توفي الفيلسوف والناقد الأدبي واللغوي والروائي الإيطالي، أمبرتو إيكو في 19 فبراير الماضي من هذا العام 2016 عن عمر بلغ 84 عاما. وكان قد بدأ نجم إيكو في السطوع مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي وذلك مع بداية انحسار بريق "التفكيك" الدريدي في الغرب. وبعد رحيل دريدا في 2004 صار إيكو النجم العالمي الأول في سماء الأدب والنقد.
وفي تقديري أن مساهمات إيكو النقدية وحدها ليست كافية لتمنحه هذه الشهرة. فأعماله الروائية وأسلوبه الساخر وطريقته المباشرة في الكتابة النقدية كلها عوامل ساهمت في جلب هذا الصيت الذي يتمتع به.
ويمكن أن تصنف مساهمات إيكو النقدية ضمن نظريات التأويل وجماليات القراءة والتلقي ونظريات استجابة القاريء التي تمنح القاريء حرية أكبر في تفسير وتأويل النصوص الإبداعية.
وينحصر مشروع إيكو النقدي بين القول بانفتاح النص وحرية تاويله، وبين ضرورة وضع معايير وضوابط للحد من فوضى التأويل التي ساهمت فيها نظريات تهدر المعنى والقراءة الموضوعية للنصوص مثل التفكيك وبعض نظريات استجابة القاريء كما عند الأمريكي ستانلي فيش.
أما المنطلقات النظرية التي يستند إليها إيكو في مؤلفاته النقدية، فتشمل الفلسفة الظاهراتية وبخاصة في كتابه الأول (العمل المفتوح) وسيميولوجيا تشارلز ساندرز بيرس إلى جانب توظيف التداولية أو "العملانية" pragmatics في علم اللغة.
أهم مؤلفات إيكو النقديه هي: (العمل المفتوح)1962 وكتاب (دور القاريء)1984 وكتاب (القاريء في الحكاية)1979 وكتاب (حدود التأويل)1990 وكتاب (التأويل والتأويل المفرط)1992 بالإشتراك. ومن أشهر رواياته (اسم الوردة)1980 ورواية (بندول فوكو)1988.  

أمبرتو إيكو والتفكيك:
يعد أمبرتو إيكو من أساتذة الفلسفة والنقاد القلائل الذين أعلنوا صراحة عن معارضتهم للتفكيك الدريدي. بل أن مشروع إيكو التأويلي يقوم في جزء كبير منه على مقاومة النهج التفكيكي في القراءة. وقد خصص كتابين من مؤلفاته للجهر بمعارضته للتفكيك هما: كتابه (حدود التأويل)1990 وكتابه (التأويل والتأويل المفرط)1992.
ويصف إيكو التفكيك بأنه يحيل النص إلى "ورم هلامي غامض"(1). وإلى "فراغ من احتمالات لا نهائية"(2). وإلى "مجرد محفز على الإنزلاق التأويلي اللانهائي"(3). وإلى "ماكنة لإنتاج تأويلات لا نهائية"(4) من المعاني المؤجلة. كذلك يرفض إيكو مزاعم التفكيكيين القائلة أن كل قراءة خاطئة وكل تأويل مغلوط.
ويشخص إيكو الأسباب التي قادت التفكيك إلى هذه النتائج بالقول أن التفكيك يعتقد انه "مجرد أن ينفصل النص عن قصد مؤلفه ويتركه ورائه، فإن القاريء يكون في حل من أي التزام أو إمكانية أن يظل وفيا لقصد مؤلف النص الغائب. وبذلك يمكن الخلوص إلى أن اللغة تقع في أحبولة ألاعيب من التدليل المتعدد بحيث لا يمكن للنص أن يتجسد في معنى وحيد مطلق، ففي ظل غياب مدلول متعالي فإن الدال لا يوجد أبدا في حضورا محايث للمدلول ولذلك يظل المدلول في حالة اختلاف وتأجيل مستمرة، فكل دال يحيل إلى دال آخر من غير ان يحيل إلى أي شيء خارج الشبكة الدلالية التي تمضي في الدوران إلى ما لا نهاية"(5).  
