فتاة اثيوبية جميلة انيقة لها محل نظيف في شكل دكان لبيع الشاي والقهوة بالسوق العربي بالخرطوم كنت أغشاها احيانا لشرب القهوة الحبشية الباتعة. سألتها أول مرة عن اسمها فأجابت: دهب.

فسالتها وماذا تقولون للدهب في اللغة الحبشية الأمهرية ؟ قالت: وِرْق!

فلم أصدق أذني من فرط الذهول. وكأني لم اسمع، فسالتها للمرة الثانية، ماذا؟ قالت: وِرْق!

فسادت فترة صمت من شدة الإندهاش ثم قلت في نفسي: لقد ظفرت بكلمة أخرى من الكلمات الحبشية التي وردت في القرآن الكريم ولم يذكرها المفسرون وفقهاء اللغة حينما رصدوا بعض المفردات ذات الأصل الحبشي في القرآن مثل: برهان وصحف جمع مصحف ومحراب وكفلين ومشكاة ومنسأة وحواريون ونافق وفطر بمعنى خلق غيرها من المفردات العربية الأخرى مثل منبر.

فقد وردت كلمة وَرْق أو وَرِق كما قرئت، في قصة الفتية الواردة بسورة الكهف، الذين ناموا ثم استيقظوا بعد تسع وثلاثمائة سنة. فارسلوا أحدهم بما معهم من نقود ليشتري لهم طعاما من المدينة ليكشفوا أن هذه النقود لم تعد متداولة إذ يرجع تاريخها إلى أكثر من ثلاثمائة سنة.

يقول تعالى:" وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍقَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْبِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا". الآية (19) - سورة الكهف.

أذكر في مرحلة مبكرة وقبل أن أتعرف على النطق الصحيح للكلمة كنت انطقها وَرَق بفتح الواو والراء بالمعنى المعروف. وكنت اتعجب وأتسآءل هل يعقل أن يكون هؤلاء القوم قد عرفوا في ذلك الزمان البعيد العملة الورقية؟ وفات على في تلك المرحلة إدارك انها عملة معدنية من الذهب أو الفضة وليست ورقية.

يقول الطبري في تفسيره وهو أول تفسير للقرآن الكريم: "واختلفت القراء في قراءة قوله: (فَابْعَثُواأَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض العراقيين (بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) بفتح الواووكسر الراء والقاف. وقرأ عامة قراء الكوفة والبصرة ( بَورْقِكُمْ ) بسكون الراء، وكسر القاف. وقرأهبعض المكيين بكسر الراء، وإدغام القاف في الكاف، وكلّ هذه القراءات متفقات المعاني، وإناختلفت الألفاظ منها، وهنّ لغات معروفات من كلام العرب، غير أن الأصل في ذلك فتح الواو وكسرالراء والقاف، لأنه الورق، وما عدا ذلك فإنه داخل عليه طلب التخفيف. وفيه أيضا لغة أخرى وهوالوَرْق، كما يقال للكَبِد كَبْد. فإذا كان ذلك هو الأصل، فالقراءة به إليَ أعجب، من غير أن تكونالأخريان مدفوعة صحتهما".

وجاء في القراءات السبع: "قرأ ابو عمرو وحمزة بإسكان الراء "بوَرْقكم" والباقون "بوَرِقكم" بكسر الراء".  

وفي تفسير الآية يقول الطبري: "فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما، فلما أتى باب مدينتهم، رأىشيئا ينكره، حتى دخل على رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس،  فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانتعلى عهد ملك فلان، فأنى لك بها، فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا..".

ولكن الطبري لم يذكر في تفسيره هل كانت الدراهم من الذهب أو الفضة ولم يشر إلى معنى الورق في العربية. غير أن المعاجم العربية الكلاسيكية تذهب إلى أن الورق الدراهم المضروبة من الفضة.

جاء في معجم لسان العرب: "والوَرِقُ والوِرْقُ والوَرْقُ والرِّقَةُ: الدراهم مثل كَبِدٍ وكِبْدٍ وكَبْدٍ، وكَلِمة وكِلْمةوكَلْمةٍ، وفي الصحاح: الوَرِقُ الدراهم المضروبة وكذلك الرقةُ، والهاء عوض من الواو. وفي الحديثفي الزكاة: في الرِّقِة ربع العشر، يريد الفضة والدراهمَ المضروبة منها".

وأضاف "الأَوْرَقُ من الناس: الأَسمر.. والأَوْرَقُ الذي لونه بين السواد والغُبْرَة؛ ومنه قيل للرماد أَوْرَقُوللحمامة وَرْقاء".

والمعروف عند العرب أن الدينار وهو الفئة الأكبر كان من الذهب أما الدرهم وهو الفئة الأصغر كان من الفضة.  وهذا مؤشر على أن الدينار هو أصل العملة والمعرروف أن الذهب هو أول معدن يتخذ في التداول كعملة. الأمر الذي يرجح أن كلمة وِرْق كانت تدل أولا على الذهب كما في اللغات الحبشية السامية ثم بحكم قانون تغير دلالات الكلمات في اللغة من عصر إلى عصر تبدل المعنى وصارت ورق  تعني في العربية الفضة.

وربما كانت كلمة وِرْق كلمة سامية قديمة مشتركة بين عدد من اللغات السامية Semitic Languages من بينها الامهرية الحبشية والعربية والآرامية وغيرها.

وجدير بالذكر أن اللغات الحبشية: الأمهرية والتقرية والتقراي تنتمي إلى فصيلة اللغات السامية. أما الأرومو والقراقي مثلا فمن فصيلة اللغات الكوشية التي تضم النوبية والبجاوية (التبداوية) والبربرية الأمازيغية والصومالية وغيرها.

ولا تزال في هذه اللغات الحبشية السامية كلمات سامية قديمة اندثر استعمالها في العربية مثل كلمة بعل بمعنى زوج والتي لا تزال حية في لغة الكلام اليومي في الأمهرية في أثيوبيا.

ومن اللغات السامية الحية: العربية والعبرية والآرامية (في بعض قرى العراق وسوريا) والأمهرية والتقرية والتقراي. أما المندثرة فهي الحميرية والأشورية والبابلية والكلدانية.

ومما يؤسف له ان الجامعات السودانية لا توجد بها شعب للغات السامية كما هو الحال في الجامعات المصرية والعراقية والسورية واللبنانية. كما لا توجد لدينا أيضا شعب لدراسة اللغات الكوشية أو اللغات الأفريقية الأخرى.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.