لا أعرف مفكرا غربيا معاصرا افتتن به المثقفون العرب الراديكاليون مثل دريدا. وقد وصل هذا الإفتتان لدى البعض حد "الدروشة". وأرى أن الحماس الذي وجده التفكيك لدى المثقفين الراديكاليين في العالم العربي، مرده إلى فهم هؤلاء المثقفين مصطلحات التفكيك فهما سياسيا وثقافيا فاستثمروها في النظر إلى العلاقة مع الآخر الغربي.

فقد ظنوا مثلا أن "تفكيك مركزية اللوغوس الغربية" المقصود به تفكيك المركزية الأوربية الثقافية والعرقية. وأن "تفكيك الميتافيزيقيا" المقصود به تفكيك اللاهوت. وأن "الإختلاف" المقصود به الدعوة إلى التعددية الثقافية والسياسية في العلاقة مع الآخر المختلف. وكل ذلك غير صحيح كما سنرى.

والتفكيك اسم اجترحه الفيلسوف الفرنسي Jacques Derrida جاك دريدا (1930-2004)  لوصف "طريقته" في نقد اللغة والعقل وتفكيك النصوص. وكان قد أعلن عن هذه الطريقة لأول مرة في ورقة قدمها بمؤتمر عقد بجامعة جون هوبكنز بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1966 وذلك تحت عنوان: (البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية). وقد تمحورت الورقة حول نقد المنهج البنيوي الذي كان مسيطرا آنذاك ونقد مفاهيم البنية والعلامة والأصل والمركز وكل أسس المنطق العقلاني المألوف.

ووجد التفكيك استجابة حماسية لدى الدوائر الأكاديمية الراديكالية بأمريكا خلال عقدي السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي ولكنه لم يجد تجاوبا في أوساط الدوائر الأكاديمية المحافظة التي تشكل التيار العام للفكر الأمريكي. ويمكن القول إجمالا إن التفكيك إفراز لمرحلة تاريخية معينة في مسيرة الفكر الغربي كرد فعل لطغيان النزعة العقلانية الإنسانوية. وهو بذلك أحد تجليات ما بعد الحداثة والتي هي بإختصار نقد ورفض لقيم ومباديء الحداثة التي دشنها عصر التنوير الأوربي.

وأهم أعمال دريدا الأساسية التي تشكل في مجموعها استراتيجيات التفكيك هي على سبيل الحصر:Speech and Phenomenon (الظاهرة والصوت)1967 وقد ترجمه إلى العربية فتحي انقزو، وكتاب Of Grammatology (في القراماتولوجي)1967 وهو الكتاب الأم لدريدا وقد ترجمه عن الفرنسية إلى العربية ترجمة كاملة وجيدة منى طلبة وأنور مغيث تحت عنوان (في علم الكتابة) وهي ترجمة صحيحة.

وكتاب Writing and Difference (الكتابة والاختلاف)1967 ولم يترجم حتى الآن إلى العربية. وكان كاظم جهاد قد ترجم منه ثلاث مقالات فقط من أصل أحدى عشر مقالة، وذلك بكتابه الذي أعطاه اسم كتاب دريدا الأمر الذي أحدث لبسا فظن الكثيرون أنه كتاب دريدا مترجما وهذا غير صحيح.

هذا إضافة إلى كتاب Margins of Philosophy (هوامش الفلسفة) 1972 وقد ترجم عنه حسام نايل مقالة دريدا المركزية (الإختلاف المُرجيء) وليس المرجأ، ترجمة ممتازة. وحسام نايل من الشباب المتحمسين للتفكيك والذين جاؤا إليه متأخرا، وهو في تقديري، من أفضل من يفهم التفكيك على حقيقته، ولكنه أبدى تراجعا عن السير في هذا الإتجاه وذلك في المقدمة التي كتبها لترجمته كتاب جون إليس (ضد التفكيك) التي صدرت عن مركز الترجمة بالقاهرة  في 2012.

وكـذلك كتاب Dissemination (التشتيت)1971 وقد ترجم عنه كاظم جهاد فصـل (صيدلية أفلاطون). وكتابPositions (مواقع)1972 وهو عبارة عن ثلاثة حوارات أساسية وقد نقله إلى العربية عن الفرنسية فريد الزاهي.

أما بقية كتب دريدا فهي محاولات تطبيقية وتجريبيه في الكتابة التفكيكية ومعظمها أحاديث ومحاضرات نشرت في كتيبات.

التفكيك نقيض التحليل:

التفكيك الدريدي لا يعني التحليل بل هو نقيض التحليل. لقد أخذ البعض بالمعنى الظاهري لكلمة "تفكيك" ففهموا أن التفكيك هو التحليل والنقد المنطقي للظواهر. فهم يقولون مثلا: تفكيك الظاهرة ويعنون بذلك تحليل الظاهرة وردها إلى عواملها الأولية. وهذا المعنى هو على النقيض تماما لمراد دريدا من التفكيك. وقد نفى دريدا بنفسه بشدة هذا الفهم لمعنى التفكيك لأنه يعمل على ترسيخ أسس التفكير العقلاني والمنطقي التي يسعى التفكيك إلى نقضها وتقويضها.

كذلك لا يهدف دريدا من التفكيك إلى إعادة البناء كما فهم البعض، لأن إعادة البناء لا تعدو أن تكون ميتافيزيقية بالمفهوم الذي سيتضح لنا في الفقرات القادمة، وبالتالي تكون هدفا هي الأخرى للتفكيك. في (رسالة إلى صديق ياباني) يقول دريدا: "رغم ما يبدو من الظاهر إلا أن التفكيك ليس تحليلا ولا نقدا. ويجب أن يؤخذ هذا في الحسبان عند ترجمة المصطلح. هو ليس تحليلا لأن تفكيك البنية بصفة خاصة ليس المقصود به ردها إلى عنصر بسيط أو أصل غير قابل للحل. فهذه المفاهيم مثل التحليل هي نفسها يجب أن تخضع للتفكيك. كما أن التفكيك ليس نقدا، لا بالمعنى العام للنقد، ولا بالمعنى الكانطي.. "(1).

وطبقا لمعجم Litre الفرنسى يقول دريدا في الرسالة المشار إليها أن كلمة Deconstruction تعنى ضمن ما تعني: "بعثرة نظام بناء الكلمات في جملة، فك أجزء من كل مثل فك أجزاء ماكنة ونقلها، نثر الشعر وتجريده من النظم والوزن..".  

ولكن دريدا قبل أن يستعمل كلمة تفكيك Deconstruction كان قد اكتفى بورقته (البنية والعلامة واللعب) التي قدمها سنة 1966 باستخدام كلمة destruction أي تدمير وتقويض. وحتى بعد أن انتقل إلى استعمال كلمة تفكيك لم يهجر كلمة تقويض وتدمير وظل يستعملها جنبا إلى جنب مع كلمة تفكيك خاصة في كتابه الأم  (في القراماتولوجي).

ويقول دريدا في (رسالة إلى صديق ياباني) إنه استعار كلمة destruction تدمير وتقويض من الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر وهي في الألمانية destrucktion ويقصد بها هيدجر تقويض الميتافيزيقا والإرث الفلسفي الغربي. غير أن هيدجر نفسه قد استوحى الكلمة من الفيلسوف الألماني نيتشه الذي يقصد بها – حسب عبارته- تقويض وتحطيم القيم والمُثل، السائدة في عصره.

