abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

مدخل :

غير إني قائل ما أتاني من ظنوني مكذب للعيان

آخذ نفسي بتأليف شيء واحد في اللفظ شتى المعاني

قائم في الوهم حتى اذا ما رمته رمت معمي المكان

 

"أبو نواس" 

 

لو كتب نص ( قيامة الزئبق) لكمال الجزولي، كنص ابداعي استيهامي تخييلي كما تكتب سائر النصوص الابداعية او الابتداعية ، فانه مهما بلغت غرائبيته وعجائبيته وفانتازيته وسحريته ، ما بلغت ، لما كان قد اثار من الزلزلة والبلبلة التي اثارها ويثيرها في ذهن كل قاريء. ومن هنا تاتي فرادة  هذا النص الذي يؤكد لقارئه في كل سطر، بل في كل جملة، انه يروى وقائع حقيقية، حدثت لكاتبه، فتحيل المصادفات الغرائبية ، الحقيقة الى وهم ، والوهم الى حقيقة .

ولكن من قال ان هذه الوقائعية ليست استيهاما. فشعرية العنوان وسرديته، والنفس الروائي الطاغ والقدرة الحكاوتية الفذة الى جانب اللغة التصويرية الرشيقة ، الموحية بل والملغزة أحيانا. كل ذلك يؤهل هذا النص بان يقرأ كنص ابداعي بامتياز وليس مجرد كتابة بيلوغرافية أو أوتوبيلوغرافية. ولماذا لا يكون النص مشاج للاستياهمي والوقائعي ؟ لم لا ؟ وهل هنالك  نص ابداعي غير ذلك ؟!!

الحقيقة إن هذا النص مشروع رواية "خطيرة" جدا وبحالته هذه، يمكن ان يتحول الى فيلم يقلب الدنيا ويمد لسانه إلى أفلام وقصص دان بروان .

 

ينهض السرد في (قيامة الزئبق) على أربع شخصيات بخلاف السارد كلها صور مرآوية(تمثلات)  لشخص " مرجان مورغان مرغاي " الذي ياخذ اسمه من جماع ألقاب الشخصيات الأربع. الأول هو اسعد محمود مرجان، صديق ونديد وزميل الكاتب من الخلوة وحتى الثانوي. يناديه اصدقاؤه ، مورغان لثقافته الغربية الموسوعية الرفيعة. والثاني هو روبرت ديفيد مورغان ، القاص، من سيراليون زميل الكاتب في كلية القانون بجامعة كييف بالاتحاد السوفيتي اتخذ لنفسه غرفة مجاورة لغرفة الكاتب دونما اتفاق وصارا صديقين حميمين منذ الايام الاولى وحتى أكملا الجامعة وعاد كل الى بلده. والثالث والذي اسمه مطابق لاسم روبرت ديفيد مورغان ، شاعر من سيراليون ايضا،  قابله الكاتب بالقاهرة في مؤتمر للكتاب الاسيوين والافريقيين وذلك بعد 15 عاما من فراقه لصديقه وزميله بالجامعة وتصادف نزول ذلك الشاعر بالغرفة المجاورة لغرفة الكاتب بفندق ماريوت بالقاهرة.      

أما الشخصية الرابعة والأخيرة فهي "مارغاي" بطل قصة كتبها روبرت ديفيد مورغان الطالب بجامعة كييف ولم يضع لها نهاية الا بعد ان أكمل الجامعة وقبل يوم واحد من مغادرته الى بلده ثم سلمها في دفتر الى السارد مع مجموعة من القصص الاخرى. 

 

خميرة هذا النص وبؤرة اندياحه هي مقتل اسعد محمود مرجان ، المسأوي ، ابن الجيران ، الذي وجد مذبوحا من "الاضان للاضان " تحت شجرة النيم بحوش بيتهم ورأسه مفصول عن جسده وذلك  في نفس يوم عودة السارد من الخارج بعد تخرجه بالاتحاد السوفيتي. وهنا تظهر براعة الكاتب في توظيف الباراسايكلوجي في التنبؤ بذلك الموت الماساوي. سأل الكاتب صديقه روبرت ديفيد مورغان وهم في نزل الطلاب بالجامعة لماذا لا يسعى لنشر هذه القصص الجميلة التي يقوم بكتابتها بخط انيق في دفتر خاص ؟ فيجيب مورغان : " الخوف يا صديقي .. الخوف من الحرج الاجتماعي البدوي الأفريقي! فمعظم أبطال هذه القصص أحياء يرزقون في فريتاون، ومنهم أصدقاء وأقارب لي"!

