عُرف السودان - الدولة الحاضرة - في كتابات وآثار الاغريق باسم أثيوبيا. وهذه حقيقة تاريخية وجغرافية ولغوية أولية وليست اسطورة من الاساطير. ومن دلائل بؤس سياستنا التعليمية والاعلامية جهلنا وجهل الاخرين بهذه المعلومة الاولية. فحيثما وردت كلمة أثيوبيا ، في كتابات الاغريق والرومان أو من ينقلون عنهم  أو بالكتاب المقدس (التوارة والانجيل) فهي تعني بلاد السودان الحاضرة.
أما "كوش" فهو الاسم الذي اطلقه قدماء المصرييين على السودان واخذه عنهم العبرانيون في التوارة بسختها الاصلية – العبرية الآرامية وتلك المترجمة عنها.( انظر مقالنا: السودان في نصوص الكتاب المقدس).
ومن أعظم اثار الاغريق المكتوبة كتاب "التواريخ" لهيرودتHerodotus  والذي اشتهر بـ(تاريخ هيرودت) وقد عاش هيرودت في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح ( 484- 425 ق.م) ويُلقب (ابو التاريخ). وبيدي الان الترجمة العربية الكاملة نقلا عن النص الانجليزي. وقد طبع الكتاب لاول مرة بالاغريقية واللاتينية سنة 1450م.
زار هيرودت مصر وكتب عن حضارتها القديمة ولكنه لم يتمكن من الذهاب جنوبا ابعد من الحدود المصرية السودانية فاكتفى باستقصاء معلوماته التاريخية عن السودان وحضارته من المصريين ومن آثارهم. وقد كتب عن السودان تحت اسم اثيوبيا والاثيوبيين حيث ذكر بعض ملوك السودان الذين حكموا مصر الفرعونية وأثبت عادة الختان عند السودانيين وذكر مملكة مروي.
يصف هيرودت رحلة الوصول إلى السودان من جنوب مصر حتى مروي القديمة بقوله:" والمنطقة جنوب ألفنتين يسكنها الاثيوبيين.. فاذا جاوزت ذلك القسم من النهر خلال اربعين يوما انتهى بك المسير لتركب القارب ثانية وتمضي اثنى عشر يوما اخر لتصل الى بلدة عظيمة تسمى مروي يقال انها عاصمة الاثيوبيين." ص 145
وإلفنتين Elephantine هي جزيرة "فيلة" باسوان ولا تزال تحمل هذا الاسم إلى اليوم وهي من اجمل المناطق السياحية بمصر وتشكل اليوم جزء من مدينة اسوان. والكلمة اغريقية نسبة إلى الفيل ومنها جاءت الكلمة الانجليزية elephant. وتذكر المصادر أن الجزيرة المذكورة، سميت بذلك لشكلها الذي يشبه الفيل. وقيل بل لانها كانت في الماضي سوقا لسن الفيل.
أما مروي فهي عاصمة مملكة مروي السودانية المعروفة وكان موقع عاصمتها بكبوشية الحالية شمال شندي وهي ليست مروي الحاضرة الان بديار الشايقية. هذا، وامتدت مملكة مروي القديمة شرقا الى الحبشة وغربا الى دارفور وجنوبا الى اعالي النيل وجنوب النيل الازرق.
ونعرف من هيرودت ان حدود مصر والسودان الحالية هي نفسها التي كانت زمن الفراعنة حيث يذكر ان ألفنتين( اسوان) كانت نقطة حدود مصر الجنوبية، يقول :" أقام المصريون ثلاث حاميات أحداها في مدينة ألفنتين في مواجهة الاثيوبيين والاخرى في بيلسوم ودفناي لمواجهة السوريين والعرب والثالثة في ميريا أمام الليبيين، وما زالت هذه المواقع قائمة في ايامنا". يقصد ايام كتابة تاريخه. ص 145
ويبدو حسب هيرودت ان قدماء المصريين كانوا يعتقدون ان النيل ينبع من الشلال الاول جنوب اسوان. ولكن هيرودت لا يصدق هذه الرواية. يقول:" والحق يقال اني لم أجد أحدا ممن تحدثت إليهم مصريا أم ليبيا أم اغريقيا، يملك اي قدر من المعرفة بمنابع النيل سوى ذلك الكاتب حافظ سجلات كنوز معبد أثينا في مدينة سايس المصرية، ولكن بدا لي حتى هذا الشخص على ادعائه سعة المعرفة، رجلا لا يطمئن إلى دعاواه. فقد أخبرني أن بين سايني بالقرب من طيبة وألفنتين جبلين شكلهما مخروطي يعرف بجبل كروفي والاخر موفي، وبينهم توجد منابع النيل تتفجر من أعماق سحيقة، ويتجه نصف الماء شمالا نحو مصر، والنص الاخر يمضي جنوبا إلى اثيوبيا".