ولما كان ذلك فإن يجوز ترجمة اسم "طريقة" دريدا، بالتفكيك أو التفكيكية كما أنه يجوز ترجمتها بالتقويضية بل وبالتدميرية.

الميتافيزيقيا هي الفكر والمفاهيم والمدلولات:

يستهدف التفكيك، طبقا لدريدا، تقويض "الميتافيزيقيا الغربية" و"ميتافيزيقيا الحضور" و"مركزية اللوغوس". وسوف لن ندرك ما تعنيه هذه المصطلحات إلا بتجديد معرفتنا بمصطلح الميتافيزيقيا.فهنالك إعتقاد راسخ وشائع بين المثقفين العرب بأن الميتافيزيقيا تعني الغيبيات أو الماروئيات دون زيادة أو نقصان. وهذا خطأ شنيع يقع فيه حتى بعض المشتغلين بالفلسفة. إن الميتافيزيقيا تعني بوجه عام كل فكر نظري أو فلسفة نظرية مادية كانت أم مثالية وتعني بوجه أخص البحث في قضايا الوجود. أما الغيبيات والماورئيات فلا تمثل سوى جانب واحد من جوانب الفكر النظري.

إن البادئة meta "ميتا" في كلمة ميتافيزيقيا، لا علاقة لها بالغيب أو الماوراء. فهي تعني الذي يلي أو يأتي "بعد" وذلك في إشارة إلى ترتيب أعمال أرسطو التي تأتي بعد كتابه (الطبيعة). وتعود التسمية إلى أحد الناشرين في القرن الأول قبل الميلاد والذي قام بنشر مؤلفات أرسطو مرتبة فوضع أولا كتاب (الطبيعة) ثم أطلق على الكتابات التي تليه (ميتافيزيقا) أي بعد (الطبيعة) (2) وهي الكتابات التي تبحث في مباديء ومقولات الوجود أو بعبارة أرسطو "دراسة الوجود بما هو موجود"(3).

فأرسطو نفسه لم يطلق على هذه المؤلفات اسم ميتافيزيقيا ولكن اسماها "الفلسفة الأولى" وسميت كذلك لأنها "تبحث في الشروط العامة للمعرفة غير أن اسم ميتافيزيقيا هو الذي قدر له أن يشيع"(4).  

وقد حدد معجم اكسفورد معنى كلمة ميتافيزيقيا في (1) قسم من الفلسفة يختص بالمباديء الأولية للأشياء ويشمل المفاهيم المجردة مثل الوجود والمعرفة (2) الكلام المجرد والحديث النظري".

وهذا هو الأفق الدلالي الذي يتحرك فيه دريدا عندما يتحدث عن الميتافيزيقيا. فهو يقصد بها الفكر والمفاهيم والمدلولات واللغة وكل الأسس والمرجعيات التي تجعل التفكير العقلاني والمنطقي ممكنا. تقول بربارا جونسون أحد أنصار التفكيك، وذلك في مقدمتها لترجمتها الإنجليزية لكتاب دريدا (التشتيت): "لا يقصد دريدا بالميتافيزيقيا الغربية التراث الغربي الميتافيزيقي وحسب بل يقصد بها اللغة وكل فكر يومي"(5).

ولكن ما مشكلة الفكر واللغة؟ لماذا يستهدفها دريدا بالتفكيك والتقويض؟

يشخص دريدا علة الميتافيزيقيا الغربية، أي الفكر واللغة في الغرب، في تحديدها للوجود بوصفه حضورا. يقول: "إن تاريخ الميتافيزيقيا مثل تاريخ الغرب.. هو تعيين الوجود بوصفه حضورا"(6). ويسمي هذا الحضور metaphysics of presence ميتافيزيقيا الحضور.

تقول جياتري سبيفاك في مقدمتها للترجمة الإنجليزية لكتاب دريدا (في القراماتولوجي): "إن دريدا يستخدم كلمة ميتافيزيقيا على نحو بسيط جدا بوصفها اختزالا لأي علم خاص بالحضور"(7).

ولكن ما الحضور؟

الحضور وفقا لتعريف دريدا له هو :"حضور الشيء للنظر بوصفه صورة ذهنية أو فكرة والحضور بوصفه كينونة وبوصفه حضورا زمنيا للآن وحضور الأنا أفكر أمام الذات وحضور الوعي والذاتية والحضور المشترك للذات والآخر والعلاقة بين الذوات إلخ.. "(8).

وهكذا فإن الحضور الميتافيزيقي المستهدف من قبل دريدا بالتفكيك والتقويض هو حضور الوعي والذات والآخر وحضور الوجود والأشياء والمفاهيم والمدلولات في الوعي أو هو فعل الإدراك العقلي والذهني للأشياء والعالم. وبديل الحضور هو الغياب والعدم. لذلك تصف سوزان هاندلمان دريدا بأنه "رسول دين الغياب الأعظم"(9).

ولكن لما كان الحضور بهذه المعاني التي يحددها دريدا ليس قصرا على الفكر الغربي وحده، فإن صفة "الغربية" في عبارة "الميتافيزيقيا الغربية" التي يستخدمها دريدا دائما ليس لها ما يبررها.

تفكيك مركزية العقل:

ولما كان اتخاذ العقل أو الوعي أساسا ومركزا لإداراك الوجود هو المسئول عن الحضور فإن :"تفكيك هذا الحضور يتم عبر تفكيك الوعي"(10). على حد عبارة دريدا.

ويطلق دريدا على إدارك الوعي أو العقل للوجود "مركزية اللوغوس" logocentrism أي مركزية العقل. فاللوغوس logos كلمة إغريقية تعني العقل والمنطق والكلام. أما في المسيحية أو الفلسفة المدرسية اللاهوتية فتعني الله (العقل الكلي) وكلمة الله (المسيح).  

يقول دريدا:" فكل تحديدات وتعينات الحقيقة ترتبط مباشرة بصورة أو أخرى باللوغوس أو بفكر عقل متناسل من اللوغوس بأي معنى فهمنا هذا اللوغوس، سواء بالمعنى قبل السقراطي، أو بالمعنى الفلسفي، أو بمعنى العلم غير المتناهي لله، أو بالمعنى الأنثروبولوجي، أو بالمعنى ما قبل الهيجلي، أو ما بعد الهيجلي"(11).

فالعقل لوغوس سواء فهمنا هذا العقل بالمعنى المألوف أو بالمعنى الفلسفي أو بالمعنى اللاهوتي. ومأخذ دريدا على الميتافيزيقيا أنها تتخذ من هذا العقل أساسا لإدراك الوجود وتعيين الحقيقة. يقول:" تاريخ الميتافيزيقيا ليس فقط من افلاطون إلى هيجل ولكن منذ ما قبل سقراط إلى هيدجر، كان دائما يربط بصفة عامة الحقيقة باللوغوس"(12).

