abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
نشر الاستاذ فيصل محمد فضل المولى مقالا بسودانايل بتاريخ 19 يونيو 2011 بعنوان: (بعض أخطاء اللهجة العامية السودانية) أورد فيه عددا من الامثلة من اللهجة السودانية وصفها بالاخطاء. وقد جاء وصفه لهذه الامثلة بانها أخطاء قياسا إلى اللهجات العربية الاخرى، اضافة الى إعماله المنطق  العام والقياس العقلي في تخطئة تلك الامثلة. وهذا نهج خاطيء في النظر الى النظام اللغوي الخاص باللغة واللهجة على السواء. 
فاللغة اي لغة نظام قائم بذاته تحكمه وتضبطه قوانيين داخلية لها منطقها الخاص الذي تستمده من نظامها الداخلي وليس من اي نظام لغوي آخر او منطق خارجي عام. وما ينطبق على اللغة، ينطبق على اللهجة. ولذلك لا يجوز من ناحية علمية  قياس لغة على لغة اخرى او قياس لهجة على لهجة أخرى لتخطئة اي منهما. واذا جاز لنا الحديث الخطأ اللغوي، فهو خطأ الافراد في استعمال النظام الخاص باللغة او اللهجة المعينة وليس الخطا في بنية اللغة او اللهجة في حد ذاتها. ويذهب علماء اللغويات المحدثين إلى حد القول انه لا يجوز لنا حتى ان نخطيء اللهجات قياسا إلى اللغة الام. فاللهجات نظامها الخاص الذي يختلف عن نظام وبنية  اللغة الام.
يبدأ الاستاذ فيصل بتخطئة قولهم: " ذهبت اليك في مكتبك ولقيتك مافي" ووجه الخطأ في هذه الجملة من وجهة نظره انها تنطوي على تناقض منطقي بين " لقتيك" و "مافي". ونحن لا نرى اي خطا في هذه الجملة، لا بالمنطق العقلي العام، ولا بمنطق اللغة الام. فالمعنى هو : حضرت اليك في مكتبك ولقيت حالة كونك مافي. فالفعل " لقي" هنا ينصرف إلى وصف حالة الغياب ولا ينصرف إلى وجود الشخص. وحتى نقرب الصورة اكثر نعيد كتابة الجملة على نحو آخر كان نقول : " حضرت إليك في مكتبك ووجدتك خارج المكتب او مسافر". اي وجدت حالة كونك خارج المكتب أو حالة كونك مسافر.
ثم يستدل الاستاذ فيصل على أخطاء اللهجة السودانية بالقول :"ويتعجّب المصريون كذلك من كثرة استعمالنا للفعل قام، فنحن نقول: " فلان قام مشى السوق، وبعد داك قام ركب الحافلة، وقام قعد في الكرسي"وأكثر ما يدهشهم هو قولنا: "قام قعد" ولا يخفى علينا أن القيام والقعود لا يمكن أن يجتمعا عند بشر سوي، وقد تساءل أحد المصريين الظرفاء قائلاً: " بقى إزاي فلان دا قام قعد؟ يعني بعد ما قام واقف اتطربق على الهواء وقعد؟".- انتهى.
ونحن لا نرى سببا لهذه السخرية المريرة وجلد الذات بلا مبرر. فاستعمالنا  للفعل قام في لغة الكلام بهذه الكيفية يتطابق مع التعبير العربي السائد والذي نسمعه يوميا في لغة الاعلام ونشرات الاخبار:" قام السيد رئيس الجمهورية بالوقوف على سير العمل بالمشروع.." وقام الوزير الفلاني بزيارة إلى المكان الفلاني ألخ.. فالفعل قام يستعمل لتوكيد ما نقوم به من فعل. كأن تقول مثلا :" ضُرب الولد لانه قام بالجلوس في الشارع" او " كل من يقوم بالجلوس في الشارع سيخالف القانون". ومثل هذا التعبير موجود في لغة القرآن. قال تعالى:" وإنه لما قام عبد الله يدعوه" سورة الجن – الاية 19 اي قام يدعو ربه، وذلك من غير أن يكون القيام هنا من لوازم الدعاء، إذ ان الفعل المراد الاخبار عنه هنا الدعاء وليس القيام. فالدعاء يكون قياما وقعودا وعلى الجنب كما ورد في الآيات المعنية.
أما قولهم " قام قعد" فتعني ببساطة، انه، قام بالقعود. وإذا كان البعض مصر ان يرى في هذا تناقض او تضاد، فان هذا التناقض والتضاد هو الفصاحة بعينها. جاء في معجم لسان العرب في مادة، قعد: " وقال ابو زيد: قعد الانسان، أي قام وقعد جلس، وهو من الأضداد". وهذا هو بالضبط قولنا: قام قعد !!  
ونحن نستعمل الفعل قعد احيانا كفعل مساعد للدلالة على استمرارية ما نقوم به من فعل أو ناتي به كوصف مكمل لتصوير الفعل الذي يدور حوله الحديث المراد الاخبار عنه. ومنه قولنا : " انا قاعد أكل" او " فلان ما قاعد يتكلم معاي". والمعنى حالة كوني أكل. وحالة كوني ممتنع عن الكلام مع فلان. وقاعد هنا تقابل لفظ " عم" في اللهجات الاخرى وبخاصة اللهجة المصرية واللهجات الشامية. يقولون: "عم باكل" أي انني أكل الان. و" عم تسمعنى؟" اي هل تسمعني الان. وتقابل عندنا:" قاعد تسمعني؟".  