ومن المعلوم أن دريدا في سعيه لتفكيك مركزية العقل، التي تحدد الوجود كحضور، يقوم بتفكيك مركزية الصوت/الكلام. وذلك من خلال تفكيك علاقة الذات بالكلام والكتابة ومن خلال تفكيك وحدة العلامة اللغوية بتحرير الدال من المدلول. ويتم ذلك بجلب خاصيتي الغياب وسوء الفهم التي يفترضها دريدا في الكتابة. فهو يعتقد أن الكلام يمثل الحضور الممتليء، بينما تمثل الكتابة الغياب، غياب الذات المتكلمة وغياب الموضوع وغياب أي مدلول قبلي يعمل كأساس لإنتاج المعنى والحضور. يقول دريدا كتابه (في القراماتولوجي): "إن الغياب الأصيل للذات الكاتبة هو غياب للشيء وللمرجع أو الموضوع"(6).
فيرد إيكو على ذلك بالقول: "إن الإقرار بمعاناة العلامة اللغوية لغياب مؤلفها أو مرجعها أو الموضوع الذي تشير إليه، لا يعني بالضرورة أن ليس للعلامة هدف موضوعي أو معنى حرفي"(7).  
ولذلك يتخذ إيكو من مراعاة المعنى الحرفي والإنطلاق منه والإستناد إليه معيارا لوقف الإنزلاق التـاويلي التفكيكي للنص إلى ما لا نهاية.
وبرغم أن إيكو واعيا بإلاشكالات التي ينطوي عليها الحديث عن المعنى الحرفي إلا أنه يمضي في التعويل على هذا المعيار قائلا:" داخل نطاق كل لغة يوجد هنالك معنى حرفي مكون من مفردات معجمية وهو الذي نجده مثبت اولا في المعاجم وهو المعنى الذي يتبادر إلى ذهن أي شخص عندما يسأل عن معنى كلمة من الكلمات"(8).
ولكي يدلل على خطل التفكيك والنظريات الأخرى التي تراهن على التأويل المطلق للنص المكتوب، يورد إيكو قصة طريفة تبرهن على أن النص عمليا لا يقبل كل تأويل يمكن أن يفرضه عليه القاريء. والقصة مقتبسة من كتاب جون ويلكنز (المريخ أو الرسول السريع)1641 Mercury; The Secret and Swift Messenger والتي يرويها المؤلف في بداية كتابه كما يلي(9)):
"كم بدأ فن الكتابة غريبا عند اختراعه لأول مرة. علينا أن نتخيل الكيفية التي نظر بها الهنود الأمريكان للكتابة في البداية. لقد ذهلوا أن يروا بني البشر يتحدثون مع الكتب وصعب عليهم أن يصدقوا أن ورقة يمكن أن تتكلم..
هنالك قصة طريفة تتعلق بهذا الموضوع وهي أن عبدا هنديا أرسله سيده برسالة مكتوبة وسلة من التين، وفي الطريق أكل العبد كمية كبيرة من التين وأعطى الباقي للمرسل إليه والذي حين قرأ الرسالة ولم يجد كمية التين المذكورة في الرسالة فاتهم العبد بأكلها ذاكرا له ما تقوله الرسالة  ضده. ولكن الهندي برغم هذا الدليل القاطع، أنكر بكل ثقة الواقعة لاعنا الورقة وواصفا أياها بالكاذبة وشاهدة الزور.
ومرة أخرى أُرسل العبد بذات الطريقة وبرسالة أخرى مذكور فيها عدد حبات التين بالضبط التي يجب أن تُسلَم مع الرسالة. ومرة ثانية يقوم العبد بالتهام كمية كبيرة من التين ولكن هذه المرة فكر في اخفاء الرسالة تحت صخرة كبيرة ظانا انها إذا لم تراه يأكل فسوف لن تشي به. ولما كان هذه المرة قد صار متهما أكثر من ذي قبل، أقر بذنبه وأبدى تعجبه من إلوهية الورقة، ووعد بأنه سيكون وفيا في المستقبل ومتفانيا في خدمة سيده".
هذه القصة العميقة في مغزاها تصلح أن تكون أبلغ رد على مغالطة دريدا لليفي استراوش حول ارتباط اختراع الكتابة باستغلال الإنسان. ولكن إيكو يورد هذه القصة لدحض زعم دريدا بأن الكتابة حالما تنفصل عن مؤلفها تغدو سائبة بلا قصد وبلا مرجع ولا غاية.