لذلك فهو يسعى إلى فك ارتباط الحقيقة باللوغوس أو العقل. يقول:" إن العقلانية، وهي الكلمة التي ينبغي أن تُهجر لأسباب تتضح بنهاية هذه الجملة، التي تتحكم في كتابة بهذا المفهوم الجذري الموسع، لم تعد تصدر عن اللوغوس بل هي تدشين لعملية التقويض.. والتفكيك لكل الدلالات ولكل تعيين لأدلة الحقيقة التي يعود مصدرها إلى اللوغوس"(13).

ولما كان العقل يدرك الأشياء ثنائيا عن طريق الثنائية الضدية على النحو الذي لخصته الحكمة المأثورة: بضدها تتميز الأشياء، فإن الخطوة الأولي لدريدا في تفكيك وتقويض مركزية العقل أو اللوغوس هي تقويض الثنائية الضدية التي يدرك بها العقل الأشياء: الحقيقة/ الخطأ، الخير/الشر، البارد/الحار، النور/ الظلام، العقل/ الجنون، الرجل/المرأة، الروح/ الجسد، الحياة/الموت إلخ...

ودافع دريدا إلى تقويض هذه الثنائية الضدية هو أنها ليست برئية بل تقوم على تراتبية قامعة وعلى أحكام القيمة والمنطق وعلى إعطاء الأفضلية لطرف دون آخر من طرفي الثنائية. لذلك يقول:" علينا أن نقوم بصورة من صور القلب.. فنحن أمام التضاد الفلسفي الكلاسيكي لا نتعامل مع تعايش سلمي متبادل ولكنا نتعامل مع تراتبية قامعة حيث يتحكم طرف من طرفي التضاد في الطرف الآخر، منطقيا وقيميا،  لتكون له اليد العليا.. ولكي نفكك هذا التضاد علينا أولا أن نقلب هذه التراتبية"(14).  

وتتفضل بربارا جونسون أحد أنصار التفكيك البارزين بشرح كلام دريدا بالقول:" إن الفكر الغربي مبني من وجهة نظر دريدا على الثنائية القطبية: الخير ضد الشر، الوجود ضد العدم، الحضور ضد الغياب، الخيقة ضد الخطأ، الهوية ضد الاختلاف، العقل ضد المادة، الرجل ضد المرأة، الروح ضد الجسد، الحياة ضد الموت، الطبيعة ضد الثقافة، الكلام ضد الكتابة، وهكذا. وهذه الأقطاب المتضادة لا تقف ككيانات متساوية ومستقلة وحسب ولكن ينظر دائما إلى الكلمة الثانية في كل زوج من هذه النقائض على أنها سلبية وفاسدة وأنها غير مرغوب فيها وذلك بوصفها انحدارا وسقوطا من الكلمة الأولى. ولذلك يعتبر الغياب مثلا افتقادا للحضور والشر سقوطا من الخير والخطأ تشويها للحقيقة إلخ.." (15).

لذلك يهدف التفكيك إلى قلب ومحو هذا المنطق الثنائي في التفكير. فمثلا في الثنائية الضدية: الحقيقة/ الخطأ، تعطي المركزية العقلية، الأولوية والأفضلية للطرف الأول (الحقيقة) على حساب الطرف الثاني (الخطأ). فيعمد التفكيك إلى قلب هذه الثنائية وذلك بمحو أفضلية الطرف الأول على الثاني بالتدليل على أن الطرف الأول هو صورة للطرف الثاني لتكون النتيجة أن الحقيقة ما هي إلا صورة من صور الخطأ. وذلك على زعم من القول أنه لا يوجد أي قيمة أو معنى مكتمل في أي لحظة من اللحظات لأن كل قيمة أو معنى مؤجل ومسكون بنقيضه بصورة غير قابلة للحسم.

واستنادا إلى ذلك يقوم جونثان كوللر، أحد أقطاب التفكيك، في كتابه (في التفكيك)، بقلب بعض الثنائيات الضدية ليتوصل مثلا إلى أن "الحقائق أوهام نسينا أنها كذلك"(16). وأن "الفهم نوع من سوء الفهم"(17). وأن "القراءة إساءة قراءة" وأن "سلامة العقل نوع من العصاب أو الذهان"(18). إلخ..

ربما يقول قائل حسن الظن إن تفكيك الثنائية الضدية ما هو إلا نوع من التفكير النسبي أو الديالتيكي. ولكن دريدا يرفض بشدة أن يوصف التفكيك بأنه نوع من التفكير النسبي أو الجدلي. يقول إن القيم  والمدلولات: "لا يمكن أن تظل بعد الآن داخل التضاد الثنائي الفلسفي، بل ستقاومه وتبعثره من غير أن تؤلف أبدا مصطلحا ثالثا ومن غير أن تترك أبدا مكانا لأي حل في شكل ديالتيك صوري، فالفارمكون لا هو دواء ولا سم ، لا خير ولا شر.. لا هذا ولا ذاك بل هو هذا وذاك في ذات الوقت"(19).   

والفارمكون Pharmakonكلمة اغريقية تعني الترياق وهو دواء وسم في ذات الوقت، ويتخذه دريدا رمزا دالا على تفكيك الثنائية الضدية بحيث يكون معنى أي من طرفي الثنائية، لا هو هذا الطرف ولا هو ذاك، بل هو الطرفين معا في آن وذلك  بطريقة لا يمكن حسمها لصالح أي طرف، ومن غير أن يؤلف الطرفان المتعارضان معنى او فكرة ثالثة كما هو الحال في الديالتيك.

تفكيك بنية العلامة اللغوية:

غير أن تفكيك التعارضات الثنائية لا يكتمل إلا بتفكيك علاقة اللغة بالفكر أو الوعي. ولما كانت اللغة هي أداة الوعي والفكر ووسيلته في تحديد الوجود بوصفه حضورا عبر تمثيل التصورات والمفاهيم والمعاني والمدلولات والأسماء، فإنه يتعين وفقا لدريدا تفكيك اللغة عبر تفكيك وحدة العلامة اللغوية (الكلمة).

من المعلوم أن الكلمة تتكون من وجهين حسب دي سوسير، هما الدال وهو اللفظ والمدلول وهو المعنى أو المفهوم. ويمثل الدال الوجه المحسوس للعلامة بينما يمثل المدلول الوجه المعقول. وهذا الوجه المعقول للعلامة (الكلمة) هو الذي يشكل الحضور الميتافيزيقي من وجهة نظر دريدا. يقول:" وحيث أن الوجه المعقول للعلامة..يمثل واجهة للمعقولية الخالصة فإنه يحيل إلى لوغوس مطلق ومرتبط به مباشرة"(20).

ولذا يتعين طبقا لدريدا تحرير الدال (اللفظ) من ارتباطه بمركزية اللوغوس أو العقل وذلك بتحريره من الوجه المعقول للعلامة (المدلول) أو المعنى وهذا كما يقول دريدا:" يعني بكل صراحة تدمير مفهوم العلامة اللغوية وكل المنطق المرتبط به"(21).

