الاعتقاد السائد أن الشاعر الانجليزي الامريكي تي اس اليوت (1888-1965 ) صاحب قصيدة "الارض الخراب " التي غيرت مجرى الشعر العربي ، لم يعرف  في العالم العربي إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وذلك بفضل كتابات الأديب الدكتور لويس عوض التي بدأ في نشرها بالصحف المصرية في النصف الثاني من الأربعينات وذلك بعد عودته من جامعة كمبريدج مع نشوب الحرب ( راجع كتابه في الادب الانجليزي الحديث).

لكن الحقيقة المثبتة هي أن الناقد والاديب السوداني معاوية محمد نور( 1909 – 1941 ) يعد أول من لفت الأنظار في العالم العربي إلى تى . اس اليوت وأول من حاول تطبيق نظرياته النقدية الحديثة على الشعر العربي وذلك منذ بداية الثلاثينات أي في ذات الوقت الذي بدأ فيه القارئ الإنجليزي يتعرف على شعر اليوت ومذهبه النقدى الجديد . وكان معاوية ينشر هذه الكتابات في الصحف والمجلات المصرية المرموقة في ذلك الوقت مثل : "السياسة الاسبوعية" و"المقتطف " و"الرسالة"  و"البلاغ الاسبوعي"  و" الجهاد " و"الهلال" و" جريدة مصر " .

ومع ذلك لعل  الكثيرين لا يعرفون معاوية نور شيئا . ولا يكاد يذكره الباحثون الا لماما . ربما بسبب وفاته باكرا. فقد انتقل عن هذه الفانية وهو لم يتجاوز الرابعة والثلاثين ربيعا. يقول عنـه الدكتـور الشاعـر محمد عبد الحي ان معاوية محمد نور ، هو أول ناقد عربي ذكر تي . اس اليوت والشعر الإنجليزي – آنذاك – شعر ت . أ . هيوم وعزرا باوند و د . هـ لورنس وأديث سيتويل . وأول من أنتقد من وجهة نظر هذا الشعر واسسه النقدية شعر كبار الرومانتيكين العرب أمثال على محمود طه وإبراهيم ناجي وهم في أوج سيطرتهم على الذوق الأدبـي للعصر " .  (1)

وكان معاويه قد أشار إلى اسم اليوت لأول مرة في مقالة نقدية له حول شعر عبـاس محمـود العقـاد ، نشـرت بجريـدة ( الجهـاد ) المصريـة بتاريـخ 3 مـايو 1933م بعنوان " القالب في شعر العقاد ". وهو يقصد بالقالب هنا الشكل الشعري أو الصياغة الشعرية التي عمادها الصنعة المحكمة والإحساس المرهف بكيمياء اللغة والتي يرى فيها خاصية يكاد ينفرد بها شعر العقاد دون سواه من معاصريه من الشعراء .

ووردت الإشارة إلى اسم اليوت في هذه المقالة في سياق الحديث عن ميزة التيار الشعري الجديد الذي برز في انجلترا بتأثير من اليوت : " انما القالب الجديد لا يترك شاردة ولا واردة في معنى أو لفظ إلا ويأتي بها في مكانها من الوضع وترتيبها من النسيج الفني حتى انك لتجد الجمل الاعتراضية في شعر عظام الشعراء أمثال : تى . اس . اليوت وبراوينج واندادهم لها قيمة الشعر مع أنها حتى في الكتابة الفكرية مجرد تحديد وتوضيح  " . (2)

ولا تقف أهمية هذه المقالة الرائدة على أنها أتت بذكر اليوت لأول مرة في اللغة العربية وإنما تتعدى ذلك إلى كونها – في تقديرنا - أول تجربة رائدة في تطبيق نظريات اليوت النقدية على الشعر العربي في الثلاثينات . فنجد معاوية في هذه المقالة يقيم شعر العقاد من خلال معالجته لنظرية ( المعادل الموضوعي) ونظرية تيار الشعور أو الوعى إلى جانب الافادة مـن مفهوم ( موسيقى الشعر ) عند اليوت .