فهذه "القطعة لويلكنز تقول عكس ما تقوله به بعض النظريات المعاصرة التي ترى في الكتابة نموذجا مثاليا على التوليد الدلالي اللامحدود وعلى أن أي نص مكتوب أو ملفوظ يعد ماكينة لإنتاج دلالات مؤجلة إلى ما لا نهاية. فهذه النظريات المعاصرة تعارض ما يراه ويلكنز وتزعم أن النص بمجرد أن ينفصل عن الناطق به وقصد الناطق به، وعن الظروف المادية التي صدر عنها، وبالنتيجة عن المرجع المقصود، فإنه يسبح في فراغ من احتمالات تأويلية لا نهائية. وتبعا لذلك لا يوجد نص يمكن ان يفسر أو يأول وفقا لمعنى أصيل ونهائي وقاطع. وذلك لأن اللغة تقول أكثر مما يقوله أي معنى حرفي يمكن الإمساك به والذي يفر مع بداية النطق بالنص"(10).  
ولكي يدحض إيكو هذه المزاعم يضع جملة من الإفتراضات لقراءة الرسالة المتعلقة بقصة ويلكنز ليبرهن كيف كان يمكن لويلكنز أن يرد على "النظريات المعاصرة التي تنظر إلى الكتابة بوصفها نشاطا تفكيكيا"(11). ليخلص إيكو في النهاية من هذه الإفتراضات إلى أنه في جميع الحالات لا مفر من الإحتكام إلى المعنى الحرفي وأنه لا يمكن للرسالة أن تدعم أي تأويل يريده  القاريء منها.
فهو يفترض أولا أن الرسالة يمكن أن تنص على الآتي:"صديقي العزيز - في هذه السلة التي يحضرها إليكم عبدي 30 حبة تين أرسلها إليكم هدية،  نتطلع إلى .." (12).  
وفقا لهذا النص المفترض فأن المرسل إليه سوف يفهم النص حتما بأن السلة المذكورة في الرسالة هي بالضبط السلة التي أحضرها إليه العبد، وأن العبد هو العبد الذي أعطاه صديقه هذه السلة وأن هنالك علاقة بين الرقم 30 ورقم حبات التين التي تحتوي عليها السلة.
ولكن هذه الفرضية يمكن دحضها بكل سهولة كما يذهب إلى ذلك إيكو "إذ يكفي أن نتخيل أن شخص ما قتل العبد الأصلي واستبدله بعبد مملوك لشخص آخر وحتى الثلاثين تينة قد تم استبدالها بـــ 12 تينة أخرى مختلفة. أكثر من ذلك دعنا نفترض أن العبد الجديد أحضر السلة إلى شخص آخر غير المرسل إليه الأصلي. كما يمكن أن نفترض أن المرسل إليه الجديد لا يعلم عن أي صديق يمكن أن يرسل إليه حبات التين. فهل بعد كل هذه الإفتراضات يمكن أن نتوصل إلى فهم الموضوع الذي تتحدث عنه الرسالة؟ "برغم كل ذلك أظن أن رد فعل المرسل إليه سوف لن يخرج عن القول: أحد ما أرسل إليَ كمية من التين أقل مما هو مذكور في الرسالة".
"ما اريد قوله هو أن الرسالة حتى بعد أن تنفصل عن مرسلها وعن مرجعها او موضوعها محل الجدل، وعن ظروف انتاجها، سوف تظل تتحدث عن حبات تين في سلة. اريد أيضا أن أبرز أن المرسل إليه، عند قراءته للرسالة، وقبل أن يتسآءل عن وجود الراسل، سيكون مقتنعا بأن هنالك راسل للتين بعينه هو محل البحث والسؤال"(13).
"دعونا نفترض الآن (الخيال السردي ليس له حدود) ليس فقط أن الرسول الأصلي قد قتل، بل أيضا أن قاتليه أكلوا كل التين واتلفوا السلة، ووضعوا الرسالة في زجاجة، ثم قذفوا بها في البحر، ليجدها، قل بعد سبعين سنة من ويلكنز، روبنسون كروزو. الآن لا عندنا سلة ولا عبد ولا تين، هنالك فقط الرسالة. برغم كل ذلك أراهن على أن أول رد فعل لكروزو سيكون: أين التين؟"(14).