ولكن كيف يتسنى لدريدا التخلص من الوجه الميتافيزيقي للعلامة (المدلول) الذي يمثل المعنى؟ هنا يستعين دريدا ببعض نظريات عالم اللغة فرديناند دي سوسير ويستثمر تحديدا فكرة "اعتباطية" العلامة اللغوية وفكرة الإختلاف. إذ يعتقد سوسير أن الرابطة بين وجهي الكلمة ليست رابطة منطقية أو طبيعية ولكنها إعتباطية أي عرفية أو وضعية. بكلمات أخرى يعتقد سوسير أنه لا يوجد منطق يجعل اللفظ شجرة مثلا يدل على معنى الشجرة وكان يمكن أن يرمز لهذا الشيء المسمى شجرة بلفظ آخر بدليل اختلاف هذا اللفظ من لغة إلى أخرى. ويخلص سوسير من ذلك إلى أن المعنى ليس كامنا جوهريا في اللفظ وإنما هو نتاج إختلاف الكلمة عن غيرها من الكلمات. فالكلمة لا تعني شيئا سوى أنها ليست غيرها من الكلمات.

غير أن دريدا يضيف إلى مصطلح الإختلاف difference معنى آخر وهو الإرجأ وذلك بتحوير كلمة الإختلاف لتكتب differance لتجمع في الفرنسية بين معنى الإختلاف والإرجاء معا في آن. وليصبح بذلك أن معنى الكلمة لا يكمن في إختلافها عن بقية الكلمات وحسب بل يظل مختلفا ومؤجلا أيضا. وما دام أننا لا نستطيع لحظة واحدة أن نستخدم الكلمة ونورد معها كل الكلمات الأخرى المختلفة عنها حتى يكتمل المعنى، فإن المعنى يكون مرجأ دوما وأنه في حالة إنزلاق وغياب باستمرار ولا يوجد سوى أثره وأثر الكلمات الأخرى التي تختلف عنه.

يقول دريدا في مقالة differance (الاختلاف المرجيء): "بالاختلاف المرجيء.. نستطيع إعادة النظر في الثنائيات الضدية التي بمقتضاها تنبني الفلسفة والتي تعتاش عليها لغتنا، ليس بغرض رؤية التعارض الثنائي وهو يمحو نفسه بنفسه، بل بغرض رؤية الضرورة التي تجعل كل طرف من طرفي التعارض يظهر بوصفه اختلافا مرجئا لآخره، بوصفه الآخر المختلف والمؤجِل في اقتصاد الشيء نفسه: العقلي من حيث هو الاختلاف عن الحسي وتأجيل له، وبوصفه الحسي مختلفا ومؤجَلا. والثقافة من حيث هي الطبيعة مختلفة ومؤجَلة ومن حيث هي اختلاف عن الطبيعة وتأجيل لها"(22).

إن نقطة انطلاق دريدا في تفكيك الثنائية الضدية التي تقوم عليها طريقة التفكير العقلي أو مركزية اللوغوس تفترض وجود تعارض مطلق بين هذه الثنائيات ومهمة التفكيك هي ازاحة هذا التعارض بالتدليل أن هوية كل طرف من طرفي الثنائية يستوطن الطرف الآخر. فالطرفان لا يكملان بعضهما البعض وينحلان في وحدة أو هوية واحدة كما هو الحال في الديالتيك فيما يعرف بـ"وحدة الأضداد".

إن ازاحة الثانئية الضدية في التفكيك، تهدف إلى ترسيخ وتصعيد التعارض بصورة لا يمكن حلها أو بعبارة دريدا لا يمكن حسمها. وذلك من خلال تفعيل فكرة الاختلاف المرجيء. فدريدا لا يهدف من إزاحة التعارض الثنائي ببساطة إلى تكامل طرفي التعارض في هوية واحدة.  فهو مثلا لا يريد إزالة التعارض بين الطبيعة والثقافة ليكملا بعضهما البعض ولكن يريد الإبقاء على الاختلاف الذي يؤجل اكتمال وامتلاء كل طرف ليكون له هويته المستقلة بحيث أنك إذا تحدثت عن الطبيعة فأنت تناقض نفسك لأن الطبيعة مسكونة بالثقافة وإذا تحدثت عن الثقافة فأنت تناقض نفسك كذلك لأن الثقافة مسكونة بالطبيعة فلا شيء اسمه ثقافة ولا شيء اسمه طبيعة.

والنتيجة التي نتوصل إليها من ذلك هو أن طريقتنا في التفكير العقلي معيبة لأنها تفترض "حضور" الشيء أو معنى الشيء في اكتماله ولا شيء أو معنى مكتمل بذاته اكتمالا يميزه عن غيره الذي يختلف عنه.

يقول: "وبالنتيجة يفترض لعب الاختلافات وجود توليفات واحالات تمنع أي عنصر بسيط أن يكون في أي لحظة أو بأي معنى حاضرا  في نفسه ولنفسه أو أن يحيل فقط إلى نفسه. لا يوجد عنصر، سواء في نظام الخطاب المنطوق أو الخطاب المكتوب، يؤدي وظيفته بوصفه علامة من غير أن يحيل إلى عنصر آخر هو نفسه ليس حاضرا.. فلا شيء بين العناصر أو داخل النظام حاضر أو غائب بكل بساطة. توجد فقط اختلافات وآثار آثار"(23).

ويقصد بالعناصر هنا كلمات اللغة. لاحظ عبارت "لعب الاختلافات" فهو قد أضاف كلمة "لعب" إلى الاختلاف بين عناصر اللغة الذي تحدث عنه دي سوسير. والنتيجة أننا الآن لسنا أمام نظام أو نسق لغوي مغلق يتحدد فيه معنى العنصر أو الكلمة بعلاقتها ببقية العناصر في السياق المعين ولكنا أمام لعب حر يسمح للألفاظ أن تلعب إلى ما لا نهاية.

وبالإضافة إلى كلمة اللعب أضاف دريدا إلى مصطلحات سوسير مصطلح trace الأثر. فالمعنى في هذه اللعبة ليس حاضرا بل حتى الأثر نفسه ليس حاضرا. يوجد فقط أثر الأثر.

هذا هذا الإنزلاق المستمر للمعنى يسميه دريدا free play "اللعب الحر" أي لعب الدوال الحر. فالدوال (الألفاظ) في حالة لعب دوما ما دام لا يمكن تثبيت الدال في مدلول بعينه لأن كل مدلول يتحول بدوره إلى دال هو الآخر وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. فلا يوجد مدلول "متعالي" يضمن ويبثت المعنى.

يقول دريدا: "لقد صار من الضروري أن نبدأ التفكير أن ليس هنالك مركز وأن المركز لا يمكنا التفكير فيه في شكل حضور.. في ظل غياب مركز يصير كل شيء خطابا.. لا يكون فيه المدلول المركزي أو الأصلي أو المتعالي حاضرا أبدا على نحو مطلق خارج نظام الاختلافات.. إن غياب المدلول المتعالي يفتح المجال للعب الدلالة إلى ما لا نهاية"(24).

والمدلول المتعالي هو كل مبدأ أو أساس أو أصل أو مركز يعمل كمرجع أو أرضية لإنتاج وتثبيت حضور المعاني والدلالات والمفاهيم. وقد أعطى دريدا أمثلة لهذه المرجعيات في قوله: "إن تاريخ الميتافيزيقا مثله مثل تاريخ الغرب.. يحدد الوجود كحضور حيث يمكن التدليل على أن كل الأسماء تعود إلى أسس أو مباديء أو مركز يسير دائما على نحو ثابت إلى حضور. وقد يكون هذا المركز هو: مثالا أو أصل بدئي أو غاية أو طاقة أو وجود أو تجليا ذاتيا أو مادة أو جوهرا أو تعاليا أو وعيا أو إنسانا أو الله إلخ.." (25).