فإذا كان بعض معاصري العقاد من النقاد يرى أن شعره يطغى فيه الفكر على العاطفة  والإحساس ، فإن معاوية من خـلال توظيفـه لنظـرية ( المعادل الموضوعي ) يحتج عليهم بأن ليس مهمة الشعر إثارة العاطفة وإنما ترجمة العاطفة والإحساس إلى فكر ومنطق : " .. فات هؤلاء ان أقصى ما يرتجيه الشاعر أن يترجم العاطفة والإحساس إلى لغة الفكر والمنطق " ذلك " أن العاطفة لا يمكن أن يعبر عنها بعاطفة وإنما سبيل التعبير عنها هو اللفظ ، واللفظ أداة الفكر لا أداة العاطفة . ويجب أن نزيد على هذا غرض الشعر الصحيح هو إثارة عاطفتك – لأن خبر موت أحد أقاربك يثير عاطفتك وليس هنالك من يقول أن هذا الخبر شعر وإنما غرضه الأسمى هو إرضاء وتهدئـة العاطفـة المفكرة " . (3)

ويذهب معاوية أكثر من ذلك في تأكيد دور الفكر في الشعر ويجعل له دورا حاسما في موسيقى الشعر إذ يرى أن موسيقى الشعر ليست موسيقة لفظية وإنما موسيقى فكرية أيضا . " .. أن موسيقى الشعر الجيد ليست هي موسيقى لفظية فحسب ، وإنما هي موسيقى فكرية أولا وأخيرا ، يلمحها الذهن ويرتاح إليها التفكير الشاعر الدقيق ، في تقسيم الفكرة وتسلسل الإحساس واصطحاب اللفظ الموفق والعبارة الدقيقة في المعنى ، المنسجمة في اللون والصورة مع لون الإحساس وصورة الفكرة " . (4)

ولا يخلو وصف معاوية لموسيقى الشعر بأنها ( موسيقى فكرية ) من أصداء وصف الناقد الإنجليزي الشهير أ . أ . ريتشاردز ، أحد أقطاب ما عرف بالنقد الأمريكي الجديد أو النقد العملي ( التطبيقي ) الذي راج في الثلاثينات وذلك حينما وصف قصيدة ( الأرض الخراب ) بأنها " موسيقى أفكار " .

ويصف معاوية الموسيقى التي تعتمد على رنين الألفاظ فقـط بأنهـا موسيقى رخيصة اذ يقول : " .. بعض هؤلاء النقاد يعتقد  أن الشعر كل الشعر بما يكون في سهولة الأداء وموسيقى اللفظ . ويعنى بسهولة الأداء وموسيقى اللفظ أن يكون معنى الشعر في سطحه وأن تكون الموسيقى من النوع الذي يقول ( أنا موسيقى ) لرخص عنصرها ولرنينها الذي تعرفه الأذن أول ما تعرف الرنين " . ويضرب مثالا على رخص هذه الموسيقى اللفظية بشعر آدجار آلان بو وشوتيريان ويقول عنهما أنهما " أعظم الشعراء الذين أجادوا الموسيقى اللفظية في شعرهم مع أنهم لا يذكـرون الآن إلا لنقد موسيقاهـم اللفظيـة وتوضيـح قيمة الموسيقى الشعريـة الحقـة " . (6)

هذا أبرز ما ورد عن اليوت وعن مذهبه الشعري الجديد في مقالة ( القالب في شعر العقاد ) وهو يكشف مدى إدراك معاوية نور الواعي والمبصر ومدى استيعابه العميق والمبكر لتيارات الحداثة الشعرية في وقت لم تكن فيه هذه التيارات معروفة على نحو كاف حتى في أوربا نفسها .

أما المقالة الثانية التي ذكر فيها معاوية اسم تي . أس اليوت فهي مقالة نشرت في جزئيـن بمجلـة ( الرسالـة ) المصريـة بتاريخ 15-22 أكتوبر سنة 1934م تحت عنوان ( أصدقائي الشعراء ، هذا لا يؤدى ا ) أنتقد فيها معاوية شعراء الحركة الرومانسية العرب – آنذاك – الذين كانوا يسيطرون على الذوق الأدبي ، انتقادا لاذعا ، وعاب عليهم تمسكهم بالأساليب والموضوعات الشعرية البالية وانغلاق افقهم الشعري على مظاهر الطبيعة التقليدية وحثهم فيها على الالتفات إلى مظاهر الحياة الحديثة وتياراتها الفكرية والإلمام بوعي العصر وتمثل ذلك كله في تجاربهم وعوالمهم الشعرية .

