإستخدامهم وينبغي أن ننظر إلى قصيدة المدح لا على أنها تسول ولكن على أنها واجب أو عمل يطلب من الشاعر فينجزه كما كان المصورون في أوروبا يؤدي أحدهم واجباً أو ينجز عملاً حين يطلب منه أن يرسم هذا الأمير أو تلك الأميرة وكان من أعظم ما في الرسم إبراز الأبهة والجمال، وما كل أمير بذي أبهة ولا كل أميرة بحسناء فتأمل!" "(13).
ويتساءل عبد الله الطيب متعجبا: "إننا نقبل روايات موليير وراسين وبن جونسون وشكسبير وصور فان داك وجوبا ورامبرانت وروفائيل على أنها من صميم الفن وننسى وجه الشبه بينها وبين المدح والهجاء عند العرب. وقد فطن إلى نحو ذلك ابن رشد في الدهر القديم حين شبه الماساة بقصيدة المدح والملهاة بقصيدة الهجاء فما باعد كثيرا"(14).
من ناحية أخرى، هنالك خلط بين تمركز الخطاب الشعري حول الذات وبين الأنانية والتسلط والطغيان والإستبداد كظواهر أخلاقية وسياسية. وبسبب هذا الخلط يحاكم الغذامي كبار الشعراء في العهد القديم والحديث مثل المتنبي وأبو تمام ونزار قباني وأدونيس بتهمة الرجعية والتخلف واللاإنسانية وإحتقار الآخرين، بسبب ما يصفه، بتضخم الأنا عندهم، ويخلص إلى أن تضخم الذات عند أولئك الشعراء هو المسؤول عن بروز ظاهرة الطاغية السياسي في المجتمعات العربية.
وهذه القراءة تغفل حقيقة مهمة جداً وهي أن بروز الإهتمام بالإنسان كفرد وذات يمثل نقطة إنطلاق الحداثة. بإعتبار أن الفرد هو الغاية من المجتمع الليبرالي الذي انبثقت منه الحداثة. ويمكن القول إن بروز مقولات الفرد والذات تمثل نقطة الإنطلاقة للحداثة الأدبية والشعرية والمجتمعية.
إن الأنا الشاعرة في كل شعر إنساني مجيد، تجسيد لحرية الفرد وتمثيل لصوت الإنسان من حيث هو إنسان مقابل قمع المجتمع والسلطات التي تحاول أن تعطي لنفسها الشرعية من خلال التدثر بالمصلحة العامة لتمارس المزيد من القمع ضد الفرد.
لذا كانت الحركات التجديدية في الفن والأدب منذ الحركة الرومانسية وما تلاها من التمظهرات المختلفة للحداثة تركز على الإنسان كذات مفردة. والإبداع هو في الأصل تفرد ومفارقة لروح القطيع ومن السير في ركابه بلا إرداة وبلا قدرة على رؤية المختلف الذي يفتح الآفاق إلى التغيير والتقدم.  
ويقود العجز، عن استكناه وظيفة الذات الشاعر في القصيدة، إلى نتيجة أخرى مغلوطة وهي القول أن الشعر العربي قد سقط حينما بدأ الشعر في التحول من أن يكون صوت الجماعة إلى أن يكون صوته الخاص.
يقول الغذامي: "حدث تحول مبكر وجذري في الثقافة العربية الجاهلية تغيير فيه الموقف العام من الشاعر فالشاعر كان صوت القبيلة ولكنه تخلي عن دوره هذا ليهتم بمصلحته الخاصة أكثر وارتبط هذا بفن المديح المتكسب به. هذا أدي إلى سقوط الشعر وبروز الشاعر.."(15).
هكذا تقلب الآية كما يقولون، وتجعل الشعرية في العام وليس الخاص. وهذه النتيجة تصطدم بالبداهة التي تقول إن الشاعر كلما صدر عن ذات نفسه وجاء خطابه فردانيا، كلما حسن شعره وأجاد. وهل إلابداع غير التفرد والتمايز والمفارقة والابتكار؟ وكل ذلك يكون من اجتراح الفرد لا الجماعة.  