كان مورغان لسبب غير معروف يدفع جميع ابطال قصصه الى نهايات غريبة. قصة واحدة بين هذه القصص ظلت لسبب ما ، بلا نهاية ، طوال سنوات الدراسة الجامعية حتى قبل  يوم واحد من مغادرته الى بلده حيث اكمل القصة و سلمها الى الكاتب هي وبقية القصص في الدفتر وقال له لا حاجة  لي بها الان. بعد ثلاثة ايام وبعد ان اخذ معقده في الطائرة عائدا الى بلده فتح الدفتر السارد ليرى كيف كانت نهاية مورغاي فيفاجأ انه ينتهي مذبوحا في بيته الذي ورثه عن والديه ورأسه مفصول عن جسده.

 

ولكن المفاجاة الاكبر ان الكاتب حينما ينزل من الطائرة ويستقبله اهله ينتحي به أبوه جانبا ليخبره ان صديقه وولد جيرانهم اسعد محمود مرجان وجد صباح اليوم مذبوحا في بيته من "الاضان للاضان" وراسه مفصول عن جسده.  !!

لم يفقد الكاتب بمقتل اسعد مرجان ، صديق طفولته وتؤام روحه وحسب،  بل فقد ايضا الاتصال بصديقه في الجامعة روبرت ديفيد مورغان حيث اكتشف بعد ثلاثة ايام من وصوله انه نسى الدفتر في مقعد الطائرة وكان مورغان قد كتب عليه عنوانه بفريتاون وطلب من السارد ان يكتب له عنوانه بالخرطوم في أول رسالة منه اليه. وكان فقد العنوان، مقدمة لفقد ذلك الصديق إلى الأبد.

ولكن بعد خمسة عشر سنة من حادث مقتل اسعد مرجان ، يحالف الحظ السارد فيلتقي بالقاهرة صديقه مورغان الذي فقد عنوانه، وذلك في مؤتمر لكتاب آسيا وافريقيا. بل تشاء الصدف ان ينزل الاثنيين في غرفتين متجاورتين تماما. وكان السارد حينما دخل غرفته وتناول برنامج المؤتمر لمح اسم سيراليون ثم ما لبث ان لمح اسم روبرت ديفيد مورغان فاخلع قلبه وانكب على التلفون للاتصال بالغرفة التي ينزل فيها صديقه في الجامعة ، دون جدوي فما كان منه الا واندفع خارجا وراح يدق على باب الغرفة بعنف لا يساوره ادني شك ان من بداخل الغرفه هو صديقه بالجامعة القاص مورغان وكان يصرخ باعلي صوته بينما ضرباته تزداد حدة :

 

ـ "مورغاااان .. إفتح الباب .. مورغاااان .. أرجوك أنا كماااال، مور .."!

عندها ، فقط، إنفتح الباب، وأطلَّ صديقه القديم بذاته وصفاته، محمرَّ العيون، مقطب الجبين، مورَّم الأنف، منتفخ الأوداج! لم تتغيَّر ملامحه إلا من بعض شيب على الفودين، وقليل من التجاعيد على الجبين، ونظارة طبيَّة يحاول تثبيتها على عينيه بأصابع مرتبكة!

ـ " .. ألست أنت روبرت ديفيد مورغان .. القاص من سيراليون"؟!

ـ "نعم أنا روبرت ديفيد مورغان، ومن سيراليون، لكنني لست قاصَّاً .. أنا شاعر"!

ـ "حسناً .. ألا تذكرني؟! لقد تصادقنا طوال دراستنا للقانون الدولي بجامعة كييف"!

ـ "كان ذلك سيشرفني حقاً، يا سيدي، لكن يؤسفني أن أقول لك إنك مخطئ تماماً، فأنا لم أزر هذه الكييف في حياتي، ولم أدرس لا القانون الدولي ولا القانون أصلاً. أنا إختصاصي في علم النفس، وقد درسته بجامعة لندن"!

 

بعد عودته من القاهرة، هرع السارد ، فور وصوله إلى ألبوم الصور التذكاريَّة بكييف. وكم كانت دهشته حين  لم يجد بين الصور، حتى " ولا مجرَّد شبيه بصديقه مورغان .. روبرت ديفيد مورغان .. القاص من سيراليون! "  وبذلك ينتهى النص.  لقد اختفت صوره مثلما اختفى عنوانه من قبل !!

