أذكر في بواكير تعلمنا الانجليزية بالمراحل المتوسطة والثانوية من التعليم العام لفت نظري تشابه بعض كلمات اللغة الانجليزية مع الكلمات العربية في المبنى والمعنى، ككلمة، نبيل، وكفن، وحوش، وشاب والتي تعنى في الانجليزية  فتى أو رجل، أو قل: صبي، في العربية السودانية.
وعقب نشر مقالنا " الالفاظ التركية والافرنجية في اللهجة السودانية" لمعت الفكرة في ذهني  مرة أخرى، فقررت ان استقصي مثل هذه الكلمات المتشابهة بين اللغتين الانجلبزية والعربية، فعمدت إلى المعاجم الانجليزية وقمت بمسح استقرائي لجمع اكبر عدد ممكن من الكلمات فكانت النتيجة حصيلة وافرة من المفردات المتشابهة لفظا ومعنى، معظمها لم أكن لأتبين وجه الشبه فيه لولا هذا المسح. 
ثم بحثت في أسباب هذا التشابه فخرجت بنتائج هامة تتجاوز حقل فقه اللغة المقارن إلى الانفتاح على آفاق معرفية أخرى: حضارية وتاريخية وانثروبلوجية ودينية وغيرها. الامر الذي أكد لي ما سبق أن أشرت إليه، أن الكلمات ليست مجرد كلمات ولكنها ذاكرة الشعوب ومستودع تاريخها. هذا، ووجدت أن كثيرا من هذه الكلمات المشتركة الجذور ذات أصول شرقية (آفرواسيوية)  دخلت الانجليزية عن طريق الاغريقية واللاتينية واللغات المتفرعة من اللاتينية كالفرنسية والاسبانية والايطالية.
من أوائل الكلمات التي صادفتني في هذا الرصد الاستقرائي، كلمتي ألفا  وألفابيت. أذكر في أيام دراستنا بالمدارس الابتدائية، كان يرأس كل فصل دراسي طالب من بين طلبة الصف  ليشرف على التزام التلاميذ بالنظام داخل الفصل. ويسمى هذا الطالب "ألفا". والحقيقة كنت أجهل مصدر هذه الكلمة طيلة هذه السنوات، حتى وجدت خلال هذا المسح الاستقرائي بمعجم اكسفورد، أن الألفا، في الانجليزية تعني الأول أو الذي في المرتبة الأولى، مأخوذة من الاغريقية، والألفا  alphaهو اسم أول حرف في الابجدية الاغريقية (اليونانية). ويسمى مجموع الحروف الابجدية الاغريقية واللاتينية كذلك "ألفابيت" تنطق في الاغريقية alphabeta منحوتة من اسم الحرف الاول "ألفا" والحرف الثاني " بيت". بينما تنطق في اللاتينية  alphabetum  
وإسوة بالاغريق أطلق الانجليز على حروف ابجديتهمalphabet  "ألفابيت" ويصفون كل ترتيب حسب حروف الهجاء بـ  alphabeticalولكنا نلاحظ أن تسمية الانجليز ابجديتهم "ألفابيت" لا يتطابق مع طريقة نطقهم لحروف الهجاء. فالحرف الاول عندهم ينطق "ايه" وليس "ألفا" والحرف الثاني ينطق عندهم "بي" وليس "بيت" كما في الإغريقية.
وعلى خلاف الانجليزية نجد أن الحرف الأول في العربية، يسمى "ألف" والثاني "باء" ويطلق على مجموع ترتيب الحروف العربية: ألفباء ويقولون "ألفبائي" أي جرى ترتيبه حسب الحروف الابجدية العربية. وبذلك نلحظ تماثل الحرف الاول في الاغريقية " ألفا" مع الحرف الاول من العربية " ألف".