إن الخلط بين الضرورة الفنية لبروز الأنا الشاعرة، وبين القيم الإجتماعية والسياسية كالإستبداد والأنانية جعله يرى في تحول الشاعر من صوته الخاص إلى صوت الجماعة، كعلامة على التقدمية والإنسانية. ولكن حسب المعايير الجمالية "الحداثوية" ذاتها فان الصوت الخاص لشاعر هو منبع الشعرية وجوهرها.
ولذا فان قول الغذامي ان الشعر سقط حينما تحول الشاعر من ان يكون صوتا للجماعة، الى صوته الخاص يصطدم بنظريات الحداثة الأدبية التي يبشر بها الغذامي. يقول:" تحول الخطاب الشعري من العام، من صوت القبيلة إلى الصوت الخاص، تحولت الـ "نحن" إلى الـ "أنا"، مثلما تحولت القيم من بعدها الإنساني إلى بعد ذاتي نفعي أناني وتحول الخطاب إلى خطاب كاذب ومنافق"(16).
إن الذات الشعرية التي تجسد قيم الانسانية والتقدمية والديموقراطية كما يراها الغذامي هي الذات المندغمة في الجماعة اندغاما كاملا ومثاله النموذجي على هذه الذات الشعرية دريد بن الصمة الذي  "إن رأى قومه على خطأ فانه يظل معهم و لا ينشق عليهم، فهو من غزية إن رشدت رشد معها وإن ضلت ضل معها. وهذ قيمة في السلوك الجمعي الواعي وهذا موقف ديمقراطي يغلب رأي الرعية وخيار الجماعة على رأي الفرد ورأي الزعامة. وجاء الاسلام كدين ذي نظام أخلاقي يعزز القيمة الانسانية لنظام الجماعة"(17).
 ولكن الاسلام نفسه لا يسعف الغذامي فيما ذهب إليه. فورد في الحديث "لا تكن إمعة، تقول أنا مع الناس إن احسنوا أحسنت وإن اساوا أسات". كما أن الديمقراطية لا تقول عليك ان تخطيء إذا أخطأت الجماعة والأغلبية. بل ان جوهر الديمقراطية هو حماية حق الفرد ضد تغول الجماعة الاغلبية!
ولكن ما هي قيم القبيلة التي يعد تمسك الشاعر بها ضلالا او هدي، موقفا واعيا وخيارا ديمقراطيا وبالتخلى عنها سقط الشعر العربي ؟
يجيب الغذامي على ذلك مستعيناً بما حدده الدكتور علي الوردي: إن هذه القيم تتمثل في أن  القبيلة الفاضلة هي التي تطير إلى الشر حالا والتي تنصر أبنائها ظالمين أو مظلومين وهي التي تجزي الظلم بالظلم والإساءة بالإساءة وهي التي لا تخشى الله عندما تظلم!!!
ومن ذلك يستنتج الغذامي أن "القيم الشعرية هي قيم البغي والإستكبار والفخر بالأصل القبلي"(18). ولكن هل هذه القيم، هي قيم الشعرية العربية، أم قيم القبيلة، التي يريد الغذامي للشاعر أن يتمسك بها ليرتفع بها الشعر ويسمو؟  
ألم يقول الغذامي أن الشعر العربي سقط حينما تحول من العام اي من قيم القبيلة، الى الخاص؟ فإذا كانت هذه هي قيم القبيلة/ الجماعة التي يقول الغذامي إن الشاعر قد تخلى عنها. فكيف يكون في التخلي عن التغنى بهذه القيم، سقوط للشعر العربي، وفي التمسك بها سمو للشعرية العربية ؟!!!

توظيف الخطاب الديني في نقد الشعر:

بعد محاكمة الشعر إجتماعياً وثقافياً لا ينسى الغذامي أن يحاكمه دينياً أيضاً: " فالشعراء يقولون ما لا يفعلون واللافاعلية هنا هي إحدى عيوب الخطاب لأنها تسلب من اللغة قيمتها العملية لذا تفصل بين القول والفعل كما أنها ترفع عن الذات مسؤوليتها عما تقول ولذا ذم الشعر الذي هو هذه هي صفته في القران الكريم "(19).