وكل هذه المراكز والأسس والمباديء وغيرها تعمل كمراجع لإطلاق الدلالات والمعاني والأسماء على نحو حاضر وثابت يعيننا على استعمال اللغة للتواصل وتبادل المعرفة لكنها جميعها مستهدفة من قبل التفكيك لأنها تحول دون اللعب الحر.

يقول:" اللحظة التي نفكر فيها بأن هنالك معنى، فهنالك لا شيء سوى العلامات، فنحن نفكر فقط في العلامات..  نحن نعني باللعب، غياب المدلول المتعالي الذي يحد من اللعب، اللعب الذي يقوض الأنطو-ثيولوجي وميتافيزيقا الحضور"(26).

والنتيجة أن اللغة بهذا التصور التفكيكي لا تعكس الواقع. وإن ما نعرفه من معاني ومفاهيم وقيم ليست سوى خدع لغوية. فاللغة لا تقول ما نفكر فيه ولا تعني ما نقوله.

لكن ألا يتعارض ذلك مع الواقع؟ ففي الواقع نحن نقول ما نفكر فيه ونعني ما نقوله ونفهم ما يقوله الآخرون. ودريدا نفسه يتحدث ويتفاهم مع الناس ويؤلف الكتب ويحاضر في الندوات ويناقش ويجادل، فكيف يكون ذلك إذا فصلنا الدال عن المدلول وتركنا الدال حرا طليقا؟

هذا ما يتنبه إليه الناقد والأكاديمي المتميز كمال أبو ديب فيعلق قائلا:" إن أي نظرية تقوم على نفي المعنى عن العلامة اللغوية نفسها، تنفي نفسها وتقوض مرتكزها التصوري بطريقة مضحكة. فإما أن تكون اللغة التي تستخدمها النظرية لتقرير نفسها تعني أو لا تعني، فإذا كانت لا تعني فإن النظرية لا تقول لنا شيئا وبالتالي فلا وجود لها، وإن كانت تعني فإنها تنقل لنا مقولا نتلقاه وبذلك تنقض نفسها تماما لأن مقولتها هي أن اللغة لا تعني ولا تقول أو تقول شيئا وتعني آخر"(27).

التفكيك ونقد النصوص:

من النتائج المترتبة على تفكيك مركزية اللوغوس أو العقل وتقويض بنية العلامة اللغوية، أو بالأحرى تقويض الجهاز المفاهيمي، إستحالة أن تقول اللغة ما نعنيه أو أنها تقول غير ما نعنيه. لذلك فإن النقد التفكيكي في نقده للنصوص، لا يبحث عن معنى النص ولا في الثراء التعبيري والدلالي وتعدد المعاني في النص، ولا يبحث في صحة أو خطأ ما يثيره النص من مواضيع وقضايا.

كما لا يبحث النقد التفكيكي في الكشف عن الوحدة والإنسجام والتماسك والترابط المنطقي والفهم المشترك في النص، فكل ذلك من قبيل الميتافيزيقيا التي يتعين تفكيكها. ولكنه يهدف أصلا بدلا عن كل ذلك، إلى تقويض الأسس المنطقية والعقلانية التي يتأسس عليها النص ولغته.

ويشرح جونثان كولر طريقة النقد التفكيكي بالقول: "أن تفكك خطابا هو أن تدلل كيف أن هذا الخطاب يقوض الفلسفة التي يدعيها أو أن تقوض التراتب الهرمي للتعارضات الثنائية التي ينبني عليها هذا الخطاب وذلك بأن تحدد في النص العمليات البلاغية التي تنتج الأساس المفترض للحجة أو المفهوم المفتاحي أو المقولة المنطقية للخطاب"(28). .

أما علي حرب، أبرز التفكيكيين العرب، فيحدد منظوره لتفكيك النصوص في كتابه (نقد النص) بالقول: "فانا تفكيكي في تعاملي مع خطاب العقل ومنطلقاته بمعنى أنني اخضع العقل للفحص بما هو ذات متعالية تصف بالقدرة على الربط والتأليف. وذلك أن الربط بين الشيء والشيء يعني إغفال أحدهما للآخر أو طغيانه عليه. وهذا شأن القائل أن الإنسان عاقل، أنه يطمس بهيمية الفرد وحمقه"(29).

ويضيف في ذات السياق:" بهذا المعنى أنا أقوم بمسآءلة الخطاب المحكوم بمنطق الهوية كالواحد والثبات والحقيقة والوجود والعقل وسواها من المقولات التي ينبغي تفكيكها لفتح الخطاب على ما يتناساه أي على الجسد والهوى والمفرد والخيال والعلامة"(30).

ويصف التفكيكون قراءتهم للنص بأنها قراءة مزدوجة، أي أنها قراءة تقليدية ذات تمركز عقلي ثم قراءة تفكيكية حيث يبدأ الناقد التفكيكي في قراءة النص قراءة تقليدية إلى أن يظهر له وجود تناقض منطقي أو ما يسمى "ابوريا" aporia أي مأزق منطقي غير قابل للحسم عن طريق التفكير المنطقي التقليدي يؤدي إلى تقويض الحجة التي يستند إليها النص. ويزعمون أن ذلك لا يعود إلى قصور لدى الكاتب بل يعود إلى طبيعة اللغة ذاتها وإلى طبيعة التفكير العقلاني.

وعن ذلك يقول دريدا في نقده لنصوص روسو: "يجب على القراءة أن تستهدف دائما علاقة معينة غير مدركة من قبل الكاتب في النص، بين ما يسيطر عليه الكاتب من النماذج التي يستخدمها وبين تلك التي لا يستطيع السيطرة عليها"(31).

فالتفكيك يفترض مسبقا التناقض الذاتي في كل نص بين ما يهدف الكاتب إلى قوله وما يقوله فعلا. فمعنى النص لا يتطابق مع ذاته بسبب إختلاف الدلالة وتأجيلها إلى ما لا نهاية.

وبرغم هذه الدعوى العريضة إلا أننا إذا بحثنا عن تطبيق عملي لها في كتابات دريدا سوف لن نظفر بنماذج كافية ومقنعة. ولعل المثال الذي يصلح للنقاش هنا هو قراءة دريدا التفكيكية لنص من نصوص روسو. وهو النص الذي يزعم دريدا أنه ينطوي على تناقض بين تفضيل روسو للكلام على الكتابة من الناحية النظرية وبين تفضيله الكتابة على الكلام في واقع الخبرة العملية.

وكان روسو قد ذكر في (رسالة في أصل اللغات) إن الكتابة مجرد وسيط للفكر والكلام: "وضعت اللغات لكي نتكلمها أما الكتابة فلا تستخدم إلا بوصفها مكملا للكلام.. ويمثل الكلام الفكر عن طريق علامات اصطلاحية بينما تمثل الكتابة الكلام بالطريقة ذاتها. لذلك فإن فن الكتابة ليس سوى وسيط للفكر"(32).

