يرجع الفضل في الإلتفات إلى دراسة اللهجات العربية المعاصرة إلى جهود المستشرقين. صحيح إن الدافع إلى دراسة هذه اللهجات أملته الضرورة العملية التي فرضت على المستعمرين الأوربيين حتمية تعلم اللهجات التي يتخاطب بها عامة الناس في حياتهم اليومية لتسهل إدارتهم. غير أن ذلك لا ينفي الدوافع العلمية والمعرفية التي حدتبالمستشرقين إلى دراسة اللهجات ودراسة علاقتها باللغة الأم وباللغات السامية الأخرى. وإذا كان البعض قد نظر في البداية بعين المستريب إلى الباعث على دراسة اللهجات بمظنة أن المقصود هو إبعاد الناس عن اللغة الفصحى، فلا أظن  أنه يوجد اليوم من يشك في نوايا الباحثين في هذا المجال. فقد تبين أن اللهجات العربية ليست بدع مستحدثة وليست نبتا منبت عن الفصحى وإنما هي امتداد طبيعي للهجات العربية القديمة التي كان يتخاطب بها الأسلاف، وأنها مستودع اللغة الأم. لا سيما وقد تولى أمر الإهتمام بدراسة اللهجات عندنا في السودان اساتذة جهابذة في اللغة العربية على رأسهم الأستاذ عبد الله عبد الرحمن الضرير والدكتور عبد الله الطيب والدكتور عون الشريف قاسم والدكتور عمر شاع الدين والدكتور خالد محمد فرح والدكتور ابراهيم القرشي ونضيف إلى هؤلاء في العناية بأمر اللهجات الأستاذ جمال محمد أحمد والدكتور عبد الله علي ابراهيم. وقد بدأ اهتمام الإنجليز بدراسة اللهجات العربية في السودان مع بداية الإحتلال البريطاني ومن أوائل من اهتموا بذلك المستشرق سيغمار هليلسون الذي عمل استاذا للتاريخ بكلية غردون( جامعة الخرطوم الآن) وذلك في الفترة ما بين 1911 إلى 1925 ثم انتقل للعمل بمكتب السكرتير الإداري لحكومة الإحتلال البريطاني. ولم يقتصر اهتمام هليلسون على دراسة اللهجات فقط بل شمل اهتمامه كل مظاهر الثقافة الشعبية من احاجي وامثال وقصص تراثية واغاني وشعر شعبي وخلافه. وقد نشر في العشرينات عدة بحوث في هذا الشأن بمجلة ( السودان في رسائل ومدونات) Sudan Notes and Records ولا شك أن دعوة هليلسون إلى البحث في شأن اللهجات والثقافة الشعبية قد تركت أثرها على طلاب كلية غردون في ذلك الوقت ومن هؤلاء استاذ اللغة العربية بالمدارس الثانوية عبد الله عبد الرحمن الضرير الذي أصدر سنة 1922 كتاب (العربية في السودان) فكان أول بحث في اللهجات العربية والفلكلور في العالم العربي قاطبة وذلك بشهادة مجلة (الهلال) المصرية والتي جاء في تقريظها للكتاب والمنشور في الكتاب:" البحث جديد في العربية وحق للمؤلف أن يفخر بأنه فتح بابا لأدباء الشرق في سوريا ومصر نرجو أن يلجوه ويعرفوا قيمته". ويرجع الفضل في طباعة الكتاب إلى هليلسون الذي أقنع وزارة المعارف آنذاك بأهمية الكتاب وضرورة طباعته. ونعرف ذلك من كلمة الشكر التي ذيل بها المؤلف الكتاب وقد تضمنت بعض الأبيات الشعرية جاء فيها: هللسون خدن العلم يا طيب الذكر * إليكم مدى الأيام أهتف بالشكر أعرت كتابي نظرة فطبعته * ولولا مساعيكم لضاق به صدري وكان هليلسون قد كتب تقدمة للكتاب كان من المفروض أن تكون في أول الكتاب لكن يبدو أن الناشر قد أختار أن يجعلها في آخر الكتاب. وفيها يقول هليلسون: "أهنيء المؤلف على اختياره للبحث موضوعا كثيرا ما أسفت على اهمال أداء هذه الأمة