ولكن الخطاب الديني يتجاوز نظرة الغذامي التراجعية. فهنالك تأويلات السنة العملية والقولية لمدلولات الخطاب القرآني حول الشعر التي يسقطها الغذامي هنا، من حسابه، بعد ان كان قد تبناها في السابق. فقد ورد في الحديث الصحيح قول النبي (ص): "إن من البيان لسحرا"، وقوله: "إن من الشعر لحكمة".
كما ثبت أن النبي (ص) كان يستعذب الشعر ويصغي إليه. وقصة الشاعر الجاهلي كعب بن زهير الذي جاء يمدحه ويعتذر بقصيدة "بانت سعاد" معروفة. كما عرف عنه النبي (ص) أنه كان يستنشد الشعراء مثل الخنساء وحسان بن ثابت. وقيل أنه كان يحث الخنساء على قول الشعر وسيتزيدها ويقول: هيه يا خنساء. والمعروف أن جل شعر الخنساء كان في رثاء ومدح أخيها صخر الذي قتل في الجاهلية.  
وحينما يطالب الغذامي بالتخلص من مقولة: "أعذب الشعر أكذبه"، ومن خاصية المبالغة في التصوير الشعري كونها عزلت بين اللغة والتفكير مع إعطاء الجمالي قيمة تتعالى على العقلي والفكري، إنما يطالب بالتخلص من الشعر نفسه. ولا أدري كيف فات على ناقد حاذق أن يميز بين عذوبة الكذب التي وصف بها الشعر الجيد، وبين  الكذب الأخلاقي المنهي عنه. إن مقولة "أعذب الشعر أكذبه" تعبير مجازي قصد به المبالغة في التصوير ودقته. ثم أن هذه المقولة لم تقال في موضع الذم، إنما قيلت في مقام المدح، مدح الشعر الجيد.
وعندما يقول الغذامي إن المبالغة تعطي الجمالي قيمة أكبر من العقلي والفكري، إنه ينسى أو يتناسي بأن وظيفة الشعر أصلاً وجدانية أكثر من كونها عقلية أو فكرية. الوجدان اولاً ثم الفكر.
من ناحية أخرى، إن الخلط بين بحث الذات الشاعرة عن التفرد والتميز، وبين الإستبداد السياسي، قاد الغذامي إلى أن يرى في النزعة الإنسانوية المتجاوزة للآني وراهنيته في شعر المتنبي، مدعاة للتقليل من شأن المتنبي كون شعره يتعالي على العام والسائد.
يقول الغذامي عن المتنبي إنه: "أقل الشعراء إهتماما بإلإنساني وتحقيرا له"(20). وفي موضع آخر يقول عنه إنه "أقلهم إنسانية"، ولذلك كون المتنبي "هزئ بالحب والتشبيب: أكل فصيح قال شعراً متيم وغير فؤادي للغواني رمية، وللخود مني ساعة ثم انثني وهو الشاعر المفرط في أنانيته وفي أناه الطاغية وفي تحقيره الآخرين"(21).)
إن الحديث عن أنانية المتنبي واحتقاره الآخرين يجب أن يفهم في سياقه، سياق المدح والهجاء واعتداد الشاعر بنفسه، على النحو الذي تحدثنا عنه وذلك دونما تعميم مخل. أما الحكم على المتنبي بأنه قليل الإنسانية لمجرد أنه رفض إفتتاح القصائد بالتغزل في النساء. فهو حكم مبني على مقدمات خاطئة. وذلك أن إستنكار المتنبي إستهلال القصائد بالغزل والنسبيب لا علاقة له بموقف المتنبي من المرأة والحب كما يؤمي بذلك الغذامي مدفوعا بنزعته إلى تانيث القصيدة الحديثة مقابل ذكورية القصيدة القديمة.