وقد جاء ذكر اليوت في هذه المقالة في سياق حديث معاوية للشعراء الرومانسيين العرب للإفادة من أساليب شعراء الحداثة في أوربا أمثال ت . س . اليوت و د. هـ لورنس و ت. أ هيولم : " أولئك الشعراء الذين نراهم جاهدين يفتشون عن الله ، ويبحثون في الجنس ونشوة العفاف الروحي ، ثم يعود كل منهم وحقيبة وعيهم ملأى بالأحاسيس المختلفة والأفكار المريرة أو العذبة ، ملأى بالثعابين التي تبرق كاللؤلؤ وبالسلام الذي تعقبه أشد فترات الحرب تمزيقا للأجسام والأرواح وبالذهول الذي يسمو إلى طبقات السماء ، وبالسخر الذي : يرى القمر في أمسية حب أشبه ببالون يلعب به صغار الأطفال . ويرى : المساء ينام كرجل عليل ينتظر مبضع الجراح .. وربما يرى : في أنامل الحبيب أقطارا متسعة ولو أنها بادية التناقض أو بأحاسيس متناقضة بعيدة ، حالكـة الظلمـة أو شديـدة الوهج " . (7)

يشير معاوية هنا بالقمر الذي يشبه بالون لعب الأطفال إلى قول الشاعر الإنجليزي ت . أ هيولم في قصيدته : " لدى المرسى " :

لدى المرسى الهادئ عند منتصف الليل

مشتبكا في حبال أعلى السارية

تدلى القمر

إن ما بدا نائيا جدا

ليس غير بالون طفل منسي بعد اللعب

أما قوله : " المساء الذي ينام كرجل عليل ينتظر مبضع الجراح "

يشير به  الي قول  تي . اس اليـوت الـوارد فـي قصيدتـه الشـهيرة The love song of J. Alfred Profrouk  ( أغنية العاشق جي . الفريد بروفروك ):

 

Let us go then, you and I,

When the evening is spread out against the sky

Like a patient etherized upon a table;

هيا بنا نتمشى سويا

حيث المساء ممد على السماء

كما يتمدد مريض مخدر على منضدة

وهذا" تشبيه يفرغ المساء مما أرتبط به من جماليات عاطفية تعلقت به في الشعر الرومانتيكي. ومادته مستمدة من جوانب غير مطروقة في تجارب ذلك الشعر"  (8)

ولعل معاوية ساق هذا التشبيه للتدليل على ضرورة تفاعل الشعراء العرب في ذلك الوقت مع اشكالات الحياة وقضاياها العملية . عوضا عن الانغلاق في العوالم الرومانسية الحالمة . وهو الأمر الذي دفعه إلى انتقاد رموز الحركة الرومانسية وتحديدا إبراهيم ناجى وعلى محمود طه بالرغم من صداقة الاثنين له وبالرغم من أن كلا منهما قد أهداه نسخة من ديوانـه ليلـة صـدوره وهما ديوان ( الملاح التائه ) لعلى محمود طه وديوان ( وراء الغمـام ) لإبراهيـم ناجـى :

يقول: " وهما لاشك ينتظران المديح والثناء من صديق يجلس معهما ويأنس إلى صحبتهما غير أن الموضوع في رأينا قد تعدى أخيرا هذين الأديبين إلى ما هو أخطر وأبعد شأنا ، تعداه إلى الحديث عن طبيعة الشعر والكتابة ، وأن الأقلام قد خطرت في هذا الطريق بكلام تعد معظمه خطرا على الحركة الأدبية في مصر ، وفهم الفنون الأدبية على الوجه الذي يفهم منها في الجيل الحاضر . ولهذا رغبنا في كتابة هذه الكلمة لا لنمدح أو نذم ، ولكن لندلى برأي في الشعر كما نقروءه ونفهمه ، وكما ننتظر من الكتاب والقراء أن يقرأوه ويفهموه " . (9)

وأول ما يأخذه معاوية على هذين الشاعرين هو أن ديوان ( وراء الغمام ) لإبراهيم ناجى ، يكاد ينحصر في الحـب ومطالبـه ، وأن موضوعـات علـى محمود طه في ديوانه ( الملاح التائه ) تكاد تنحصر في النظم عن مظاهر الطبيعة  .