ويحاول هيرودت أن يفسر هذا الاعتقاد تفسيرا عقلانيا ويقول :" ويرجح لدي أنه، إذا كان لهذه الرواية أي قدر من الحقيقة، فهي دليل على وجود دومات وتيارات قوية في الينابيع سبهها ارتطام الميال بالجبال( الجنادل)." ص 144 وهو يقصد بذلك قطعا جنادل الشلال الاول باسوان.
ثم يعرض هيرودوت لحكم ملوك السودان، مصر الفرعونية ويذكر منهم شابكو  يقول :" في عهد نسيس حملت اثيوبيا وملكها شابكوس على مصر حملة كبيرة فهرب الملك الكفيف تاركا البلاد في قبضة الاثيوبيين الذين امتد حكمهم فيها خمسين سنة". ص 196
وشابكوس الذي يذكره هيرودت هنا هو الملك السوداني شابكو اخ الملك تهراقا. وحرف السين الزائد علامة الاسم المذكر في الاغريقية. وتخبرنا المصادر التاريخية ان اول ملك سوداني حكم مصر هو كشتا الذي خلفه بعنخي من 751 الى 616 ق.م  قبل الميلاد وبسط بعنخي سيطرته على كامل الاراضي المصرية بعد طرد الليبيين وقد سجل انتصاراته وامجاده بلوحة وجدت بمعبد جبل البركل وتوجد الان بالمتحف المصري.
وخلف بعنخي على حكم مصر الملك السوداني شابكو الذي نقل عاصمته من نبتة الى طيبة المصرية (الاقصر) وهو الذي ورد ذكره عند هيرودت. وخلف شابكو اخاه تهراقا الذي حارب الاشوريين في القدس وسوريا وخلف تهراقا على حكم مصروالسودان، الملك شبكتو ثم ثانوت آمون. وامتد حكم ملوك السودان لمصر الفرعونية مدة خمسين سنة. (انظر نعوم شقير- تاريخ السودان، ومكي شبيكة – السودان عبر القرون). مع ملاحظة ان دكتور مكي شبيكة في حديثه عن تاريخ ممالك السودان القديمة لم يذكر مطلقا اسم اثيوبيا في الدلالة على السودان القديم. وربما كان نعوم شقير المرجع التاريخي العربي الوحيد الذي كتب عن تاريخ السودان القديم تحت اسم اثيوبيا.
هذا وقد سجلت التوارة حروب وانتصارات تهراقا على الاشوريين واستنجاد أهل التوارة به لدحر الاشوريين عن اورشليم ( انظر مقالنا - السودان في نصوص الكتاب المقدس). 
على أن هيرودت يذكر ان هنالك ثمانية عشر حاكما سودانيا حكموا مصر:" وقد قرأ عليَّ هؤلاء الكهنة نصا من أوراق البردي يحتوي على اسماء ثلثمائة وثلاثين حاكما تعاقبوا على عرش  مصر منهم ثمانية عشر اثيوبيا وملكة مصرية واحدة ". ص 176
ولا ينسى هيرودت ان يتحدث عن عادة الختان عند السودانيين ويقول انه لا يدري اذا كان المصريون اخذوها عن السودان:" الختان معروف عند المصريين والاثيوبيين منذ اقدم العصور. وهذا أمر يقر به الفينيقيون والسوريون سكان فلسطين فيقولون إنما أخذوا هذا التقليد من المصريين. أما الاثيوبيون فلا أملك أن اجزم إن كانوا أخذوا بهذا التقليد عن المصريين، أم أن المصريين يقتدون بهم في اتباعه ولكن  مما لا ريب فيه أنه يعود إلى تاريخ بالغ القدم في اثيوبيا". ص 178
وقد لفت نظرنا ان صاحب الترجمة العربية لتاريخ هيرودت التي بايدينا قد أغفل أن يوضح للقاريء في المقدمة والهوامش الكثيرة التي صاحبت الترجمة، حقيقة ان اثيوبيا والاثيوبيين المقصود بها السودان والسودانيين. فهو مثلا على رغم من أنه خصص هامشا للحديث عن فترة حكم الملك شابكو لمصر، الا انه لم يشر مطلقا إلى أن هذا الملك الذي وصف في النص بالاثيوبي انه سوداني، الامر الذي يدل على ان المدلول التاريخي والجغرافي لكلمة اثيوبيا عند الاغريق كانت غائبة عنه.
إذا تركنا هيرودت ووقفنا عند الاثار الادبية والدينية الاغريقية مثل الملاحم والاساطير نجد أن السودان قد ورد  ذكره أيضا بكل من ملحمتي الالياذة  والاوديسا، وذلك أيضا تحت اسم اثيوبيا والاثيوبيين.