أمره.. ليس من الصواب أن ننظر إلى اللغات العامية بعين الإزدراء كأنها موقع الغلط ومظهر الجهل يشمئز منها الذوق السليم بل يجب أن نعترف بأنها بنات شرعيات لأم شريفة. فلا  شك إذن في أنها تستحق أن تكون موضوع بحث الأدباء وتنقيب النجباء". أما كتاب هليلسون موضوع هذه المراجعات والذي عرف بـ"كراسة هليلسون" فقد صدر عن جامعة كمبيردج سنة 1935. والكتاب عبارة عن تجميع لنصوص مختارة من اللهجات العربية السودانية والثقافة الشعبية تضمنت شذرات من أحاديث حية من واقع الحياة اليومية وأمثال وأحاجي وحكايات تراثية ونماذج من الأهازيج والأغاني وبعض النصوص من كتاب الطبقات لود ضيف الله وغيرها. وقد أثبت المؤلف النص العربي ثم قابله بترجمة إلى الإنجليزية جاءت بلغة سهلة سلسلة تتناسب مع طبيعة كل نص من هذه المختارات. وقد قام الأستاذ عثمان جعفر النصيري بإعداد طبعة جديدة من الكراسة نشرها مركز عبد الكريم ميرغني سنة 2011 تحت عنوان (كراسة هليلسون: نصوص بعامية السودان العربية). ولفت نظري وجود بعض الأخطاء الطباعية. غير أن الكتاب كان قد تضمن أصلا بعض الأخطاء التي ترجع إلى خطأ في فهم المؤلف لبعض النصوص إلى جانب بعض المعلومات المغلوطة. وفيما يلي نستعرض بعض هذه الأخطاء التي وردت عند المؤلف. الأمثال السودانية: المثل السوداني يقول:" الكلام ليك يا المنطط" أو المطير عينيك، كما أثبته هليلسون.والمعنى: أنت المعني بالكلام يا من تبحلق فيما حولك. ولكن هليلسون لم يحسن فهم المثل فترجمه ترجمة خاطئة: It is up to you to speak, you who rolling your eyes. عبارة It is up to you to speak, بمعنى: جاء دورك لتتكلم، ترجمة غير صحيحة لعبارة :" الكلام ليك". والترجمة الصحيحة يمكن أن تكون على النحو التالي: It is you whom you were meant. . أو شيء من هذا القبيل. وهنالك أمثال حور المؤلف وبدل في صيغتها. ومن ذلك المثل الذي يقول:" السكات رضا" فقد ورد عند المؤلف:" السكوت قرار". والغريب أن الترجمة Silence is admission جاءت متطابقة مع أصل المثل. وكذلك ورد عند المؤلف:" الفلاحة جابت الشطارة". والصيغة الأصلية للمثل هي:" الفلاحة غلبت الشطارة أو الشداعة". ولكن الغريب أيضا أن الترجمة الإنجليزية Cleverness overcomes courage تطابقت مع أصل المثل. ومن الأمثال التي جرى تغيير في صيغتها، المثل:" موت الجماعة عرس". فقد أورده المؤلف في هذه الصيغة:" كتلة من جملة الجماعة عيد". وكذلك المثل الذي يقول:" يبكي وما عارف الميت منو". ورد عند المؤلف:" يعزي ومو خابر الميت". والصحيح يبكي" وليس " يعزي" لأنه من المألوف أن يعزي المرء فيمن لا يعرف ولكن من غير المألوف أن يبكي المرء على من لا يعرف وهذه المفارقة هي مراد المثل. أيضا هنالك أمثال وردت بالزيادة أو النقصان. فالمثل القائل:" المرسال كن ريح كراعك ما بريح بالك" ورد عند المؤلف بصيغة ناقصة وهي:" الريح كراعك ما ريح قلبك" بدون كلمة "المرسال". أما من الأمثال التي وردت بالزيادة فالمثل: "ركاب سرجين وقيع ومساك دربين ضهيب" فقد ورد بالزيادة على النحو التالي:" رفيق اثنين كضاب وراكب سرجين وقاع وماسك دربين ضهاب". عبارة "رفيق اثنين" ليست من أصل المثل. وقد أدي اقحام هذه العبارة إلى الإخلال