وهو يرى أن ذلك ( الشيء ) الذي يسمى شعرا – هو خلاف  الكلام الحسن  عن الأشياء العادية : " أنه يتطلب شاعرا يأكل كبقية الناس ولا شك ويحب مثلهم ، ولكن نظره وأحاسيسه والتفاتات ذهنه وقفزات وعيه نحو هذه الأشياء العادية  غير عادى .. فالحب يصبح موضوعا جديرا بالشعر حينما يكشف لنا الشاعر  معنى ونغما وراء مظاهره المعروفة ومصاحباته العادية .. أما الشاعر الذي يبدى ويعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه وحسراته التي يثيرها شخص المحبوب أو ذكراه فحسب ، مهما اختلفت القافية وتعدد الإيقاع ، لا يعدو أن يكون إنسانا لم تتسع أنانيته إلى أكثر من حاجاته البسيطة المتعارفة " . (10)

أن كثرة استعمال ( الشعريات ) مثل الشعر والشعور والزهور والألحان والطيور والأقمار والآكام لا تجعل من أي إنسان شاعر كما يرى معاوية بل " أن مثل هذا الشعر ليوحي إلى القارئ الدقيق الحس كراهة الآكام  والزهور والبحار والأنغام وما إليها من هذه النغمة المبتذلة الكثيرة التكرار التـي لا تحـس معهـا واقعـة حـال صحيحة أو شعور مباشر " . (11)

ففي الطبيعة .. أشياء أخرى خلاف البحر والشواطئ " أدق وربما كانت ألصق بحياتنا وأجدر بالتفات الشاعر . فالحجر الصلد الذي يقف في طريقك ، والشارع الذي تصقله مصلحة التنظيم حيث جماعة المهندسين ، والفأر الهارب من سفينة خربة ، والذباب الذي يطن على جبة عفنة ، قطعة الحديد التي أكلها الصدأ والخشب الذي نأكل عليه والنمل وضجيج الترام وصوت الباخرة وخلافها من المظاهر .. هي أجزاء حية في الطبيعة . والالتفات إليها في وضع جديد أتى  به نظام حياتنا الراهنة وحضارتنا المعاصرة ، لأدل على فهم الطبيعة من آلاف القصائد عن البحر والشفق والنجوم ا  " . (12)

فهو يرى أن الثقافة ووعى العصر الذي نعيش فيه لابد منهما لأي فنان يكتب ليقرأه الجيل الذي يعيش بينه . و " الشاعر العصري سواء في مصر أو في الصين الذي لا تثيره تيارات الفكر المعاصر واكتشافاته ومتاعبه والذي ليس له وجدان يتغير ويتفاعل بما يسمع ويقرأ ويفكر ويشاهد من عيوب في نظام حياتنا الحاضرة أو نشوز في أنغام فكرنا المعاصر أو فراغ في إنسان بادئ الامتلاء أو أغنية في زوايا بيتنا المعنوي ليس له ، بل لنا الحق في ألا نعده في عداد الشعراء المخلصين " . (13)

" ويبدو لي من قراءة هؤلاء الشعراء والحديث معهم أن ليس في حياتهم الفكرية والشعرية أي شئ يشبه الصحارى العارية الجرداء ، أو الظلمات الحالكة ، أو البريق الخاطف أو الحيرة الشاعرة أو أي اشتغال جدي بناحية من نواحي حياتنا الراهنة .