من كل ذلك يخلص إيكو إلى أن "فكرة التوليد الدلالي اللامحدود لا تقود إلى نتيجة أن التاويل لا معايير له. وإن القول باحتمالية التاويل اللامحدود لا يعني أن التاويل ليس له موضوعا وأنه يجري كالنهر لذاته ومن أجل ذاته. كما أن القول مبدئيا أن النص لا نهاية له لا يعني أن كل فعل تاويلي يقود إلى نهاية سعيدة"(15).

التفكيك والهرمسية والغنوصية:
إذا كان بعض الباحثين والنقاد قد ربطوا التفكيك بالتصوف اليهودي، فإن أمبرتو إيكو يذهب أبعد من ذلك ويقرن التأويل التفكيكي بالهرمسية Hermetism والغنوصية Gnostics.
والهرمسية فكر فلسفي صوفي يجمع بين الفلسفة والتصوف والتنجيم والخمياء والسحر، وترجع جذوره إلى الديانات المصرية القديمة وتعاليم فيثاغورس وفلسفة إفلوطين السكندري (الإفلاطونية الجديدة). ويرى الباحثون أن الهرمسية هي منبع التصوف في الديانات الكتابية الثلاثة. أما الغنوصية فهي نزعة صوفية دينية في الرؤية إلى العالم.
ويرى إيكو أن أفكار ما بعد الحداثة القائمة على نقد النزعة العقلانية اليونانية ليست جديدة وإنما هي ترديد للأفكار الهرمسية والغنوصية، حيث "كل ما يطلق عليه فكر ما بعد حداثي سوف يتبدى لنا بشكل كبير سابقا على ماهو قديم"(16).  
فالفكر الهرمسي "يفترض إمكانية نقض فكرة نظام الكون التي وضعتها العقلانية اليونانية، وإنه من الممكن اكتشاف صلات وعلاقات جديدة في الكون يمكن بمقتضاها للإنسان أن يؤثر في الطبيعة وأن يغير مسارها"(17).
"وتتارجح فلسفة نفي العقل الهرمسية الجديدة بين المتصوفة والسيمائيين من ناحية والشعراء والفلاسفة من ناحية أخرى، من غوته إلى جيرار دي نوفال ويتس، من شيللنغ إلى فرانز فون بادر، من هيدجر إلى يونغ." (18).
كما أنه "في بعض المفاهيم النقدية ما بعد حداثية ليس صعبا إدراك فكرة الإنزلاق المستمر للمعنى. وقد عبر فاليري عن الفكرة حينما قال أنه: لا يوجد معنى حقيقي للنص، وهو تعبير هرمسي"(19).
ويرى إيكو أنه عبر التاريخ الطويل كانت هنالك فكرتان للتأويل. الأولى تعتقد أن تفسير أو تاويل نص ما هو أن نتوصل إلى معناه الذي قصده منه مؤلفه أو نكتشف حقيقته الموضوعية أو جوهره الذي يوجد مستقلا عن تفسيراتنا. أما الفكرة الثانية للتأويل فهي التي تعتقد ان النص يفسر ويؤول إلى ما لا نهاية. وهذه الفكرة الأخيرة للتاويل هي الفكرة الهرمسية والغنوصية والتي يتبناها التفكيك(20).
لذلك يسمي إيكو مذهب التفكيك في تاويل النصوص بالإنزلاق أو الإنجراف الهرمسيHermetic drift  حيث يقول: "اقصد بالإنزلاق الهرمسي الممارسة التاويلية التي هيمنت على عصر النهضة الأوربية والتي تقوم على مباديء كونية تعتمد على قياس الاشياء بعضها ببعض وانجذابها لبعضها البعض حيث يرتبط كل عنصر باي عنصر او عناصر أخرى سواء كان هذا العنصر من عناصر هذا العالم الدنيوي أو العالم الأسمى وذلك عن طريق المشابهة والتماثل.. والمبدأ الأساسي ليس هو أن الشبيه يعرف بالشبيه فقط، بل أنه يمكن من خلال المشابهة أن يقرن أي شيء بأي بشيء آخر، بحيث ان كل شيء يمكن أن يكون تعبيرا أو محتوى لشيء آخر"(21).