بالمثل وذلك لأنه من الطبيعي جدا أن يرافق أو يصادق الإنسان أكثر من رفيق أو صديق في وقت واحد. الأحاجي السودانية: تحت عنوان (الألغاز) جمع المؤلف عددا من الأحاجي القصيرة مفردها حجوة أو حجيوية. وفي سياق حديثه بالمقدمة القصيرة عن هذه الأحاجي وقف المؤلف عند عبارة "حجيتك ما بجيتك" أو حجيتكم ما بجيتكم التي تفتتح بها الأحاجي القصار (الألغاز) عادة، حيث يقول:" يعود عبد الله عبد الرحمن مؤلف كتاب العربية في السودان، بمفردة، بجيتك، إلى الفعل بج أي غلب. غير أن ذلك تأويل قد يبعد من الوجاهة. فغالب الظن أن بجيتك، لا تعدو أن تكون مناغمة لا معنى لها مثل، برجلتك،المصرية". ص 27 الحقيقة إن ما ذهب إليه عبد الله الرحمن من أن بج تعني غلب ، غير صحيح، كما أن ما ذهب إليه هليلسون من أن الكلمة  لا معنى لها غير صحيح أيضا. والصحيح أن "ما بجيتك" تعني: لا أريد بك شرا أو مكروها. بدليل أن السامعين يرددون على قائل العبارةقولهم:" خيرا جانا وجاك". جاء في معجم لسان العرب في معنى بج:" وبجه بالعصا وغيرها بجا: ضربه بها عن عراض حيثما أصابت. وبجه بمكروه وشر وبلاء: رماه به". وذكر المعجم المذكور إن أصل البج، الطعن والشج، وكلها من قبيل الشر والمكروه. طبقات ود ضيف الله: ومن كتاب طبقات ود ضيف الله اختار المؤلف نص سيرة الشخ حمد النحلان ود الترابي. وهو من أطول النصوص بكتاب الطبقات إن لم يكن أطولها طرا. وجاءت الترجمة الإنجليزية لسيرة الشيخ حمد اجمالا سليمة  ولا بد أن المؤلف قد استعان في فهم النص ببعض الأساتذة السودانيين الذين ذكرهم في مقدمة الكتاب. حيث أني لم أرصد سوى خطأ وحيد وقع فيه المؤلف وهو ترجمته لكلمة "مقاديم" جمع مقدم Officers وفي موضع آخر ترجمها King officers . والمقدم في لغة الصوفية وعرفهم هو أحد كبار الحيران الفقرا الذين ينتدبهم شيخ الطريقة للقيام بخدمة الفقراء والضيوف نيابة عنه وتنفيذ أوامر الشيخ والإشراف على سير شئون المسيد. لهجات كردفان: أورد المؤلف أحاديث وأهازيج بلهجات بعض قبائل كردفان العربية. ولكنه كتب في مستهلها قائلا :" تتكلم قبائل كردفان الرحل مثل البديرية والجوامعة لهجة متميزة وفريدة أبرز ملامحها ابدال الهمزة والهاء بالعين والخاء". ص173 وهذا تخليط كله فهو يقصد ابدال العين والحاء بالهمزة والهاء. والبديرية والجوامعة ليسوا من الرحل. والجوامعة بدارهم الأصلية بشمال شرق كردفان لا يبدلون العين والحاء كما سوف نوضح ذلك بعد قليل. والغريب ان النصوص التي أوردها تخلو من هذه الإبدالات. وأغلب الظن أن المؤلف اعتمد في ذلك على ما جاء بكتاب العربية في السودان لعبد الله عبد الرحمن والذي ورد فيه ما يلي: "أهالي كردفان يبدلون الحاء هاء فيقولون في حسن هسن وفي المديح المديه. وهي لغة بني سعد بن زيد مناة بن تميم ولغة لخم من العرب.. ويبدلون العين همزة والهمزة عينا فيقولون في علي ألي وفي أمر عمر، وهي لغة عربية". ص29. قوله "أهالي كردفان" هكذا جملة واحدة، فيه تعميم مخل غاية الإخلال. وكان الدكتور المصري عبد المجيد عابدين قد نقل في كتابه (تاريخ الثقافة العربية في السودان) عن هليلسون وعبد الله عبد الرحمن، قوله عن اللهجات العربية في السودان:" .. ميل قبائل الجوامعة