فمن المعلوم بالضرورة إن القصيدة العربية القديمة ممثلة في النموذج الجاهلي كانت ذات بناء ثابت و أغراض محددة لا تتغيير بتغير موضوع القصيدة فعلي الشاعر أن يبدا القصيدة بالغزل والنسبيب والبكاء على الأطلال حتى لو كان المقام مقام مديح شخص، كشخص النبي محمد (ص) كما فعل كعب إبن زهير في قصيدته الشهيرة " بانت سعاد". وحينما إستنكر عليه ذلك بعض الصحابة وارادوا زجره ، قال لهم النبي أتركوه. وظل هذا التقليد راسخاً حتى العصر العباسي حيث ظهر الشعراء المجددين من أمثال بشار،وأبي نواس وأبي تمام والوليد وأبي العتاهية فتمردوا على هذا التقليد. قال أبو نواس في ذلك:
صفة الطلول بلاغة القِدم * فاجعل صفاتك لابنة الكرم.
وقال في قصيدة اخرى:
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة * كانت تحل بها هند وأسماء.    
وقال ساخرا:
قل لمن يبكي على رسم درس *  ما ضره لو كان جلس.
فجاء المتنبي وجاري أبا نواس في الثورة على التقليد الجاهلي في إستهلال القصائد وآثر أن يدخل في موضوع القصيدة، دون مقدمات غزلية، سواء كانت مدحاً أو هجاءً أو وصفاً. فقال محتجا في ذلك:
أكلما قيل شعراً فالنسيب المقدم * أكل فصيح قال شعرا متيم؟.
 وهذا التساؤل الشعري، منطقي و وجيه جدا. فلا يوجد مبرر منطقي يلزم الشاعر الإستهلال بالغزل والحب بصرف النظر عن الغرض من القصيدة سوى التقليد الماحق. ولكن رغم هذه الثورة على هذا التقليد، إلا أن المتنبي لم يستطع التخلص الكامل من إستهلال القصائد بالغزل والنسيب فقد حوي ديوانه أجمل وأحذق وأقوى أنواع الغزل الإستهلالي، كما ضمت قصائده بين ثناياه أبيات في الحب والغزل لا تجارى.
إذن الحديث عن أن المتنبي أقل إنسانية كونه إستنكر إستهلال القصائد بالحب والغزل حديث غير مصيب. صحيح إن المراة لا تحتل مساحة كبيرة في  شعر المتنبي ولكن هذا موضوع آخر، وهل يمكن أن نصف أبو العلاء المعريء بأنه قليل الإنسانية للسبب نفسه؟  بل ما بال الفلاسفة من لدن سقراط وأفلاطون وإلى يومنا، الذين تنسب إليهم آراء قد يفهم منها ظاهريا أنها معادية للمرأة.  
هذا فضلا على أن شعر المتنبي يفيض بالكثير من القيم والتأملات الإنسانية الكونية الرحبة والتي لا تزال محل دراسة من الباحثين ومن دعاة الحداثة على وجه الخصوص.

الفحولة الشعرية والنقد النسوي:

في محاكمته لمفهوم الفحولة في الشعر، يخلط الغذامي بين مصطلح الشاعر الفحل في النقد العربي القديم، وبين نقد العقلية الذكورية الشائع في أدبيات الحركة النسوية. فتعبير الشاعر الفحل يقصد به قديما، الشاعر المجيد الذي يمتلك شاعرية تمكنه من أن يجترح له مذهباً في الشعر يكون نموذجاً متبعاً وقدوة لغيره من الشعراء. لذلك نجد أن مصنفي طبقات الشعراء في النقد العربي القديم قد خصوا شعراء محددين  وأخرجوا من دائرة الفحولة شعراء آخريين.
ولو كانت الفحولة الشعرية حكراً على الشعراء الذكور لعدوا كل شاعر ذكر شاعرا فحلا. بل إن مصنفي طبقات الفحول، أدرجوا الشاعرة الخنساء المعروفة، كشاعرة فحلة كدلالة على أن الفحولة الشعرية ليست مقصورة على الذكورة.
ولكن الدكتور عبدالله  الغذامي يطابق بين عمود الشعر ممثلاً في القصيدة التقليدية القائمة على وحدة البيت، وبين الذكورة من جهة، وبين قصيدة التفعيلة والأنوثة من جهة أخرى. و يجعل بروز قصيدة التفعيلة إنتصارا للأنوثة على الذكورة. تحت عنوان: (عودة الفحولة – تهشيم النسق) يقول:" إن مشروع الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة مسعى ثقافي لكسر عمود الفحولة وإحلال نسق بديل ينطوى على قيم جديدة تنتصر للمهمش والمؤنث والمهمل، وتؤسس لخطاب إبداعي جديد يطبع بالطابع الإنساني"(22).
