في كتابه (الأصوات اللغوية) يقدم الدكتور إبراهيم أنيس، رائد علم اللغويات العربية الحديثة وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة واستاذ اللغة العربية بكلية دار العلوم بالازهر وعميدها سابقا، يقدم وصفا علميا تفصيليا لكل حرف من حروف الابجدية العربية ومكان خروجه وكيفية تكونه وتنقل صوته بين اجهزة النطق المختلفة لدى الانسان من حنجرة وحلق ولهاة ولسان وحنك وفم وشفة واسنان وغيرها. ثم يقارن بين الصورة التي وصف بها علماء اللغة والقراءات القدماء هذا الحرف، وبين نطق الحرف السائد الآن في لغة القراءة بين عرب اليوم.
وحينما يأتي للحديث عن صوت(حرف) القاف ينتهي إلى أن القاف التي نعرفها اليوم والتي توصف بالفصحى، ليست هي القاف التي وصفتها كتب اللغة والقراءات وأن نطق السودانيين لها أشبه بالغين هو الأقرب إلى القاف في الأبجدية النموذجية. يقول :
" القاف كما ينطق بها الآن في مصر بين مجيدي القراءات صوت شديد مهموس، رغم ان جميع كتب القراءات قد وصفتها بانها احد الأصوات المجهورة. وقد تطورت القاف في اللهجات العربية الحديثة تطورا ذا شأن لا نستطيع معه ان نؤكد كيف كان ينطق بها الفصحاء من عرب الجزيرة في العصور الاسلامية الأولى. على أننا نستنتج من وصف القدماء لهذا الصوت أنه ربما كان يشبه تلك القاف المجهورة التي نسمعها الآن بين القبائل العربية في السودان، وبعض القبائل في جنوب العراق، فهم ينطقون بها نطقا يخالف نطقها في معظم اللهجات العربية الحديثة، إذ نسمعها منهم نوعا من الغين. لهذ نفترض هنا أن القاف الأصلية كانت تشبه ذلك الصوت المجهور الذي نسمعه الآن من بعض القبائل السودانية، ثم همس مع توالي الزمن وأصابته صفة الشدة فأدى هذا إلى ما نعهده في قراءتنا". – الأصوات اللغوية ص84،85
وهكذا يعتقد إبراهيم أنيس أن نطق القاف (الفصيحة) ليست هي القاف المتعارف عليها بين العرب اليوم وأن نطقها حتى بين مجيدي القراءة في مصر، مخالف لنطق العرب القدماء لها والذين ينطقونها "مجهورة" أشبه بنطق السودانيين، الذين ينطقونها "نوعا من الغين"، وليست رخوة مهموسة كالقاف التي نسمعها اليوم.
وبالرجوع إلى معجم لسان العرب وجدنا ما يؤكد وصف إبراهيم أنيس لهذا الحرف حيث يصف صاحب اللسان القاف بانها: "أحد الحروف المجهورة ومخرجها بين عكدة اللسان وبين اللهاة في أقصى الفم". ومعنى "مجهورة" من الجهر حيث ينحبس الهواء الخارج عند اقصى الحنك وعكدة اللسان(عقدته) ثم ينفجر محدثا الصوت الذي هو ما بين القاف والغين وما هو بغين. أما الغين الخالصة فتخرج من وراء ذلك، من الحلق شديدة مجهورة. فهي حرف حلقي.
والجدير بالملاحظة هنا، الدقة في حديث الدكتور أنيس حين يصف نطق السودانيين القاف "نوعا من الغين" فهو لم يقل - كما هو شائع عند غير المختصين، انهم ينطقونها غينا. والملاحظة الثانية في كلامه هي أن السودانيين ليس الشعب الوحيد الذي ينطق القاف "نوعا من الغين" إذ يشاركهم في ذلك أهل جنوب العراق وأهل الخليج وشعوب عربية اخرى تاتي الاشارة إليها في موضعها.