غير أن إيكو يرى أن الفرق بين التفكيك والنزعة الهرمسية هو أن الأخيرة :"لا تدعي غياب أي معنى كوني وحيد متعالي ولكنها تزعم أن هنالك ذات متعالية قوية أو هنالك الواحد، حسب الإفلاطونية الجديدة، الذي هو المبدأ الكوني الذي تلتقي عنده جميع المتناقضات ويقف هو خارج أي تحديد ممكن. هذا الواحد هو الكل واللاشيء ومصدر كل شئ في ذات الوقت الذي يسمح بربط كل شيء باي شيء آخر بشبكة متاهية من الإحالات المبادلة.. بحيث أن معنى الكلمة أو الشيء يؤدي إلى كلمة أو شيء آخر. وحيث أن كل شيء يقال فهو في الحقيقة ليس سوى أنه إحالة غامضة إلى شيء آخر"(22).
"وبهذا المعنى يغدو مضمون أي تعبير سرا أو لغزا يثير سرا أو لغزا آخر. ومعنى كل رمز يحيل إلى رمز آخر أكثر غموضا من سابقه. والنتيجة التي ننتهي إليها هي انه لا توجد طريقة لاختبار صحة أي تفسير وان المضون النهائي لمعنى أي تعبير هو سر آخر"(23).  
"ولما كانت هذه العملية ترتيء انتقال غير محدود من رمز إلى رمز آخر، فإن معنى أي نص يكون مؤجلا دوما. المعنى الوحيد للنص هو: أن تعلم أكثر. وحيث أن تعلم أكثر هذه، سوف تفسر بان تعلم أكثر، فإن المعنى النهائي للنص هو سر فارغ. وهكذا يحيل التوليد الدلالي الهرمسي كل العالم إلى ظاهرة لغوية فقط ويفرغ اللغة من أي قدرة على التواصل"(24).
أما عن الغنوصية فيقول إيكو "من الصعب تجنب إغراء رؤية الإرث الغنوصي في عديد من مظاهر الثقافة الحديثة والمعاصرة.. وقد رأي البعض جذرا غنوصيا في المباديء الحاكمة للمثالية الرومانسية حيث أعيد تقدير الزمن والتاريخ لكن فقط لأجل أن تجعل من الإنسان صاحب الدور الرئيس في عملية إعادة توحيد الروح"(25).
ليس هذا فحسب بل "هنالك من تحدثوا عن العناصر الغنوصية في الماركسية بل وحتى في المذهب اللينيني (نظرية الحزب كرأس حربة، جماعة مختارة تملك مفاتيح المعرفة وبالتالي الخلاص). وقد رأى آخرون الإلهام الغنوصي في الوجودية وبشكل خاص عند هيدجر"(26).
وتشترك كل من الهرمسية والغنوصية في النظر إلى العالم كنص في حاجة إلى تأويل لا نهائي. وفي "الغنوصية النصية المعاصرة.. لإنقاذ النص، من أي توهم للمعنى، إلى الإعتقاد بأن المعنى لا نهائي، لا بد للقاريء من الظن بأن كل سطر في النص يخفي معنى سريا.. والقاريء الحقيقي هو من يدرك أن سر النص هو خلاؤه"(27).  
ويذهب إيكو إلى أن فكرة "النصية" القائلة أن العالم نص وكل شيء نص التي تعد أهم مقولات التفكيك، فكرة هرمسية غنوصية وهو شخصيا لا إعتراض له على هذه الفكرة من حيث المبدأ، وإنما إعتراضه على فكرة التأويل اللانهائي للنص، سواء كان هذا النص العالم، أو النص كعالم.

جاك دريدا وسميولوجيا بيرس:
أنكر إيكو على دريدا الإستعانة بسميولوجيا تشارلز ساندرز بيرس لدعم نهجه في تفكيك بينة العلامة اللغوية بتحرير الدال من المدلول لإفساح المجال للعب الحر للدوال دون الثبات في معنى أو مدلول بعينه.
وكان دريدا قد أرود في كتابه (في القراماتولوجي) قوله: "لقد ذهب بيرس بعيدا في اتجاه ما دعوته بتفكيك المدلول المتعالي الذي في لحظة أو أخرى يمكن أن يضع نهاية حاسمة للإحالة من علامة إلى علامة أخرى. وكنت قد وصفت كل من مركزية اللوغوس وميتافيزيقيا الحضور بالرغبة القوية والملحاحة وغير القابلة للكبت للوصول لمثل هذا المدلول. والآن نجد أن بيرس يعتبر لا نهائية الإحالة كمعيار يسمح لنا بالتأكيد على أننا نتعامل فعلا مع نظام من العلامات"(28).