وهنا يثور سؤال في غاية الاهمية، وهو كيف حدث هذا التماثل علما أن العربية والاغريقية تنتميان الى فصيليتين مختلفتين بحسب تصنيف علماء اللغويات.  في محاولتنا الاجابة على هذا السؤال نتوصل إلى نتائج في غاية الاهمية. يقول معجم اكسفورد إن الاغريق أخذوا تسمية أبجديتهم " ألفابيت" من الفينيقيين. إذ يسمي الفينيقيون  Phoenicians  الحرف الاول من أبجديتهم aleph "أليف" وهي التسمية العربية ذاتها لحرف الالف.
والفينيقيين هم السكان القدماء لبلاد الشام وفلسطين والشواطيء الشرقية والجنوبية لحوض البحر الابيض المتوسط وشمال أفريقيا، وقد سادت حضارتهم قبل حضارة الاغريق والرومان. واللغة الفينيقية وتسمى أيضا اللغة الكنعانية، تنتمي إلى فصلية اللغات التي اصطلح على تسميتها، اللغات الساميةSemitic languages  ومنها من اللغات الحية: العربية والعبرية والسريانية والآرمية والحبشية. إلى جانب اللغات المندثرة: البابلية والاشورية والحميرية.
ولذلك نجد أن الحرف الاول في الهجاء العبري يسمى أيضا " أليف" بينما يسمى الحرف الثاني " بيت" ومن ذلك تسمى الابجدية العبرية " أليفبيت" – انظر القواعد الاساسية للغة العبرية. والطريف في الأمر أن كلمة "أليف" التي أطلقها الفينيقيون على أول الحروف الابجدية، وحاكاهم فيها العبرانيون والعرب، تعني في اللغة الفينيقية، كما يقول معجم اكسفورد، الثورox ، وبخاصة الثور المدجن الذي يستعمل في الحرث ( انظر أيضا - موسوعة ويكيبيديا الانجليزية). وهذا يستدعي المقارنة بين كلمة "أليف" الفينيقية في الدلالة على الحرف الاول/الثور كحيوان أليف ، وكلمة "أليف" العربية في قولهم " حيوان أليف" بمعنى مستأنس، من الإلفة.
على أن معجم اكسفورد يضيف معلومة في غاية الاهمية وهي أن الفينيقيين أخذوا على الأرجح رأس الثور رمزا كتابيا كعلامة على الحرف الاول في ابجديتهم، من الكتابة الهيروغلوفية للغة قدماء المصريين!! وهذه الحقيقة  تلفت نظرنا إلى أهمية كتاب:
Black Athena, the Afro-Asiatic Origins of the Classic Civilization 
للامريكي مارتن برنال والذي صدرت ترجمته عن المجلس الاعلى  للثقافة  بمصر قبل  أكثر من عشر سنوات.
يقول معجم اكسفورد في اللغة الانجليزية  إن كلمة alcohol   ماخوذة من كلمة al-kuhl "الكُحل" العربية وان الكلمة دخلت الانجليزية عن طريق اللغة الفرنسية. والكحول هي المادة الكيمائية والطبية المعروفة والتي صارت تطلق حديثا على الخمر أو ما يسمى المشروبات الروحية. والكًحل في العربية معروف وهي المادة التي تُكحل بها العيون ومنها اشتقوا لفظ كحيل وأكحل وكحلاء.
وأغلب الظن ان علماء الكيمياء العرب في الاندلس اطلقوا على المادة الكيمائية التي تجعل من الخمر خمرا لفظ "كُحل" لقرينة ما، فتحول لفظ كُحل، فيما نظن، إلى كحول، بفعل الترجمة، إلى اللاتينية أو احدى اللغات المنحدرة منها (الاسبانية والفرنسية والايطالية ). إذ ليس في العربية أصلا كلمة "كحول" بمعنى خمر.
وبفعل الترجمة المعاكسة إلى العربية المعاصرة عادت كلمة "كحول" مرة أخرى  ولكن بحسبانها كلمة أجنبية في الدلالة على الخمر. كما أن تعبير "مشروبات روحية" دخل هو الاخر إلى العربية الحديثة نتيجة الترجمة المباشرة، علما ان مفهوم "روحي" يحمل دلالة مختلفة في الثقافة العربية الاسلامية. فتأمل دور الترجمة في التلاقح اللغوي والثقافي بين شعوب العالم.