على أن حديث ابراهيم أنيس ليس حديث آحاد، فقد شاطره هذا الرأي، الدكتور عبد المجيد عابدين، وهو الآخر مصري كان يعمل استاذا للغة العربية بكلية الاداب - جامعة الخرطوم في الخمسينات والستينات. ففي كتابه (من أصول اللهجات العربية في السودان) يقول عابدين في سياق الحديث عن نطق السودانيين القاف "مشوبة بالغين" على حد وصفه:
"ويظهر أن القاف الفصيحة ذاتها كما ننطقها اليوم لا تمثل النطق الذي كان شائعا عند الفصحاء القدامي من الحجازيين في صدر الاسلام، فقد وصفت القاف في المصادر القديمة بأنها شديدة مجهورة، في حين نجد القاف الفصيحة التي نعرفها اليوم شديدة مهموسة. وهذا يعني أنها كانت في الفصحى – في خلال القرن الأول الهجري- تشبه إلى حد بعيد صوت القاف الذي ينطقه اليوم أهل السودان وصعيد مصر وأكثر أرياف الجزائر. وتدل القرائن على أن هذه القاف كانت معروفة كذلك لغير الحجازيين، فقد روى أنها كانت مستعملة في جهات من اليمن". ص 43،44 
ثم يواصل عابدين وصفه نطق السودانيين القاف قائلا: " فهي القاف المشوبة بالغين، وتخرج من أقصى الحنك رخوة مجهورة. وهي شائعة في لهجات السودان، وتظهر على أشدها في الشرق والشمال، وتقل كلما اتجهنا غربا حتى تكاد تختفي عند عرب دارفور.. ولا تزال بقايا هذه القاف التي تشبه الغين في بعض لهجات اليمن الحديثة. ففي لهجتى تعز والحجرية يقال: التبغ في التاغة، يريدون الطبق في الطاقة." ص 47
ولكل ينفي الدكتور عبد المجيد عابدين ان يكون نطق السودانيين القاف مشوبة بالغين، ناجم عن أثار حامية في لسانهم. يقول: " ولا نحسب أن نطق هذه القاف مشوبة بالغين، في السودان.. وليد تأثير إفريقي حامي. فاذا وجدنا في اللغة النوبية ( وهي حامية الأصل) صوتا يخرجونه بين القاف والغين، فهو لم يرد في الواقع إلا في كلمات قليلة نادرة. مما يدل على أنه دخيل على لغة النوبة، ومن المحتمل انهم استعاروه من بعض العرب الوافدين على بلادهم منذ زمن بعيد." ص48
وما يعزز نظرية عابدين هنا ان هذا النطق نجده أيضا لدى أهل العراق والخليج واليمن وبعض النواحي الريفية بدول المغرب العربي. جاء في (معجم الالفاظ العامية في دولة الامارات) للدكتور فالح حنظل، في حرف القاف:" يقلب الحرف إلى الغين: فيقال غبايل اي قبائل. ويقال غصايد اي قصائد. ويقال غصر اي قصر."
وفي ذلك يقول هادي العلوي:" في بعض لهجات الخليج وجنوب العراق والسودان يبدل القاف غينا، يقولون: غاسم وغسط بدل قاسم وقسط.. وقد وقفت على جماعة من جنوب العراق يبدلون القاف غينا والغين قافا فيقولون : غاسم في قاسم ويقولون قير في غير، ولا يستطيعون نطق القاف في قاسم ولا نطق الغين في غير." – المعجم العربي الجديد – ص 34،35. 
ويمضى عابدين أبعد في التدليل على أن نطق القاف نوعا من الغين أصل في لغات العرب إلى الاستشهاد بامهات المعاجم إذ يقول:" هنالك عدد من الالفاظ نجدها في معاجم الفصحى بالغين المجهورة والقاف المهموسة مثل: غثم وقثم، والغمس والقمس( اي الغوص)." ص48 
وبالرجوع إلى معجم لسان العرب، وجدنا، تأكيدا لما ذكره عابدين، ان "غمس"  وردت مرة في باب حرف الغين " غمس" ومرة في باب حرف القاف "قمس" بذات المعنى. يقول صاحب اللسان : "قمس في الماء يقمس قموسا، وقمسه هو فانقمس اي غمسه فيه فانغمس. وفي الحديث: أنه رجم رجلا فصلى عليه، وقال إنه الآن لينقمس في رياض الجنة." ويضيف:" القمس،الغوص، والقامس والقماس: الغواص، والقاموس: قعر البحر."- لسان العرب.
وهذا يعني أنه يجوز لك ان تكتب غمس بالغين والقاف وكذلك القاموس. وكل هذه الدلائل والشواهد القوية تؤكد ان نطق القاف نوعا من الغين او مشوبة بالغين او حتى إبدالها غينا، كان سائدا ومعروفا بين بعض قبائل الجزيرة العرب. وعندما سادت لغة الكتابة والتدوين في العصور الاسلامية الاولى اختفت هذه الظاهرة في لغة الكتابة بين كتاب ومثقفي ذلك الزمان، وتغلبت القاف المهموسة التي نسمعها اليوم في القراءة العربية وفي بعض اللهجات.