غير أن روسو يذكر في (الإعترافات) أنه لخجله يفضل التعبير بالكتابة وليس الكلام أمام الآخرين:" إن الموقف الذي اتخذته من الكتابة لأخفاء نفسي يناسبني تماما. أما إذا كنت حاضرا فلا أحد يمكنه أن يتخيل ما سوف أكون عليه من الضآلة"(33) . فهو لخجله لا يستطيع التعبير عن الأفكار التي يود الحديث عنها بالكلام أو أنه قد ينجرف لقول أشياء لم يكن يود الحديث عنها. وهي تجربة لا تخص روسو وحده بل يشترك معه فيها الكثيرون بسبب الخجل وأسباب أخرى عديدة لا مجال لمناقشتها هنا.

ولكن دريدا يستثمر هذا الإعتراف لا للتدليل فقط على تناقض منطق روسو بل للتدليل على أسبقية الكتابة على الكلام. يقول: "في مكابدته بناء الحضور، يثمن روسو الكتابة ويبخسها في ذات الوقت. إنه يدين الكتابة بوصفها تقويضا للحضور ومرضا للكلام الحي. ثم ما يلبث أن يرد لها الإعتبار إلى الحد الذي ينزع فيه ما كان للكلام ويعيد تمليكه للكتابة. فكيف يكون ذلك إذا لم تكن الكتابة أقدم من الكلام وأنها كانت مقيمة أصلا في هذا المكان"(34).

أول ما يلفت النظر أن دريدا يتخذ من حالة روسو الخاصة مقدمة منطقية لنتيجة كاسحة وحاسمة وهي أسبقية وأولوية الكتابة المطلقة على الكلام. الأمر الثاني أن روسو لم يناقض نفسه عندما اتخذ الكتابة وسيلة للتعبير بسبب خجله لأنه حتى في هذه الحالة تظل الكتابة تمثيلا وترجمة للكلام والفكر كما قال.

وإذا فرضنا جدلا أن هنالك ثمة تناقض، فهو تناقض لا يؤدي إلى بروز مأزق منطقي غير قابل للحسم بل هو تناقض ظاهري قابل للحسم والحل في إطار التفكير العقلاني من خلال البحث في الأسباب التي تجعل بعض الناس  يفشلون في التعبير بالكلام في حضور ناس آخرين. وهي أسباب سيكولوجية وبيلوجية وفسيلوجية ليس من شأنها التاثير على المكانة الطبيعية لكل من الكلام والكتابة. فحتى في حالة فشل الكلام لا تعدو أن تكون الكتابة تمثيلا وترجمة للكلام والفكر ولا شيء غير ذلك.

ومن أبرز محددات القراءة التفكيكية للنص، سواء كان نصا أدبيا أو فلسفيا، استبعاد عناصر الحياة الواقعية بدء من المؤلف وسيرته مرورا بالإطار التاريخي والمرجعي، فلا شيء خارج النص، العبارة المشهورة لدريدا Nothing is outside the text""

ويشرح دريدا هذه العبارة في سياق نقده لنصوص روسو بالقول:" لا يوجد شيء خارج النص il n y a pas de hors-texte ولا يعود ذلك إلى أن حياة روسو ليست ذات قيمة أولية بالنسبة لنا .. إن ما نسميه الحياة الواقعية  لصور الوجود في اللحم والدم والتي يعتقد المرء أنها تكمن وراء ثراء نص روسو ليست في الحقيقة شيئا سوى الكتابة.. إن ما يفتح المعنى واللغة هو الكتابة بوصفها إخفاء للوجود الطبيعي"(35).

وفي شرحها لذلك تقول بربارا جونسون:" إن ما يخبرنا عنه نص روسو هو أن علاقتنا بالواقع تعمل هي نفسها نصا أصيلا. الحقيقة إن قصة حياة روسو ليست هي نفسها نصا وحسب، بل هي نص يتحدث عن نصية textuality العالم ولم تصبح حياة روسو نصا من خلال الكتابة فقط فهي أصلا كانت كذلك. فلا شيء يمكن أن يقال عنه أنه ليس نصا"(36).

وقد تحدث دريدا فيما بعد عن مفهومه للنصية والتناص في مقالته (العيش: على التخوم) المنشورة بالكتاب المانفستو لجماعة ييل الصادر سنة 1979 حيث يكتب "وهكذا فقد اجتاح النص كل الحدود المرسومة.. إنه اجتياح لكل الحدود ولكل شيء يمكن أن ينهض في وجه الكتابة مثل: (الكلام والحياة والعالم والواقع والتاريخ وغيرها وكل ما يمثل مرجعا كالجسد والعقل والوعي واللاوعي والسياسة والاقتصاد وغيرها)" (37).

وهكذا يذهب دريدا بعيدا في رؤيته العدمية ونفيه للواقع حتى أن الفيلسوف الفرنسي المعروف، ميشيل فوكو، رفيق دريدا في نقد العقل والحداثة، قد شن هجوما عنيفا على طريقة دريدا في قراءة النص حيث وصف التفكيك بأنه: "اختزال للممارسة الخطابية إلى آثار نصية، واستبعاد للوقائع المنتجة بغرض الإبقاء فقط على علامات للقراءة. إنه اختراع لأصوات وراء النصوص حتى لا يقوم بتحليل صور تضمينات الذات في الخطاب. إنه بيداجوجيا pedagogy تخبر الطالب أنه لا شيء خارج النص، بل في داخله وبين الفراغات والمساحات البيضاء وفي المسكوت عنه.. بيداجوجيا تعطي المعلم سلطة مطلقة تسمح له بقراءة النص إلى ما لا نهاية"(38).

كل قراءة خاطئة وكل تأويل مغلوط:

لما كانت غاية التفكيك هو التدليل على أنه لا يوجد حقيقة موضوعية أو معنى موضوعي، وإن معنى النص ما هو إلا إنزلاق لا نهائي للدوال دون الوصول أو الثبات عند معنى محدد، فإن القراءة والتفسير يتحولان إلى لعب حر للدوال، فكل دال يحيل إلى دال آخر دون الرسو في معنى أو مدلول ثابت ونهائي للنص.

وقد مضى التفكيكيان الأمريكيان، بول دي مان، وهيليس ميلر، في طريق دريدا التفكيكي إلى نهايته ليتوصلا إلى أن كل قراءة للنص هي قراءة خاطئة misreading وكل تفسير أو تأويل إساءة تفسير misinterpretation أو تفسير مغلوط.

وينطلق دي مان البلجيكي الأصل، في مشروعه التفكيكي من نظريته حول الطبيعة البلاغية والمجازية للنص الأدبي. غير أن هذه الخاصية البلاغية والمجازية عوضا أن تمثل في نظر دي مان عامل ثراء وتعدد في دلالة النص، فإنها تؤدي بدلا عن ذلك إلى تعذر قراءة النص (فهمه وتأويله) وإلى أن تتحول إلى أداة تجعل النص يفكك نفسه بنفسه.

وبالتالي تحولت نظرية، دي مان، من نظرية في بلاغة النص إلى نظرية في القراءة الخاطئة. يقول: "إن خاصية اللغة الأدبية تكمن في قابليتها إلى القراءة الخاطئة والتأويل المغلوط"(39).