في علم الرياضيات هنالك فرع يسمى " الجبر" ويلفظ في الانجليزية algebra ويقول معجم اكسفورد ان الجبرا هي الكلمة العربية  al-gaber "الجبر" دخلت الانجليزية من اللاتينية والايطالية والاسبانية والفرنسية. ويقول إن أصلها من   الفعل  gabara "جَبرَ". وجبر الكسر معلوم في العربية ومنه الجبيرة التي يشد بها العظم المكسور ليشفى. وهنالك وهم شائع يقرن بين علم الجبر واسم العالم العربي جابر بن حيان، والذي عُرف بصفة خاصة، عالما في الكيمياء.
القلويات اسم رابطة من العناصر الكيمائية  مفردها " قلوي" وتنطق في الانجليزية alkali يقول معجم اكسفورد إنها الكلمة العـربية ذاتها  al-kali  "القلوي" ويقول إنها من الفعل kala أي " قلى" بمعنى fry or roast وقلى يقلي أو يقلو: قليت أو قلوت كما جاء في كتب اللغة. وسميت القلويات بذلك لان المادة الكيمائية القلوية تستخرج من رماد النبات، حسب معجم اكسفورد.
الجمّل من أقدم الحيوانات  الاليفة التي استأنسها الانسان. وهي بالانجليزية camel  ويقول معجم اكسفورد إنها ذات أصل سامي. وعندما يقال إن كلمة ما ذات أصل سامي هذا يعنى أنها موجودة في عدد من اللغات السامية : الحبشية والعربية والعبرية والسريانية والآرمية، والمندثرة: البابلية والآشورية والحميرية. وانتقلت الكلمة من اللغات السامية إلى اللغات الاوربية، إذ يقول المعجم المذكور إنها في الاغريقية  kamelos ، وفي اللاتينية  camelus .
من الكلمات التي تبدو فيها المماثلة ظاهرة في اللغتين، مبنى ومعنى، كلمة قناة    canal والتي تكتب احيانا "قنال" محاكاة للكلمة الانجليزية channel وهي مجرى الماء المحفور. وعن أصل هاتين الكلمتين يحلينا معجم اكسفورد إلى كلمة cane  بمعنى قصبة أو عصا والتي يقول إن أصلها سامي دون تحديد لاي لغة سامية تنتمي.
والقنا ومفردها قناة كلمة عربية قديمة وردت في الشعر الجاهلي. يقول عنترة :
فشككت بالرمح الأصم ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم
القنا هنا الرماح مفردها رمح والاصل فيها القناة او العصا التي يركب فيها الرمح أو الحربة كأنه أطلق الجزء وأراد الكل كما يقولون في علم البيان. كما وردت لفظة قناة في شعر المتنبي، يقول :
كلما أنبت الزمان قناة * ركب المرء في القناة سنانا
وواضح انه يريد العود أو العصا التي يُركّب فيها رأس الحربة (الرمح). ومن معاني قناة في العربية القصبة المجوفة ومن معانيها أيضا المجري المائي الذي يحفر في الارض للري وخلافه. يقول ابن منظور في معجم لسان العرب:" القناة ما كان أجوف كالقصبة، ولذلك قيل للكظائم التي تجري تحت الارض قنوات، واحدتها قناة".
وشجر القنا نبات معروف عندنا في السودان ويتميز باستقامة ورشاقة وصلابة عوده ومنه جاء في العربية، تشبيه قامة الرجل بالقناة، يقولون: صلب القناة، ولم تلن قناته. والراجح عندي أن كلمة قناة أخذت أصلا من اسم شجر القنا وهو في الانجليزية canna.
ومن العربية واخواتها السامية، انتقلت كلمة قناة إلى الاغريقية و تنطق فيها  kanna   وkanne    حسب معجم اكسفورد، ومن الاغريقية انتقلت الكلمة إلى اللاتينية ومن ثم إلى وريثاتها الاوربية كالفرنسية.