ثم يضيف: "لئن كان ظهور نازك الملائكة عام 1947 وكسرها عمود الفحولة يمثل دلالة ثقافية على فتاة يافعة تقتحم النسق الفحولي وتحطمه، إلا أن ظهور ديوان نزار قباني (طفولة نهد) في العام نفسه هو الجـواب الرادع على حـالة التمرد النسقي في مشـروع الحداثة الغض وقت ذاك"(23).
وهنا لا نريد أن نخوض في الجدل العقيم الذي تغذيه المواقف الآيديولوجية أكثر من المواقف الواقعية حول تجربة نزار قباني الشعرية، وهل كانت خصماً على قضية المرأة أم إنتصاراً لها. إن جماهيرية نزار العريضة دليل على أن تجربته الشعرية كانت إستجابة لضرورة شعرية ملحة في العالم العربي.
أما حصر القيم الإنسانية والتقدمية والحداثية في قصيدة التفعيلة فهو تبسيط  للأمور وتسطيح لها ووقوع في الشكلانية الفجة. إن عمود الشعر الفحولي أتاح لشاعرة مثل الخنساء أن "تستفحل"، وأن تبزُّ كثيراً من الفحول الشعراء. إذن القضية ليست قضية ذكورية ونسوية وليست قضية تحطيم لعمود الفحولة وإنحياز للأنثي. كما أنها ليست قضية شعر حر أو شعر عمودي أو حداثة ورجعية ، وإنما قضية شعر أو لا شعر.
      
مصادرة الشعرية والإعلان عن موت الشعر:
 
بعد أن تم تجريد الشعر من بعده الجمالي والبلاغي، فلن ندهش أن يتحول شاعر مجدد مثل أبي تمام في نظر النقد الثقافي الغذامي، إلى شاعر "رجعي" وتتحول حداثته إلى "حداثة رجعية"!!. ولذلك  ليس من المستغرب أن يسخر الغذامي من مقولات نقدية إستطاع بها أبو تمام أن يستبق ما توصلت اليه أحدث النظريات النقدية المعاصرة مثل قوله: "كم ترك الأول للآخر"  معترضا على من قال:"ما ترك الأول للآخر". ومثل قوله لمن إتهم شعره بالغموض: لم لا تفهم ما يقال؟ كجواب له على من سأله: لم لا تقول ما يفهم؟
وتحت عنوان "رجعية الحداثة" يدمغ الغذامي قصيدة الحداثة العربية بالرجعية ويخص بهذا الوصف أدونيس كونه يمثل الرمز الحداثي الأول. والأسباب والحجج التي يسوقها الغذامي على رجعية شعر أدونيس لا تنفي، بل تؤكد حداثة أدونيس الشعرية، وذلك، حسب رؤية الحداثة التي كان يبشر بها الغذامي نفسه قبل صدور كتابه النقد الثقافي. يقول الغذامي مدللاً على رجعية حداثة أدونيس الشعرية: " أدونيس شاعر غنائي  مغرق في غنائيته .. يتغنى بتفرده وتعاليه ويصطنع لذاته قيمة أسطورية سحرانية خالصة الوجدانية"(24).
إن التغني والتفرد والوجدان والسحر والأسطورة والذاتية والتعالي بالمعنى الشعري، تمثل في مجموعها عناصر الشعرية وكل شعر يفتقر إلى هذه العناصر لا يصح أن تطلق عليه صفة شعر. ولا شك أن هنالك الكثير الذي يمكن أن يؤخذ على تجربة أدونيس الشعرية ولكن بمباضع النقد الأدبي ومنطقه وأدواته لا بمنطق الخطاب العادي. فالشعر أصلا لغة مجازية مفارقة. وبالتالي لا محل هنا، لذم الغذامي، خطاب ادونيس بصفته " خطاب لاعقلاني سحراني"  كما لا معنى لقوله إن في خطاب أدونيس الشعري: "عداءً خاصاً لكل ما هو منطقي وعقلاني..وعزوف عن المعنى وتمجيد للفظ"(25).