" إن نظرة واحدة إلى حيث يتقاطع شارع عماد الدين بشارع فؤاد الأول مثلا في أي مساء لحرية بأن تبعث في الفنان أحاسيس وأفكارا تصلح لأن تكون قصيدة جيدة " . (14)

وباختصار فإن " الفنان الذي لم يحس بقبس أو لمحة أو ناحية من تيار وعى Stream of consciousness  كامل يمكنه من رؤية التشابه في أشياء ومظاهر بادية الاختلاف ، أو بالعناصر والقوى والفكر التي تذهب جميعا لاخراج فكرة أو مظهر عادى مما نراه في حياتنا اليومية ، .. ليس له ذلك الإحساس الناقد القدير على التكوين والتخيل الذي يجبـر القـارئ علـى الإنصـات له والاستماع لنغمته " .(15)

لقد حرصنا على إيراد الاستشهادات التي تمثل الأفكار المحورية في هذه المقالة الرائدة ذات القمة التاريخية الخاصة . فهي من ناحية تكشف للقارئ ليس الاتصال الباكر لمعاوية بتيارات الحداثة الأدبية التي لم تكن معروفة حتى في بلدانها وحسب وإنما تكشف عن عمق إدارة معاوية ووعيه النافذ بضرورة التغيير والتجديد .

ومن ناحية أخرى تكاد تمثل هذه المقالة بما حوته من أفكار وآراء جديدة وجريئة ( مانفيستو ) لحركة الحداثة الأدبية في العالم العربي صدر قبل أوانه بنحو عشرين سنة أو يزيد . بدليل أنه لم يتنبه الأدباء والشعراء العرب إلى ضرورة الانفتاح على تيارات الحداثة والإفادة منها إلا بعد نهاية النصف الثاني من  القرن العشرين .

التعريف بتيار الوعي في القصة :

 

ولعل مصطلح ( تيار الوعي ) Stream consciousness    الذي أشار إليه معاوية آنفا يرد في تلك المقالة لأول مرة في اللغة العربية . وتكنيك تيار الوعي من أبرز الخصائص الأسلوبية التي أدخلها تي . اس اليوت على الشعر . وخلصنا الى ان معاوية نور كان قد سبق أن تعرض لشرح مفهوم هذا المصطلح في مقدمة كتبها لقصة قصيرة نشرت له بجريدة ( مصر ) بتاريخ 11 نوفمبر 1931م بعنوان ( المكان – قصة تحليلية ) وجاء في هذه المقدمة :

" حينما فرغت من كتابة هذه القصة رأيت واجبا على أن أعين القارئ العربي على فهمها لأن هذا الضرب من التأليف القصصي حديث العهد حتى في أوربا نفسها وهو آخر طور من تطورات القصة التحليلية .. وقد انتشر هذا النوع في أوربا منذ عشر سنوات تقريبا حينما أخرج مارسيل بروست الفرنسي روائعه القصصية كما عرف في أتمه وأحسنه عند كاترين مانسفيلد وفرجينا ولف " . (16)

ويعرف معاوية في تلك المقدمة تكنيك تيار الوعي بقوله : " أن هذا الأسلوب الفني " ليست مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الاجتماعي ، وليس من مهمته أن يحكى حكاية ، وإنما يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجـاه الوعي " إنه " يعرض الجانب الغامض في تسلسل الاحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص ما . كما أنه يصور ما يثيره شئ تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعى الخواطر   ، وقفز الخيال ، وتموجات الصور الفكرية  . ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي ، فيخرج كل ذلك تحفة فنية حقا " . (17)

وبالرغم أن الباحث والشاعر الدكتور محمد عبد الحي يرى أن معاوية نور في نقده لشعراء الحركة الرومانسيين العرب ، (18) قد وقع على كتاب ناقد جامعة كمبيردج ف . ر. ليفيز : ( اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي ) New bearings in English poetry  الذي نشر سنة 1932م – أي قبل سنة من نشر مقالة معاوية ، إلا أن عبد الحي  يخلص إلى أن معاوية كان أصيلا في إطلاعه وتقييمه لتيارات الحداثة الشعرية ولم يكتفي فقط بترديد الآراء التي أوردها ليفيز في كتابه .

ويدلل عبد الحي ، على ذلك بأن معاوية أورد أفكارا ونماذج من قصائد هؤلاء الشعراء لم يشر إليها ليفيز في كتابه ومن ذلك تشبيه اليوت للمساء بمريض مخدر مستلقى على منضدة طبيب جراح  في قصيدة ( أغنية حب الفريد جي . بروفروك ) وكذلك تشبيه الشاعر ت . أ . هيولم للقمر ببالون يلعب به الأطفال  في قصيدته ( لدى المرسى) . حيث لم يتطرق إلى هذين التشبيهين في كتابه ولم يناقشهما .