والبديرية في كردفان إلى احلال الهمزة والهاء محل العين والحاء". ص18 وتصحيحا للمعلومات التي وردت عند المؤلفين الثلاثة نرد بالآتي: أولا: من بين قبائل كردفان العربية العديدة توجد قبيلتان فقط هما البديرية والغديات يبدلون العين والحاء بالهمزة والهاء. إلى جانب قليل من (الجلابة الهوارة) وقليل من الجوامعة الذين يساكنون البديرية غرب الأبيض فتأثروا بهم– انظر "رابعا" ادناه. (لاحظ أننا نتحدث هنا عن القبائل ذات الأصول العربية). ثانيا: ليس من بين قبائل كردفان الرحل، بقارة كانوا أو أبالة من يبدلون العين والحاء سوى بعض البقارة بجنوب كردفان الذين اختلطوا بالنوبة وتأثروا بهم. وينتسب العرب الرحل في كردفان إلى جهينة وفزارة. ثالثا: الجوامعة والبديرية ليسوا من القبائل الرحل كما ورد عند هليلسون، بل هما أكبر القبائل المستقرة بشمال كردفان ويعتمدون على الزراعة المطرية وجني الصمغ العربي من الهشاب وتريبة القليل من الأبقار والأغنام. وينتسب الجوامعة والبديرية حسب وثائق الأنساب السودانية، إلى المجموعة الجعلية العباسية لكنهم اختلطوا بالعناصر الأفريقية أكثر من اختلاط أبناء عمومتهم في الشمال والوسط. رابعا: الجوامعة بديارهم الأصلية لا يبدلون العين والحاء أو أي من الحروف الحلقية بل ينطقونها كما هي. ونعني بالديار الأصلية للجوامعة المنطقة الواقعة شرقي الأبيض وغربي الدويم وكوستي. والتي تحدها جنوبا الرهد وام روابة وشمالا بارا. ومن مراكزهم: أم دم والزريبة والمنارة والتيارة وود عشانا والغبشة وام روابة والرهد وريفه الشمالي الشرقي. ويمكن القول إجمالا إن ثقافة الجوامعة في هذه المنطقة المحددة هي ثقافة وسط (مع تحفظنا على مصطلح الوسط كونه مفخخ بالتنميط والإختزال الثقافي). وذلك من حيث اللهجة من مفردات وصيغ تعبيرية ويشتركون مع الشايقية والبديرية في كسر أواخر الكلام (الإمالة) ومن حيث العادات والتقاليد والفنون الشعبية إذ نجد عندهم غناء الدلوكة من سيرة وتم تم ومن هذه المنطقة انتقل ايقاع التم تم إلى كوستي ومنها إلى ام درمان ( فليس صدفة أن تنتمي حواء الطقطاقة إلى هذه المنطقة) هذا إلى جانب غناء الطنبور وهو الكرير الذي شكل اساس اغاني الحقيبة وليس الآلة الموسيقية. وقد رفدت منطقة الجوامعة بشرق كردفان أغنية ام درمان بالعديد من الإيقاعات والألحان سواء في مرحلة الحقيبة أو في مرحلة الأغنية الحديثة. ولكن المقام ليس مقام تفصيل. والجدير بالذكر ان دار الجوامعة بشمال شرق كردفان والمحددة أعلاه هي المنطقة التي أقامت بها قبائل المجموعة الجعلية العباسية الكبرى وذلك قبل نزوحها إلى النيل إثر سقوط سوبا والممالك المسيحية الأخرى ( انظر مقالنا: كردفان وكردم الفوار جد الجعليين).     المصادر: 1- كراسة هليلسون – نصوص بعامية السودان العربية – اعداد عثمان جعفر النصيري- مركز عبد الكريم ميرغني 2011 ( الطبعة الأولى 1935). 2- العربية في السودان- عبد الله عبد الرحمن  الضرير – طبعة دار البلد 1998 ( الطبعة الأولى 1922). 3- تاريخ الثقافة العربية في السودان – عبد المجيد عابدين- دار الثقافة – الطبعة الثانية 1967 ( الطبعة الأولى 1953). عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. كككككككككك