هنالك بيت شعر يقول قائله:
قولي يقلقل القاف قلقلة وقول غيري يغير القاف تغييرا
ونحن لا ندري من القائل ولا في اي عهد قيل هذا البيت. وإذا ثبت أنه قيل في العصور الاسلامية الاولى متزامنا مع عصر التدوين او بعيده، فان ذلك مؤشر آخر على ان القاف كانت تنطق قريبة من الغين أو تبدل غينا على أقل تقدير. وينم هذا البيت أن القائل أحد مثقفي ذلك العصر رأى مَن حوله من الناس ينطقون القاف أشبه بالغين فاراد ان يتميز عليهم بنطقه المخالف للقاف شانه في ذلك شأن المثقفين المولعين بالجديد والمغاير في كل زمان.
هذا، ونطق القاف مشوبة بالغين ليست الصورة الوحيدة لنطقها في لسان أهل السودان. فهي تنطق أيضا "كنطق الحرف g في الكلمة الانجليزية go وهو النطق الاصيل في لهجاتهم، والغالب عندهم، وقد تنطق كافا في عدد من الكلمات، ولكل صورة من تلك الصور مصدرها القديم." عابدين ص43
أما نطق القاف همزة كما في كلام كثير من عرب اليوم فلا وجود له في لسان أهل السودان. والصورة الثانية لنطق القاف عندنا نجدها في نطق كلمات مثل: قام وقال وقول وقدم وقدام وقحة وغيرها. ويذهب عبد المجيد عابدين إلى ان هذا النطق كان معروفا عند القدماء ويدلل على ذلك بوجود عدد من الالفاظ وردت في معاجم الفصحى بالقاف والجيم، مثل: المقذاف والمجداف القذ والجذ والقص والجص. أما نطق القاف كافا، فنجده في كلمات مثل: كتل وكاتل وبرتقان وفكي وغيرها وذلك في قتل وقاتل ووقت وبرتقال وفقيه.
ويورد عابدين ان ابن سينا الفيلسوف أشار في (أسباب حدوث الحروف) إلى هذه القاف التي تنطق كافا. وكذلك أشار إليها ابن خلدون في (المقدمة) وعدها من خصائص البدو في الاقطار العربية شرقا وغربا. ويُسمى هذا النطق (القاف المعقودة). والواقع، كما يقول عابدين، أنها كانت لهجة مضر الاولين من أهل نجد "والتي عبر عنها القدماء بلغة تميم، وكانت تشمل قبائل عديدة من قيس وأسد." وقد رروا لشاعر تميم:
ولا أكول لقدر القوم كد نضجت * ولا أكول لباب الدار مكفول
وقد سبق أن ذكر ذلك ابن فارس في كتابه (الصاحبي في فقه اللغة). وفي لهجات اليوم نجد القاف (المقعودة) في أرياف فلسطين وصعيد مصر والسودان وأظهر ما تظهر في كلام أهل اليمن. ويثبت عابدين ان نطق القاف كافا قد وجد طريقه إلى معاجم العربية الفصحى من خلال وجود ألفاظ تجمع بين القاف والكاف مثل: قنع وكنع، وكاتله الله وقاتله الله، وعربي قح وعربي كح وغيرها.
ومن أسباب نطق القاف كافا أو بين الجيم والكاف، تقارب المخرج. يقول ابن منظور في لسان العرب" ومخرج الجيم والقاف والكاف بين عكدة اللسان وبين اللهاة في أقصى الفم".
وهذا يقودنا إلى الحديث عن الظاهرة اللغوية التي أطلق عليها فقهاء اللغة القدماء " الإبدال". فقد فطن هؤلاء العلماء إلى ظاهرة اختلاف نطق الحروف بين العرب ولكنهم لم يردوه، في الغالب الأعم إلى اختلاف لغات/لهجات العرب وانما صوروه وكانه أمر حادث لا أصل له لانهم قاسوه على أصل واحد هو لغة الكتابة التي صارت منذ عصر التدوين وإلى اليوم الانموذج الأوحد للغة العربية (الفصحى) فسموا ما خالف أبجديتها بانه حدث فيه " قلب وإبدال".
يقول ابن فارس:" ومن سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض" – فقه اللغة ص 154 وينقل السيوطي عن ابي الطيب اللغوي انه:" ليس المراد بإلابدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وانما هي لغات مختلفة لمعان متفقة." المزهر ص 460 وهذه من إلاشارات النادرة في كتب القدماء التي تنحو هذا النحو العلمي في تفسير خاصية الإبدال في لهجات/لغات العرب.