يظن الكثيرون أن كلمة قانون أصيلة في العربية ولكنها غير ذلك. لهذا السبب فهي لم تكن مستعملة قديما في لغة علوم القرآن والحديث وفقه الشريعة والنحو.  يقول الجوهري في معجمه(الصِّحاح): "القوانيين: الأصول، الواحد قانون، وليس بعربي". ويقول ابن منظور في لسان العرب: " قانون كل شيء، طريقه ومقاسه، وقال ابن سيده: أراها دخيلة".
وفي كتابه (شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل) يقول شهاب الدين الخفاجي: " قانون: رومي مُعرّب معناه الأصل والقاعدة". ص 239. وعندما يصف علماء اللغة العرب لفظة ما بانها رومية، فانهم يقصدون بذلك النسبة إلى الرومان، ولغتهم كما هو معروف اللاتينية. والروم الذين ورد ذكرهم في القرآن هم الرومان. وقد ورث الرومان الاغريق، وكانوا قبل الاسلام يحكمون فلسطين وسائر بلاد الشام وشمال افريقيا.
وقانون تلفظ في الانجليزية canon وهي في الاصل تعني القانون الكنسي وفي المعنى العام مبدأ أو قاعدة أو أصل. إلا أن المعنى الاصطلاحي البديل للكلمة في الانجليزية هو  law( القانون المدني) بمختلف فروعه. ويقول معجم اكسفورد إن  canon ماخوذة من الكلمة الاغريقية kanon بمعنى rule وقد دخلت الانجليزية من الفرنسية التي أخذتها عن اللاتينية. 
ومن بين هذه الكلمات ذات الجذور المشتركة بين الانجليزية والعربية كلمات فارسية الاصل ككلمة caravan الانجليزية وتعني القافلة من المسافرين في الصحراء. ويقول معجم اكسفورد إنها فارسية وأصلها karwan "كاروان" دخلت الانجليزية من الفرنسية في القرن الخامس عشر الميلادي. والجدير بالذكر أن اللغة الفارسية تصنف ضمن فصيلة اللغات ( الهندوأوربية) وليست من فصيلة اللغات السامية.
وتنطق الكلمة في العربية " قيروان" وتعنى ذات المعنى. يقول صاحب معجم لسان العرب: " القيروان: معظم العسكر والقافلة من الجماعة،  وقيل إنه مُعرّب كاروان وهو بالفارسية القافلة".
ولعل ابن منظور يشير بذلك إلى ما ذكره الجواليقي في كتابه ( المُعرّب من الكلام الاعجمى) حيث يقول:" قال ابن قتيبة: والقيروان أصله بالفارسية كاروان فعُرِب. والقيروان، معظم الجيش، والقافلة ". ص 254.  ويستشهد الجواليقي بقول امريء القيس :
وغارةِ ذات قيروانِ * كأن أسرابها الرَّعالُ
والقيروان مدينة عريقة بتونس.
ونواصل...

مصادر:
1-    لسان العرب، ابن منظور، دار احياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
2-    معجم الصِّحاح، اسماعيل الجوهري، دار المعرفة، بيروت، طبعة 2005.
3-    المُعرّب من الكلام الأعجمي، الجواليقي، دار الكتب، القاهرة، الطبعة الرابعة 2002
4-    شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل، شهاب الدين الخفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة 1998.
5-    القواعد الاساسية في اللغة العبرية، د. سناء عبد اللطيف (كلية الاداب، جامعة حلوان) مكتبة مدبولي 2000.
6-    فقه اللغات السامية، كارل بروكلمان، ترجمه عن الالمانية د. رمضان عبد التواب، استاذ اللغويات - كلية الاداب - جامعة عين شمس، مطبوعات جامعة الرياض 1977.
7-    The Concise Oxford Dictionary, Oxford University Press,1999
8-    http://en.wikipedia.org/wiki/Alpha


abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]