ولكن ليكتشف السارد، ونكتشف معه ، بعد ان نفيق من السكرة،  ان " مرجان مورغان مورغاي "  هو في الحقيقة،  لا أحد ، غير صديقه وابن جيرانهم، اسعد محمود مرجان.

وكان التماهي قد بدأ منذ تعرفه في أول وصوله بصديقه في جامعة كييف:

ـ "هاي .. روبرت ديفيد مورغان من سيراليون .. أصدقائي ينادونني بمورغان"!

قفز إلى ذاكرتي، على الفور، سميُّه، بل شبيهه، حدَّ التطابق، في الطول والوسامة والسواد الناعم والابتسامة الآسرة، أسعد محمود مرجان، والذي كنا نناديه، تحبُّباً، بمورغان، فألفيتني أقول بحماس:

ـ "نعم .. نعم، لقد غنيت يا رجل في حفل وداعي بالحي ليلة البارحة، أو .. لعلها أوَّل البارحة، كما لم تغنِّ من قبل .. حتى مطلع الفجر"!

سألني والحيرة تغلف ابتسامته المرتبكة:

ـ "مَنْ .. أنا"؟!

أفقت من لحظة القطع السيرياليَّة تلك على إحساس خاطف بالحرج، فعدت أصافح اليد الممدودة، قائلاً:

ـ "أوووه .. معذرة! لا عليك .. كمال الجزولي من السودان"!

 

لقد نجح الكاتب ببراعة منقطعة النظير ، في تنويمنا تنويما مغناطيسيا ليوحي الينا بحقيقة كل ما جرى. حقيقة صديقه بالجامعة وحقيقة كتابة ذلك الصديق لقصة "مورغاي" وحقيقة لقائه له بالقاهرة وحقيقة شبهه حد التطابق مع أسعد مرجان. واستعان السارد في ذلك بتوظيف نظرية  "الاسقاط " في التحليل النفسي وزاوج بينها وبين فكرة تناسخ الاوراح او حلول الروح اكثر من جسد ومن الاعتقاد بقيامة الجسد قبل البعث وغيرها.

وكان الكاتب قد أهتدى إلى هذا الكنز السحري من نحو عامين تقريبا وكانت البداية عندما كتب برزنامة الاسبوع  20-26 فبراير 2007 و تحت عنوان " لك ان ترمي النرد " قائلا:

" فجر اليوم  فقط سطعت في ذاكرتي مصادفة ، واثناء بحثي في بعض مراجع علم النفس لاغراض مهنية  بحتة  ، حادثة في غاية  الغرابة وقعت لي عام 1977 مع صديقي الراحل خالد الكد رحمة الله عليه . ولست متيقنا مما اذا كان من الممكن تفسيرها بالاستبصار او التخاطر او ما الى ذلك مما يدخل في باب الادراك وراء الحسي ( الباراسايكولوجي ) ."

والحادثة هي ، ان طه الكد ، شقيق خالد زارهما في المعتقل ثم ودعهما وغادر في مامورية الى سنار بالقطر. بعد مغادرته مباشرة أصيب خالد بغم وهم شديدين، وعندما استفسره كمال ، وتحت الحاح من الاخير رد عليه خالد بان طه سيموت في القطر. صباح اليوم التالي جاء اهل خالد ليخبروه بان طه توفي إثر نوبة قلبية باغتته وهو في القطر في طريقه الى سنار!!

وكان سبق لخالد قبل ذلك بان شاهد حادث السير الذي أودي بحياة ابيه قبل دقائق من وقوعه. كما انه شاهد امه وهي تحتضر قبل يوم من موتها وكانت في كامل عافيتها. وهذه خاصية لدي بعض افراد عائلة آل الكد كما أسر خالد لكمال. ففي إحتفال التخرج بالكلية الحربية يلتقي أهل خالد ، لا ، تسعهم الفرحة بتخرج ابنهم. اثناء الاحتفال يستاذن والد خالد لشأن مستعجل يخص عمله. بعد دقائق من مغادرته يصاب خالد فجاة بدوار وغشاوة حتى لم يعد يتمالك نفسه بالوقوف، فهرع اليه زملاؤه يسندونه. رأي خالد في تلك الغشاوة ابيه تصدمه عربة واقعا على الارض مضرجا بالدماء. ذهب خالد في تلك الحالة الى مكتب القائد لاخذ الاذن للعلاج، فاذا بالقائد يفاجاهم بان قال لخالد : البركة فيكم.. أبوك دهسته "عربية"  في شارع الكلية!     