ولد معاوية محمد نور بجزيرة توتي لدي مقرن النيلين بالخرطوم سنة 1909 وتلقى تعليمه الثانوي بكلية غرودون بالخرطوم ثم اختير ضمن حفنة من الطلبة المتفوقين لدراسة الطب (19) . ولكنه لم يمكث في مدرسة الطب اكثر من عامين بسبب نزوعه الجارف لدراسة الادب. بعد مشاروات بين اسرته والحكومة الاحتلال البريطاني استقر الرأي  على ان يواصل دراسته الجامعية ببيروت لدراسة الادب الانجليزي بالجامعة الاميريكية هناك . وعقب تخرجه من الجامعة انتقل الى مصر ليعمل بالصحافة حيث عين مشرفا ادبيا ب" جريدة مصر " وكان من المقربين جدا للاديب الكبير عباس محمود العقاد .

الا ان جسمه النحيل لم قوى على حمل عبقريته النارية فاصيب باختلال عقلي عاد بسببه الى السودان وبقى تحت رعاية اسرته الى ان لقي ربه في سنة 1941 . وقد حزن صديقه الكاتب الكبير عباس العقاد حزنا شديدا على رحيله المبكر وسجل حزنه هذا في قصيدة بعث بها لتقرأ في مأتمه جاء فيها (20) :

بكائي عليه من فؤاد مفجع *ومن مقلة ما شوهدت قط باكيه

بكائي على ذاك الشباب الذي ذوى * وأغصانه تختال في الروض ناميه

تبينت فيه الخلد يوم رأيته * وما بان لي ان المنية آتيه

________

       نشرت بمجلة "الرافد" عدد يناير 2008 - دائرة الثقافة بالشارقة – الامارات العربية المتحدة 

الهوامش والمصادر

1-     معاوية نور ونقد الرومانتيكين العرب في الثلاثينات – د. محمد عبد الحي – مجلة الدوحة – السنة الرابعة العدد 40 – أبريل 1979م .

2-     القالب في شعر العقاد – معاوية محمد نور – جريدة الجهاد – العدد 590 – 3 مايو 1933م – نقلا عن – مؤلفات معاوية محمد نور – إعداد الرشيد عثمان خالد – دار الخرطوم للطباعة والنشر – ص 216 . 

3-     المصدر السابق

4-     المصدر السابق

5-     المصدر السابق

6-     المصدر السابق

7-     أصدقائي الشعراء : هذا لا يؤدى – معاوية محمد نور – مجلة الرسالة العدد 67/68 – 15 و 22 أكتوبر سنة 1934م – نقلا عن من آثار معاوية محمد نور – جمع د. الطاهر محمد على البشير – الدار السودانية الطبعة الأولي 1970م – ص 257 .

8-     معاوية نور ونقد الرومانتيكين العرب في الثلاثينات – سبق ذكره .

9-     أصدقائي الشعراء هذا لا يؤدى -  سبق ذكره

10-   المصدر السابق

11-   المصدر السابق

12-   المصدر السابق

13-   المصدر السابق

14-   المصدر السابق

15-   المصدر السابق

16-   المكان – قصة تحليلية – معاوية محمد نور – جريدة مصر – العدد 10324 – 11 نوفمبر 1931 – نقلا عن  - مؤلفات معاوية محمد نور – إعداد الرشيد عثمان خالد – سبق ذكره . 

17-   المصدر السابق . 

18-   الأدب الإنجليزي الحديث – سلامة موسى – سلامه موسى للنشر والتوزيع – الطبعة الأولي 1933م – الطبعة الثالثة 1978م ص 147 .

19-   معاوية محمد نور – الاعمال الادبية لمعاوية محمد نور – جمع وعداد رشيد عثمان خالد – سبق ذكره . ص10 -17

20-   من آثار معاوية محمد نور – الدكتور الطاهر محمد علي البشير – الدار السودانية 1970 ص 3 

abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]