وبيرس (1839-1914) فيلسوف أمريكي وعالم منطق ورياضيات وكيمياء ومنشئ الفلسفة البرجماتية المعروفة ومجترح مصطلح Semiotics أي السميوتيك أو علم العلامات أو السيمياء. وكان فرديناند دي سوسير عندما دعا في كتابه (محاضرات في علم اللغة العام) إلى نشوء علم جديد يسمى Semiology  يكون علم اللغويات جزء منه، لم يكن على علم بما كان بيرس قد انجزه في هذا المجال.
وإذا كانت العلامة اللغوية (الكلمة) تتكون لدى سوسير من دال ومدلول وتشير إلى فكرة أو شيء أو موضوع يسمى referent مرجع، فإن العلامة اللغوية عند بيرس ثلاثية الأبعاد ودائرية. فهنالك العلامة sign والموضوع object والمُفسِرinterpretant . وأحيانا يستعمل بيرس مصطلح representamen المُمثِل والعلامة بمعنى واحد.
يقول: "العلامة ما تمثل شيئا أو فكرة تنتجها أو تحددها.. وما تمثله العلامة يسمى موضوعها، وما تنقله أو معناها والفكرة التي تثيرها تسمى المُفسِر"(29).
فالعلامة المكونة من لفظ (سحاب) مثلا تمثل موضوعا هو السحاب المعروف. والمعنى أو الفكرة التي يثيرها في الذهن وهي المطر أو الماء تسمى المفسِر. هكذا تكتمل الأبعاد الثلاثية للعلامة.
حتى الآن لا يوجد في طرح بيرس ما يمكن لدريدا التعويل عليه في تفكيك المعنى والمدلول. فالعلامة أو الممثِل أو الدال (سحاب) ارتبط في ذهن السامع والمتلقي بالمطر والماء. غير أن ما يعول عليه دريدا هو المفهوم الدائري للعلامة عند بيرس الذي يعتقد أن صيرورة العلامة semiosis أو التوليد الدلالي للعلامة لا ينتهي أبدا عند نقطة محددة فكل معنى أو مدلول يتولد من علامة ما، يتحول هو ذاته إلى علامة تحيل بدورها إلى علامة أخرى.
يقول بيرس: "العلامة هي أي شيء يحدد شيئا آخر مُفسِره والذي يحيل إلى موضوع يحيل هو ذاته إليه بنفس الطريقة، وهذا المفسر يصير بدوره علامة وهكذا إلى ما لا نهاية.. فإذا آلت هذه السلسلة من المفسِرات إلى نهاية تكون العلامة بذلك غير صالحة على الأقل"(30).
في المثال السابق العلامة (سحاب) قادت إلى مفسِر لها هو المطر أو الماء، والماء أو المطر هو ذاته علامة أو مجموعة علامات تثير مفسِرات أخرى. فالماء بوصفه علامة يمكن أن تمثل أو تدل على العطش أو الرواء أو الحياة أو الموت والتي هي بنفسها علامات تحيل إلى معاني أو مدلولات تكون هي ذاتها علامات لأشياء أخرى وهكذا.
من حيث المنطق لا غبار على هذه النظرية، ولكن دريدا يأول هذه النظرية بما يخدم مشروعه التفكيكي في القضاء على مركزية اللوغوس أو مركزية العقل وعلى ما يسميه ميتافيزيقيا الحضور وذلك من خلال تقويض أي معنى أو مدلول يمكن أن تؤدي إليه وتثبته العلامة. حيث يفهم دريدا النظرية الدائرية للعلامة عند بيرس بقوله:
"لقد ذهب بيرس بعيد في اتجاه ما دعوته بتفكيك المدلول المتعالي.. فلا  يوجد تمظهر يمكن أن يختزل العلامة أو الممثِل بحيث يفسح المجال للشيء المدلول أن يتجلى أخيرا في حضوره المشرق. لأن الشيء في ذاته هو قبلا ودائما ممثِل محمي من بساطة ثبوته البدهي. إن الممثِل يؤدي دوره فقط بأن يفسح المجال للمفسِر الذي يصير بدوره هو ذاته، علامة، وهكذا إلى ما لا نهاية. إن هوية المدلول تخفي ذاتها بلا انقطاع وهي دائما في حركة. إذ أن الصفة الملازمة للممثِل هي أن يكون ذاته وأن يكون غيره في ذات الوقت، أن ينتج بنية إحالة وأن يكون منفصلا عن ذاته. فالصفة الملازمة له هي ألا يكون متطابقا مع ذاته أو قريبا مع ذاته بصورة مطلقة. إن الشيء الممثَل represented هو قبلا ودائما ممثِلا"(31).