ويشرح فينست ليتش نظرية دي مان بقوله: "نظرا للطبيعة البلاغية للغة، فإن التاويل لا يكون إلا إساءة قراءة. فكلما كان النص غنيا من الناحية البلاغية كلما أدى ذلك إلى تحفيز ولادة عدد لا نهائي من القراءات الخاطئة. لذلك فإن أي محاولة لقراءة نقدية من أجل احتواء القراءات الخاطئة التي لا يمكن تجنبها، تنتهي هي نفسها إلى تأكيد القراءة الخاطئة بالرغم من رغبتها الجامحة في السيطرة على اللعب العشوائي للبنى النحوية وتوهان الصور البلاغية الضالة للنص. وبالتالي فإن أي قراءة نقدية للنص هي وقوع في الخطأ"(40).

وقد جمع دي مان مقالاته التي تعبر عن مشروعه التفكيكي في كتابين هما: (العمى والبصيرة) و(أُرموزات القراءة) Allegories of Readingأو كما تُرجم إلى العربية (أُمثولات القراءة).

أما الناقد الأمريكي هيلس ميلر، فهو الآخر يؤكد في رؤيته النقدية على مقولات دريدا ودي مان. يقول في مقاله (تفكيك التفكيكيين) الذي وجهه لنقد التفكيكي جوزيف ريدل: "كل تأويل هو إساءة تأويل"(41). ويقول في ذات المقال: "هنالك فقط قراءة خاطئة قوية، وقراءة خاطئة ضعيفة، لا أكثر ولا أقل"(42).

ويشرح هيليس ميلر استراتيجيته في قراءة النص في مقاله (صخرة استيفن والنقد كعلاج) بالقول: "إن التفكيك بوصفه نهجا في التأويل يدخل متاهة labyrinth كل نص بكل حذر وتيقظ.. فالناقد التفكيكي يكد حتى يعثر في عملية قص الأثر هذه على العنصر المنطقي في النسق قيد الدراسة أو النص محل البحث، على الخيط الذي ينسل نسيج النص كله أو حتى يجد الحجر القلق الذي بسحبه يسقط كل البناء. إن التفكيك يقوض الأرض التي يقف عليها النص بإظهاره أن النص قد قوض بنفسه الأرض سلفا، علم النص بذلك أو لم يعلم"(43).

لذلك فهو يصف عملية القراءة بـ"الزج في الهاوية" mises en abyme وهو تعبير فرنسي يعني في الإنجليزية placed into abyss. ويصف الجهد الذي يبذله القاريء في قراءة النص تفكيكيا بـ"الرقص بالجنب" lateral dance. يقول في مقاله (السرد والتكرار)": على القاريء أن يمارس تأويل الرقص على الجنب لكي يفسر أي فقرة من النص وذلك ودون أن يتوصل أبدا في هذه الحركة الجانبية إلى الفقرة التي يمكن أن تمثل أو تتضمن الأصل أو المبدأ المهيمن لتفسير النص"(44) .

تراجعات دريدا عن التفكيك:

منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، بدأ دريدا في التراجع عن تفكيك الميتافيزيقيا ومركزية اللوغوس أو مركزية العقل وأخذ يبتعد رويدا رويدا عن الخط الراديكالي للتفكيك، وعن ترديد مفاهيم مثل "اللعب الحر" و"تحرير الدال من المدلول" و"تفكيك المدلول المتعالي".

كما بدأ يتحدث ويكتب عن أفكار ومفاهيم انسانوية متعالية ذات تمركز لوغوسي عقلي بامتياز مثل فكرة العدل (التفكيك وإمكانية العدل) 1992، ومفهوم الصداقة (سياسة الصداقة) 1995، ومفهوم الضيافة (في الضيافة) 2000 ومفهوم "الهدية" وغيرها.

كذلك بدأ يخوض في أمور غنوصية روحية بحتة مثل "السر" والموت (هدية الموت)1995، وأشباح الموتى (أشباح ماركس) 1993، و"عودة المسيح".

هذا إلى جانب شروعه في مناقشة قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية كانت "خارج النص". مثل النظام العالمي الجديد وأحداث 11 سبتمبر والحروب ومشاكل الأقليات والعنصرية وحكم الإعدام وغيرها.

فهو يقر لأول مرة إن المفاهيم مثل العدل والصداقة والضيافة والهدية هي مدلولات متعالية غير قابلة للإختزال وبالتالي غير قابلة للتفكيك. يقول عن فكرة العدل:"ما سوف يظل غير قابل للاختزال لأي فعل تفكيكي، ما سوف يظل غير قابل للتفكيك بوصفه إمكانية التفكيك نفسها هو فكرة العدل"(45).

ما يفكك هو القانون وليس العدالة:" القانون بوصفه قانونا يمكن أن يفكك ويجب أن يفكك.. وهذا شرط التاريخية والثورة والاخلاق والقيم والتقدم"(46). لاحظ إنه يتحدث هنا عن مفاهيم ومدلولات ومعاني مثل الثورة والتاريخ والقيم والأخلاق والتقدم، وكل ذلك كان يصفه قبل ذلك بميتافيزيقا الحضور وبمركزية اللوغوس التي يجب تفكيكها بوصفها تمظهرات للحقيقة وللوجود كحضور!

ويضيف "لكن العدالة ليست قانونا. العدالة هي التي تدفعنا قدما لتطوير القانون وتحسينه أي أن نفكك القانون. فبدون استدعائنا لفكرة العدل سوف لن يكون هنالك دافع لتفكيك القانون"(47).

إنه هنا يرفع فكرة العدل بوصفها مدلولا مثاليا متعاليا ويقيمها أصلا ومركزا لتنظيم حركة القوانين والشرائع ومقياسا لقربها أو بعدها من تحقيق العدالة. وهو الذي كان يصر على تفكيك كل مركز وكل أصل وكل مرجع يحيل إلى حقيقة في الواقع. إنه يقوم طاعا مختارا بتفكيك التفكيك، وتفكيك العدمية النتشوية التي كان قد بشرنا بها في ختام مقالته (البينة والعلامة واللعب) لندشن معه "عالم من علامات بلا خطأ وبلا حقيقة وبلا أصل"(48).

غير أن نقطة التحول الجوهرية في التفكيك هي ربط دريدا لفكرة تحقيق العدل المطلق بعودة المسيح!! نعم عودة المسيح بالمفهوم المطروح في الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والاسلام، وإن كان قد وصف هذه العودة بالإستحالة واتخذها رمزا فقط لمسئولية انتظار العدل المستحيل.

وكان دريدا قد ربط لأول مرة فكرة تحقيق العدل بمجيء المسيح في كتابه (أشباح ماركس) 1993 ثم عاد وتحدث عنها بالتفصيل في ندوة أقيمت بجامعة فيلانوفا بالولايات المتحدة الأمريكية في 2/10/1994 والتي نشرت فعالياتها في كتاب تحت عنوان (التفكيك في كبسولة: حديث مع جاك دريدا).