وتفسيرنا لهذه الظاهرة اللغوية أنه كانت لكل قبيلة من قبائل العرب القدماء طريقة خاصة في نطق الابجدية العربية ولما جرى تدوين الابجدية في عصر التدوين بطريقة واحدة، احتفظت كل قبيلة بمذهبها الخاص في النطق على مستوى الكلام، واضطرت، في الكتابة والقراءة، أن تأخذ بالابجدية الموحدة. وفي إضاءة لهذا الرأي نورد قول ابن الجزري:
" وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، لغاتهم مختلفة، وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها أو من حرف إلى آخر بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولا بالتعليم والعلاج لا سيما الشيخ والمراة ومن لم يقرأ كتابا.. فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع." – (النشر في القراءات العشر) ص 24،25. 
وظلت آثار هذا الاختلاف باقيا في لهجات العرب إلى اليوم في نطق الابجدية العربية. ولنأخذ شاهدا آخر، ففي دولة الامارات العربية هنالك أيضا أكثر من طريقة لنطق القاف، يقول الدكتور فالح حنظل:" ورد نطقه فصيحا عند الشحوح وبعض أعراب إمارة رأس الخيمة والفجيرة، فهم يحققون الحرف كاملا، فيقولون: قاف. إلا أن الشائع عندهم هو أن يقلب الحرف إلى الجيم كقولهم: جاسم والأصل فيه قاسم. وقولهم الشارجة والاصل فيها الشارقة. ويقلب إلى كاف، اي كاف في النطق الفارسي، فيقولون: دكيكة أي دقيقة. ويقلب الحرف إلى الغين، فيقال غبايل اي قبائل. ويقال غصايد اي قصائد. ويقال غصر اي قصر." – معجم الألفاظ العامية بدولة الامارات العربية - ص 517
هذا، ولم يكن السودانيون يحسون بأدنى مشكلة في نطقهم للقاف مشوبة بالغين، فهم يفرقون بسهولة ويسر في الهجاء بين الغين الخالصة والقاف المهموسة السائدة في القراءة، اللهم إلا في بدايات تعلم الكتابة، حتى احتكوا بالشعوب العربية الاخرى بسبب الهجرة خاصة إلى الدول النفطية. عندها فؤجووا بمن يتندر على نطقهم للقاف! وليس ثمة مسوغ لذلك، مع الاخذ في الاعتبار كل ما تقدم بيانه-  سوى نظرة الاقصاء الكامنة في اللاشعور الجمعي العربي، للسوداني، واستسلام السودانيين لهذه النظرة.
فكل عرب اليوم يبدلون ما شاء لهم الابدال حتى في قراءة اللغة (الفصحى). فالمتابع الفطن للاذاعات العربية المسموعة والمرئية، يلحظ في قراءة نشرات الاخبار أو في الحديث بالفصحى، أن الشوام والمصريين والمغاربة، يقرأون الزاي ظاء، مثل في: زيارة وزيارات ووزارة ووزارات، وغيره كثير. ويقرأون التاء طاء مثل في: تيار وتيارات وتوتر وتوترات وغيرها. ويبدلون السين صادا مثل في: سوق وسبق وأسعار وكثير غيرها. ويقرأون الدال ضادا مثل في: دورة ودوري وإدارة وخلافها. وينطق المصريون الجيم، أشبه بحرف g في الكلمة الانجليزية  go مثل في: اجراء واجراءات وتجارة وتجاري وغيرها. وهم لكل ذلك ينطقون دستور مثلا "ضصطور" بإبدال ثلاثة أحرف.  

المصادر:
1-    إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، مكتبة الانجلو المصرية، طبعة 1990
2-    عبد المجيد عابدين، من أصول اللهجات العربية في السودان، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، طبعة 1989
3-    الدكتور ابراهيم أنيس، في أصول اللهجات العربية، الانجلو المصرية، الطبعة التاسعة 1995
4-    هادي العلوي، المعجم العربي الجديد، المقدمة، دار الحوار، اللاذقية ، ط1 1983
5-    ابن الجزري، النشر في القراءات العشر(مجلد واحد)،المكتبة العصرية، بيروت، طبعة 2006
6-    ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، دار الكتب العلمية، بيروت طبعة 1997
7-    جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وآدابها، الجزء الأول، دار الفكر للطباعة والنشر.
8-    فالح حنظل، معجم الالفاظ العامية في دولة الامارات العربية، وزارة الاعلام والثقافة، الطبعة الثالثة 1998
9-     ابن منظور، معجم لسان العرب، حرفا القاف والغين.      

abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]