إذن كيف يرد إيكو على تأويل دريدا لنظرية بيرس حول دائرية العلامة؟ يقر إيكو بأنه "من وجهة نظر بنيوية يمكن القول أن صيرورة العلامة semoisis عند بيرس لا محدودة unlimited ولكنها محدودة من وجهة نظر العملية الدلالية. ففي سياق العملية السيميائية نحن نحتاج أن نعرف ما يناسبنا فقط وفقا لعالم الخطاب المحدد.. ووفقا لأساس أو منطلق ground محدد وتحت توصيف وسياق محدد"(32).
ويستند إيكو في رده على دريدا على النزعة البرجماتية لبيرس في نظرته الوظيفية والعملانية للغة بوصفها أداة للتواصل. إذ يرى أن أفكار بيرس كبرجماتي "تقوض قراءة دريدا" حيث يقتبس قول بيرس: "إن فكرة المعنى تتضمن الإحالة إلى غرض ما"، ويعلق إيكو على ذلك بقوله: "وطبيعي جدا أن تنسجم فكرة الغرض purpose تماما مع التفكير البرجماتي.. إن الغرض يرتبط دون أدنى شك بشيء يقع خارج اللغة، ربما لا يرتبط هذا الشيء بذات متعالية، ولكنه يرتبط حتما بالأشياء المحال إليها referents في العالم الخارجي"(33).    
لا شك أن إيكو محق في ذلك، فبيرس عندما يتحدث عن العلامة اللغوية كثيرا ما يربطها بظرف وسياق محدد  وبمجمل محددات التواصل الإجتماعي من مرسل ومتلقي ورسالة إلخ...يقول:" العلامة أو المُمثِل تمثل لشخص ما شيئا ما في وضع وظرف محدد، وتخاطب شخص آخر لتخلق في ذهن ذلك الشخص علامة أخرى معادلة أو أكثر تعقيدا وقد سميت هذه العلامة التي تخلقها مُفسِر العلامة الأولى.. والعلامة لا تمثل الموضوع في كل الأوضاع ولكن تمثله بالإحالة إلى فكرة ما سميتها أحيانا، أساس أو منطلق الممثِل"(34).


الهوامش والمراجع:
1-    Umberto Eco, The limits of interpretation, Indiana University Press, 1994.p.52.
2-    Ibid. p.2
3-    Ibid.p.52
4-    Ibid. p.32
5-    Ibid.p.33
6-    Jacques Derrida, Of Grammatology, The Johns Hopkins University Press,1976, p.69
7-     Umberto Eco, The limits of interpretation, p.33
8-    Ibid. p. 5
9-    Ibid.p.1
10-    Ibid.p.1,2
11-    Ibid.p.2
12-    Ibid.p.2
13-    Ibid.p.4
14-    Ibid.p.4
15-    Ibid. p.6
16-    أمبرتو إيكو، التاويل والتاويل المفرط، ترجمة ناصر الحلواني،مركز الإنماء الحضاري، ص 34
17-    المصدر السابق ص 44
18-    المصدر السابق ص45
19-    المصدر السابق ص 45
20-    Umberto Eco, The limits of interpretation,p.24
21-    Ibid.p.24
22-    Ibid.p.27
23-    Ibid.p.27
24-    Ibid.p.27
25-    أمبرتو إيكو، التاويل والتاويل المفرط، ص47
26-    المصدر السابق ص 48
27-    المصدر السابق ص 50
28-    Jacques Derrida, Of Grammatology,p.49
29-    أمبرتو إيكو، القاريء في الحكاية، ترجمة انطون أبوزيد،ص 32
30-    Uberto Eco, The Role Of The Reader, Indinana University Press, 1984,p.35,36
31-    Jacques Derrida, Of Grammatology,p.49
32-    Umberto Eco, The limits of interpretation,p.28
33-    Ibid.p.38
34-    Ibid.p.180

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.