يقول دريدا في هذه الندوة: "عندما ألححت على الحديث في كتابي: أشباح ماركس، عن فكرة عودة المسيح The messianicity وميزت بينها وبين الإعتقاد في العودة الفعلية للمسيح Messiah كنت أريد التدليل على أن بنية فكرة عودة المسيح بنية كونية. فبمجرد أن تكون منفتحا على المستقبل، بمجرد أن تكون لك تجربة زمانية في انتظار المستقبل، الانتظار لمجيء شخص، هذا في حد ذاته انفتاح للتجربة. أحد ما سياتي الآن. والعدل والسلام الموعديين سيأتيان مع هذا الآخر"(49).

ثم يروي دريدا قصة من قصص عودة المسيح الفعلية التي يقول أنها ذات مغزى بالنسبة له:" سوف أحكي لكم هذه القصة التي قرأتها مؤخرا والتي أوردتها في كتابي (سياسة الصداقة) الذي سوف يصدر خلال أيام (صدر في 1995) والقصة يرويها مورس بلانشو. يقال أن المسيح Messiahظهر في أسمال بالية على أبواب روما من غير أن يتعرف عليه أحد. ولكن رجل واحد تعرف عليه فخطى نحوه وسأله: متى ستأتي؟"(50).

ويعلق دريدا قائلا: "أعتقد أن هذه قصة ذات مغزى عميق. إنه يأتي الآن. فالمسيح لا ينتظر. هذه هي الطريقة في انتظار المستقبل. الآن. إن المسئوليات الملقاة على عاتقنا من قبل بنية فكرة عودة المسيح، مسؤليات للهنا والآن"(51).لاحظ قوله: مسئوليات الانتظار الملقاة على عاتقنا للهنا والآن. يعنى حتى لا ننتظر في فراغ. لا شك إنها لهجة مختلفة جدا تحاول أن ترسم صورة متفائلة تقوم على ضرورة الإيمان  بغاية ما، وهي تحقق العدل في النهاية وهذه غير الصورة العدمية البائسة والبشعة لمستقبل التفكيك الذي سبق أن بشرنا به دريدا في نهاية (البنية والعلامة واللعب).

فاذا كانت فلسفة دريدا تقوم أصلا على تفكيك (الميتافيزيقيا) وتقويض مباديء التفكير العقلاني والمفاهيم والقيم والأفكار المركزية والسيرورات الغائية واليوتوبيات، فان دريدا انقلب على نفسه في كتاباته وحواراته ومحاضراته الأخيرة وصار هو الآخر، ميتافيزيقيا بامتياز! يناجي الأرواح ويحلم باليوتوبيات وبعودة المسيح!

وبرغم هذه التحولات والإرتدادت الجذرية، في مسيرة التفكيك، إلا أن الكثيرين لم ينتبهوا لها والذين انتبهوا لها لم يتوقفوا عندها ليتاملوا ويدرسوا معزى ودلالات هذه التحولات.

وعلى أية حال قد تحولت النظرية النقدية والأدبية في الغرب، منذ تسعينات القرن الماضي، إلى التأويل ونظريات القراءة والتلقي وإلى النقد الثقافي والنقد ما بعد الكولونيالي والتاريخانية الجديدة. وكل هذه النظريات التي ليست هي جديدة تماما، ترد الإعتبار إلى المعنى والمرجع والذات والسياقات التاريخية والإجتماعية.

أما التفكيكيون فبعضهم انتقل إلى هذه المناهج في صمت والبعض الآخر ظل متمسكا بالتفكيك إلى جانب هذه النظريات دون أدنى احساس بالتناقض وكأن هذه النظريات هي امتداد للتفكيك مع أنها جاءت رد فعل له.

الهوامش والمراجع
1- Jacques Derrida, A letter to A Japanese Friend

http://www.egs.edu/faculty/jacques-derrida/articles/letter-to-a-japanese-friend
2- برتراند رسل، حكمة الغرب، الجزء الأول، ترجمة فؤاد زكريا، عالم المعرفة، الكويت العدد 364 يونيو 2009، ص 143
3- محمد على أبو ريان، الفلسفة ومباحثها، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ص 18
4- برتراند رسل، حكمة الغرب، الجزء الأول، ترجمة فؤاد زكريا، ص 143
5- Jacques Derrida, Dissemination, Translator Preface, Translated by Barbara Jonson, Chicago University Press, 1981, p. viii
6- Jacques Derrida, Writing and Difference, translated by Alan Bass, Chicago University Press, 1978, p. 279
7- Jacques Derrida, of Grammatology, Translator Preface, Translated by Gayatri spivak, John Hopkins university press, 1997, p. xxi
8- Jacques Derrida, of Grammatology, p. 12
9- Susan Handleman, The Slayers of Moses, The Emergence of Rabbinic Interpretation in Modern Literary Theory, State University of New York Press, 1982, p. 172
10- Jacques Derrida, of Grammatology, p.70
11- Ibid. 12
12- Ibid.p.3
13- Ibid. p.10
14- Jacques Derrida, Positions, Translated by Alan Bass, Chicago University Press, 1982, p.41
15- Jacques Derrida, Dissemination, Translator Preface, Translated by Barbara Jonson, p.viii
16- Jonathan Culler, On Deconstruction, Cornell University Press, 1982, p. 181
17- Ibid. p.176
18- Ibid. p.176
19- Jacques Derrida, Positions, p.42,43
20- Jacques Derrida, of Grammatology, p.13
21- Ibid. p.7
22- دريدا، مقال: الإختلاف المرجيء، ترجمه حسام نايل ونشره بكتابه: استراتيجيات التفكيك، دار أزمنة ، الأردن، الطبعة الأولى، ص50
23- Jacques Derrida, Positions, p.26
24- Jacques Derrida, Writing and Difference, p.279,280
25- Ibid. p.280
26- Jacques Derrida, of Grammatology, p.50
27- كمال أبو ديب، جماليات التجاور أو تشابك الفضاءات الإبداعية، دار العلم للملايين 1997، ص 63،64
28- Jonathan Culler, On Deconstruction, p.86
29- على حرب، نقد النص، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة 2008. ص 9
30- المصدر السابق ص 8
31- Jacques Derrida, of Grammatology, p. 158
32- Ibid.p. 144
33- Ibid. p.142
34- Ibid. p.142
35- Ibid.p.142
36- Jacques Derrida, Dissemination, Translator Preface, p.xiv
37- Cited By Vincent Leitch, Deconstructive Criticism, Columbia University Press, New York,1983, p.83,84
38- Cited by Gayatri spivak, Jacques Derrida, of Grammatology, Translator Preface, p. Ixi, Ixii
39- Cited By Vincent Leitch, Deconstructive Criticism, p.185
40- Ibid. p.186
41- Ibid.p.190
42- Ibid.p.191
43- Ibid.p.195
44- Ibid.p.192
45- Jacques Derrida, Specters of Marx; The state of the Debt, the work of Mourning, and the New International, translated by Peggy Kamuf. New York: Routledge, 1994, p.74
46- Deconstruction in a Nutshell: A Conversation with Jacques Derrida, Edited by John D. Caputo, Fordham University Press, New York 1997, p.16
47- Ibid. p.16
48- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, Chicago University Press 1978,p.292
49- Deconstruction in a Nutshell: A Conversation with Jacques Derrida, Edited by John D. Caputo, p. 22
50- Ibid. p.211
51- Ibid. p. 211


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.