 

في ذلك الفجر، لم تسطع فقط في الذاكرة نبؤات خالد الكد بل سطعت ذكريات وحوداث ومصادفات عجائبية كثيرة ، سطعت "سيرة مرجان مورغان مرغاي"  وحكاية "الاقلام الخشبية الملونة" التي ترجع قصتها الى تحريض من استاذ القانون الجنائي بجامعة كييف. فبعد ان انهى استعراضه لنظريات التحقيق والتحري الجنائي قال لهم تبقت وسيلة واحدة ولكن لم يتم الاعتراف بها علميا بعد، وهي استخدام الباراسيكولوجي وذكر لهم اسم شخص اشتهر بالقدرة التي لا نظير لها في قراءة افكار الناس وغسل ادمغتهم لكنه لا يميل الى استعمالها لان هذه الممارسة تسبب له ارهاقا شديدا .

وعند الاعلان عن اول عرض لذلك الرجل قامت عمادة الطلاب بالحجز لطلبة الدفعة. بدأ العرض بمحاضرة قصيرة قدمتها استاذة اكاديمية في علم الباراسايكولوجي. قالت لهم ان الانسان مختزنة لديه  مقدرات هائلة، غير مستغل منها سوى السدس في هذه المرحلة،  من تطور البشرية لكن هنالك استثناءات قليلة تتمثل في بعض الافراد الذين ، خصوا ، بتوظيف هذه الطافة العجيبة.

وكان الطلاب قد تامروا فيما بينهم ان يفضحوا هذا العجوز الدعي ويجردونه من أوهامه. فتفتقت عبقرية طالب ياباني مشوطن كانت لديه علبة الوان خشبية ملونة، بان يوزعوا الاقلام الملونة قبل العرض بوقت كاف على جمهور الحضور ويسجلون اسم كل واحد ونوع القلم الذي اعطي له ليطلبون  فيما بعد من ذلك الرجل ليقرأ افكارهم ليتعرف على مكان الاقلام.

قدم الرجل عددا من الفقرات التي نالت اعجاب الحاضرين ودهشتهم. واخيرا  تقدم الطالب  الياباني المسلط وطلب من العجوز ان يقرأ افكاره وكان بالطبع كل تفكيره مركز ، في الألوان الملونة ومعرفة مكانها. طلب الرجل من الطالب بان يفكر فقط باللغة الروسية بعد ان أكد له معرفته بها. ثم دخل الرجل في صمت وتركيز عميق حتى أصيب بالاجهاد الشديد وتعرق وجهه وتقلص الى درجة ان مديرة العرض حاولت ان تلغي الفقرة رأفة به ، لكن الرجل زجرها باشارة من يده ، واستمر في حالته واخيرا تقدم نحو الحضور ليملم الاقلام الموزعة، من عند مخبئيها بالقاعة واحدا واحدا ويعيدها الى علبتها تحت دهشة وذهول الطلاب والحاضرين ، ليسقط بعدها على اقرب كرسي لاهثا يتصبب عرقا.   

 

سعطت في الذاكرة ايضا ذلك الفجر ، جلسات ابو حراز الباراسيكلوجية بالملازمين في التسعينيات حيث سيطر في احداها على ارادة شاب متشكك بان جعله يرتد الى طفولته يحبو ويلهو ويلثغ ويصرخ ويرضع اصبعه تماما كطفل لم يبلغ فطامه بعد ! 

اذن ليس من المصادفة " في قيامة الزئبق " ان كانت امنية أسعد مرجان ابن الجيران وصديق الصبا والشباب دراسة علم النفس بجامعة لندن بعد ان فشل في دخول الكلية الحربية لاسباب غير معروفة رغم تفوقه الاكاديمي ومهاراته الرياضية وقامته الفارعة. فتتحق تلك الامنية في شخص روبرت ديفيد مورغان الشاعر ، من سيراليون الذي تخصص في علم النفس بجامعة لندن.

 

إشارات:

- كمال الجزولي – قيامة الزئبق – الخميس 30 ابريل 2009.( سودانايل)  

- كمال الجزولي – علبة الأقلام الخشبية الملونة – 21 يوليو – 2009 ( سودانايل)

- كمال الجزولي - لك ان ترمي النرد -رزنامة الاسبوع 20-26 فبراير 2007 ( صفحة الكاتب بالنت، مقالات كمال الجزولي – المسماة "طقوس سحرية " ).