هذا، وكان قد ظهر في القرن التاسع عشر أبان ازدهار البحوث حول حضارة وداي النيل، اتجاه قوي من مؤرخين وباحثين غربيين، يؤمن أن الحضارة نِشأت في بلاد النوبة (السودان) أولا ثم اترحلت شمالا إلى مصر ومن ثم إلى بلاد الاغريق. الا أن هذا الاتجاه قوبل بالاهمال والاغفال والصمت. ومن هؤلاء البروفسير مايكل راسل المحاضر بجامعة ادنبرة، وصاحب كتاب : Nubia and Abyssinia  " النوبة والحبشة" والذي صدر لاول مرة بنيويورك في الثلث الاول من القرن التاسع عشر وتحديد في  1833 ومنذ ذلك التاريخ لم يطبع الكتاب مرة ثانية حتى عندما طلبت الكتاب من "امازون" عبر الشبكة العالمية أرسلوا لى نسخة مصورة عن الطبعة الاولى بالانجليزية يظهر عليها ختم صاحب النسخة واثار تخطيطه بالقلم.
يعتقد راسل اعتقادا جازما أن السودان (اثيوبيا سابقا) هو مهاد الفنون والعمارة والديانات والاساطير التي انتقلت عبر مصر إلى الاغريق.  يقول في مستهل كتابه :
There is no country in the world more interesting to the antiquary and scholar than that which was known to the ancient as “Ethiopia above Egypt”, the Nubia and Abyssinia of the present day. It was universally regarded by the poets and philosophers of Greece as the cradle of those arts which at later period covered the kingdom of the pharaohs with so many wonderful monuments, as also of those religious rites which, after being slightly modified by priests of Thebes, were adopted by the ancestors of Homer and Virgil as the basis of their mythology. 
" لا يوجد بلد في العالم يثير اهتمام الباحثين في الاثار القديمة أكثر من البلاد التي تعرف عند القدماء أثيوبيا- أعلى مصر، والتي هي بمصطلح اليوم النوبة والحبشة. فهذه البلاد تعد في نظر شعراء وفلاسفة الاغريق، مهدا للفنون التي غطت في فترة متاخرة مصر الفرعونية ممثلة في المباني الاثرية والطقوس الدينية والتي بعد اصفاء تعديلات طفيفة عليها من قبل كهنة طيبة، تبناها اسلاف هوميروس وفيرجيل واتخذوها اساسا لموروثهم الاسطوري".
It will no longer be denied by anyone who has seen the splendid of work…,which continue to excite the admiration of the tourist at karanc, Luxur, and Ghizeh, may be detected in the numerous monuments still visible between the site of the fame Meroe and the falls of Es Souan.’
"سوف لن يعد في مقدور أحد نكران أن هذه الاعمال الرائعة التي يشاهدها السائح باعجاب بالكرنك والاقصر والجيزة يمكن تقصي أصلها في المباني الاثرية التي لا تزال شاخصة للعيان في الرقعة الواقعة بين مروي الذائعة الصيت وشلالات اسوان".
The more learned among professional artists are now nearly unanimous in the opinion that the principles of architecture, as well as of religious belief, have descended from Ethiopia to Egypt.’
"ويكاد يجمع الفنانيين الاكثر معرفة بين المختصين، على أن مباديء فن العمارة وكذلك مباديء العقيدة الدينية انتقلت من اثيوبيا إلى مصر". – انتهى.
هذا، ويعد كتاب "اثيناء السوداء" للامريكي مارتن برنال الصادر 1991 احياء لهذا الاتجاه الذي يرى أن أصول الحضارة المصرية والاغريقية، سودانية أفريقية. ونلاحظ ان مايكل راسل استعمل كلمة اثيوبيا للدلالة على بلاد السودان الحالي. ولاعتقاده ان السودان القديم يشمل الحبشة أيضا أختار ان يحمل عنوان كتابه اسم ( النوبة والحبشة)  ولكنه عند الحديث عن المواقع الحضارية التي تشكل أصول الحضارة المصرية والاغريقية في نظره، حصرها بين جنوب اسوان ومروي /كبوشية.
وقد ظهر اسم النوبة للدلالة على البلاد السودان في آواخر مملكة مروي القديمة حيث نجده عند مؤرخي اليونان والرومان الذين جاءوا بعد هيرودت مثل ارتسطينوس وبطليموس وبلينيوس واسترابو. وأول من استعمل اسم النوبة من مؤرخي اليونان ارتسطينوس الذي يشير اليهم بلفظ "نوباي" نسبة إلى نوباتيا. (انظر فانتيني- تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة).
وذاع اسم النوبة واشتهر للدلالة على بلاد السودان على يد مؤرخي المسلمين بعد فتح مصر أمثال اليعقوبي والمقريزي والمسعودي والقلقشندي وغيرهم.

مصادر
1-هيرودت ، تاريخ هيرودت، ترجمة عبد الاله الملاح ، مراجعة: د. أحمد السقاف ود. حمد بن صراي، المجمع الثقافي ، ابو ظبي ، 2001
2- نعوم شقير، تاريخ وجغرافية السودان، دار الثقافة بيروت، لبنان.
3- دكتور مكي شبيكة، السودان عبر القرون، دار الجيل، بيروت، ط 1991
4- ج.فانتيني، تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة، الخرطوم 1976
5- Michael Russell, Nubia and Abyssinia ,New York, 1833


abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]