هنا نذكر الدكتور الفاضل انه سبق وأن تبنى رؤية أدونيس السحرانية بالتمام والكمال في كتابه (الخطيئة والتكفير: من التشريحية إلى البنيوية) حيث انتهى إلى أن النقد الأدبي قائم أصلا على تمجيد اللفظ وسحره، حيث كان يقول " تفسير النص هو البحث عن أثره ، وأثر النص هو سحر البيان، ومهمة الناقد هي إصطياد هذا السحر"(26).
كذلك كان يرى في، لاعقلانية الخطاب الشعري، حقيقة الشعر، حيث يقول:" الحقيقة الشعرية تختلف عن الحقيقة الواقعية. فالشعر هو اللاواقع واللاحقيقة "(27).
أما الشاعر نزار قباني، فياخذ عليه الغذامي في نقده الثقافي، القول، ان الشاعر يحمل بين رئتيه قلب الله، وان على الناقد ان يقف متعبدا أمام الفن، وقوله أن الشاعر هو الطفل الوحيد المسموح له ان يلعب باللغة، وان الكلمة تظل عذراء إلى ان يأتي الشاعر ليفض بكارتها ويحولها إلى أميرة الخ..
ولكن الغذامي يرى في كل ذلك استمرارا لاستفحال الشاعر وطغيانه ودليلا على رجعيته وردة حداثته. ولكن ما ياخذه الغذامي، على، نزار قباني، كان قد قاله بحذافيره في كتابه الخطيئة والتكفير. ألم يقل أن :"الشعر تجربة روحية وهيام من المحدود إلى المطلق وكما انه انعتاق للانسان فهو كذلك إنعتاق للغة "(28).
ألم يقل إن الشاعر: "حامل روح البشرية وهو بحساسيته المفرطة يرتقي فوق قيود الواقع وأسراره ليحلق في فضاء الله المطلق. ومعه تسبح الكلمة التي تنتظر الشاعر لسيبح معها "(29).
وهكذا ترتد مقولات التبشير بالحداثة، إلى نقضيها، وتتحول الدعوة الى النقد الثقافي، إلى دعوة إلى مصادرة الشعرية، وموت الشعر والشاعر والنقد الأدبي.


-    * كتب هذا المقال في 2009 ونشر بالعدد الأخير (57) من مجلة كتابات سودانية.
المراجع والهوامش :
1)    عبدالله  الغذامي، النقد الثقافي- قراءة في الانساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي،الطبعة الثالثة، 2005
2)    عبد الله الغذامي ،الخطيئة والتكفير : من البنيوية إلى التشريحية، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة،  2006
3)    محمد أحمد البنكي، دريدا عربيا : قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الاولى 2005 ص 119
4)    نقلا عن المصدر السابق ص 120
5)    عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير : من البنيوية إلى التشريحية سبق ذكره ص 78
6)    المصدر السابق ص
7)    عبد الله الغذامي، النقد الثقافي- قراءة في الانساق الثقافية العربية- سبق ذكره – ص7
8)    المصدر السابق ص8
9)    المصدر السابق ص14
10)    المصدر السابق ص7
11)    المصدر السابق ص93،94
12)     المصدر السابق ص94
13)    عبد الله الطيب المجذوب، مع المتنبي ، دار جامعة الخرطوم للنشر .
14)    المصدر السابق .
15)    عبد الله الغذامي، النقد الثقافي- قراءة في الانساق الثقافية العربية- سبق ذكره –ص100
16)    المصدر السابق ص143
17)    المصدر السابق ص247
18)    المصدر السابق ص102
19)    المصدر السابق ص99
20)    المصدر السابق ص168
21)    المصدر السابق ص245
22)    المصدر السابق ص245،248
23)    المصدر السابق ص285
24)     المصدر السابق ص 285
25)    المصدر السابق ص281
26)    عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير : من البنيوية إلى التشريحية - سبق ذكره ص 106
27)    المصدر السابق ص 241
28)    المصدر السابق ص 241
29)    المصدر السابق ص 242


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.