منذ انفتاحنا على الفكر الغربي كانت الترجمة ولا تزال هي الوسيلة لنقل المعرفة والعلم. ولما كان الكثير من المفاهيم والأفكار والأسماء والمصطلحات لايوجد ما يقابلها في العربية أصبحت الترجمة أداة لتوليد ألفاظ وتعابير جديدة لم تكون معروفة من قبل.

ولكن أحيانا تفشل الترجمة في نقل المعنى أو المفهوم كما هو في لغته الأصلية ليس بسبب قصور في اللغة المنقول إليها وإنما بسبب قصور المترجم في فهم مدلول اللفظ المنقول أو بسبب ميول المترجم الآيديولوجية ورغبته في إضفاء فهمه الخاص على دلالة اللفظ.

ومن الأمثلة على لعب النزوع الآيديولوجي دورا في ترجمة المصطلحات، الترجمة العربية لمصطلح الفلسفة البرجماتية pragmatism . فقد تمت ترجمة المصطلح بالفلسفة "النفعية" و"الذرائعية". وهذه ترجمة آيديلوجية سافرة، بل هي ليست ترجمة وإنما محاكمة قيمية وأخلاقية لهذه الفلسفة حتى صارت صفة برجماتي مسبة في اللغة العربية ومساوية لصفة إنتهازي ونفعي. غير أن النفعية والذرائعة والإنتهازية هي ترجمة لمصطح opportunismوليست لها علاقة بالفلسفة البرجماتية.

والأصل الإتيمولوجي الذي اشتقت منه البرجماتية هو كلمة pragma الإغريقية والتي تعني deed و action أي عمل. وبالتالي فإن المعنى الحرفي لبرغماتي pragmatic هو practicalأي عملي.

إذن الترجمة الصحيحة والمحايدة لمصطلح برجماتية هي الفلسفة "العملية" أو "العملانية". وعليه فإن الشخص البرجماتي هو الشخص العملي وليس الشخص الإنتهازي أو النفعي أو الذرائعي.

جاء في معجم اكسفورد للغة الإنجليزية في معنى كلمة pragmatic:

"Dealing with things in a way that is based on practical rather than theoreticalconsiderations"

وجاء في تعريف كلمة pragmatism :

"An approach that evaluates theories or beliefs in terms of success of their practical applications"

وللمزيد انظر الموسوعية البريطانية للفلسفة على الرابط:

http://www.britannica.com/topic/pragmatism-philosophy

وسادت الفلسفة البرجماتية الولايات المتحدة الأمريكية في الربع الأول من القرن العشرين. وأول من صك مصطلح برجماتية الفيلسوف الأمريكي شارلز ساندرز بيرس ( 1839-1914) صاحب نظرية علم العلامات "سيميوتك" ثم عمل على بلورة المصطلح زميله ومعاصره الفيلسوف وليم جيمس. أما الذي أعطى البرجماتية حيويتها وزخمها فهو الفيلسوف الأمريكي جون ديوي ( 1859-1952). وأشهر البرجماتيين الأحياء الجدد،هو الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي.

هذا، ويجب التمييز بين مصطلح pragmatism في الفلسفة ومصطلح pragmatics في اللغويات والسيميولوجيا والذي أيضا لم يحالف التوفيق المترجمين العرب في ترجمته. فقد ترجموه إلى "التداولية" وهي ترجمة غير موفقة. والبراجمتكس pragmatics  فرع من فروع علم اللغويات والسيميولوجيا يعنى بدراسة النواحي العملية في ممارسة اللغة كظاهرة اجتماعية. والترجمة الصحيحة ينبغي أن تكون أيضا "العملية" أو "العملانية" أي عملانية اللغة، نسبة إلى عمل.

والمعروف أن اللغويات والسيميولوجيا تتألف من ثلاثة افرع رئيسية متداخلة هي: syntactics ويقصد بها التراكيب النحوية والصرفية التي يتكون منها الكلام وsemanticsوهي معاني ودلالات الكلمات. ثم pragmatics أو العملانية ويقصد بها التطبيق العملي للغة في التواصل اليومي. وينسب هذا التقسيم للسيميولوجي شارلس مورس في ثلاثينات القرن الماضي. وقد ازهردت البراجمكتس "العملانية" في سبعينات القرن.

والأساس الذي ترتكز عليه "العملانية" في اللغة لكي تنهض كفرع في اللغويات هو حقيقة أنه لا يكفي في الجملة الكلامية أن تكون صحيحة من ناحية نحوية ومعجمية ودلالية لتؤدي وظيفتها في التواصل، فهنالك عوامل خارج بنية اللغة extra-linguistic تعمل على تحديد معنى الجملة، هذه العوامل هي السياقات الظرفية والعلاقة بين المتكلمين وكفاءتهم والمعرفية أو الخلفية المشتركة بينهم عن موضوع الحديث وما يصاحب الكلام من أفعال وإشارات تؤكد  القصد أو المعنى المراد.

(See, George Yule, Pragmatics, Oxford, 1996)

ووجه اعتراضنا على ترجمة pragmatics بالتداولية هو أنها لا تضفي أي دلالة خاصة مميزة على هذا الفرع من اللغويات لتؤهله أن يصير مصطلحا حيث لا تتضمن إشارة لمعنى المصطلح في الواقع. كما أنه إذا كانت التداولية من التداول فإن اللغة كلها بهذا المعنى تداولية وليس فرع واحد منها فقط متميز بخاصية التداول.  

 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.