وإذا كان الاستاذ فيصل قد بنى تخطئته لبعض الشواهد من اللهجة السودانية استنادا لتعجب الاخوة المصريين منها- على حد تعبيره. فانه يورد شاهدا من اللهجة المصرية ثم ينسبه الى اللهجة السودانية ليخطئ به كلام السودانيين. وهو قولهم " بتاع الحافلة " ويرى ان الصحيح ان نقول " الحافلة بتاعة " فلان.
أولا أن لفظ "بتاع" ليس اصلا في اللهجة السودانية ولكنه من الدخيل الذي وفد الينا مع الفاظ وتعابير كثيرة من اخواننا المصريين. فالمصريون يقولون :" بتاع الحافلة" و"بتاع البقالة" إلخ.. وهنالك فليم مصري اسمه "بتوع الاوتوبيس". فاذا كان ثمة خطأ في ذلك، فانه لا شأن للهجة السودانية به. اللهم إلا خطأ التقليد لغيرنا بلا وعي. والتعبير الاصيل المقابل لذلك في اللهجة السودانية هو: " سيد الحافلة" و"سيد الدكان" و" سيد البيت" وغير ذلك. وهذا يتطابق مع التعبير في اللغة الام، مثل، سيد الخلق، وسيد البشر، وسيد الكون، إلخ .. ومن مترادفات، سيد، في التعبير العربي القديم، كلمة "رب". قال الشاعر:
اذا كان رب البيت للدف ضاربا * فما شيمة أهل البيت الا الرقص
وحتى في التعبير المعاصر يقولون "ربة منزل" اي سيدة "ست" بيت. ومنها قول بشار:
ربابة ربة البيت * تصب الخل في الزيت  
وللشاعر السوداني عوض الكريم القرشي اغنية مشهور اكثر فيها من استخدام "رب" بمعنى " سيد" ومنها قوله : رب الجمال، اي سيد الجمال بمعنى صاحب الجمال.
وبتاع أصلها متاع. وإذا كان أهل مصر مثلا يقولون: " القلم دا بتاعي" يقول في ذلك أهل ليبيا والمغرب العربي:" القلم هذا متاعي" بكسر الميم. أما نحن فنقول : " القلم دا حقي" بينما يقول : " أهل الخليج والعراق" هذا القلم مالي" .فاذا ارادوا الاستفسار، قالوا: القلم هذا مال منو ؟ والسيارة هذي مالت منو؟ وبالسوداني : القلم دا حق منو؟ والسيارة دي حقت منو؟ والملاحظ ان اللهجات العربية المختلفة وظفت في الشواهد السابقة ثلاثة كلمات هي : متاع ومال وحق، والمعنى واحد.  
كثيرا ما يتندر أخواننا العرب من قولنا :" ما تتكلم ساكت". ويحق للاخرين ان يتعجبوا ويستغربوا من هذا الاستعمال. ليس لكونه خاطيء وإنما من طبيعة الانسان أن  يتعجب مما لا يالفه فاذا الفه او فهم مغزاه زال العجب. ولكن اذا جاز للاخرين العجب فما بالنا نحن نجاريهم في هذا العجب! يقول الاستاذ فيصل مستنكرا ومتعجبا من المثال المشار إليه :" إذ لا يُعْقَل أن يتكلم أحد وهو ساكت؛ فالسكوت في اللغة هو الامتناع عن الكلام، والذي يتكلم ساكت كمن يتكلم وهو مُكًمِّمٌ فمه، وهذا لعمري شيء عجاب!".
ولا يغيب على بال الاستاذ فيصل ان كلمة ساكت في قولهم "ما تتكلم ساكت" لا تستعمل بمعنى السكوت الدال على الصمت. وهو يعلم تمام العلم إن السوادنيون ليسوا في حاجة الى من يذكرهم بان السكوت في اللغة هو الامتناع عن الكلام. ولكن ما فات عليه هو أن "ساكت" استعملت هنا استعمالا استثنائيا خاصا اخرجها عن المعنى العام إلى المعنى الاصطلاحي. واي لهجة او لغة لا تخلو من التعابير الاصطلاحية على هذه الشاكلة والتي يستعصي فهمها على غير الناطقين بها. وهذا الاستعمال الاصطلاحي يطلق عليه في اللغة الانجليزية Idioms  .
والدليل على ان للعبارة معنى مختلف عن المعنى العام للسكوت إنها تنطق احيانا " ما تتكلم ساي". اذا علينا ان نبحث عن المعنى الاصطلاحي للعبارة لا المعنى القاموسي المباشر العام. ومعنى ساكت وساي، كما يعطيه السياق الدلالي للكلام، هو فارغ، ليكون تأويل معنى العبارة : "لا تتكلم كلاما فارغا". اي ان ساكت وساي، جاءت في صيغة الصفة للكلام الفارغ الذي يود منك المتحدث الكف عنه. وما يعزز ذلك قولهم :"دا كلام ساي" اي مجرد كلام بلا معنى. وقولهم في الاجابة على السؤال لماذا فعلت كذا وكذا:" ساي أو ساكت بس!" اي بلا سبب.
ويرى الدكتور عبد المجيد عابدين ان "ساي" ترخيم لـ"ساكت". وعابدين هو استاذ مصري كان يدرس في خمسينات القرن الماضي بجامعة الخرطوم، أحب السودان والثقافة السودانية ووضع في ذلك عدد من الكتب منها " من أصول اللهجات العربية في السودان " الذي يعدد من أجود ما كتب في مجاله. ومن ابرز تخريجاته اللغوية ان كلمة "خشم" بمعنى "فم" في كلامنا، والتي يسخر منها غيرنا من العرب انها لغة عربية قديمة لقبيلة قضاعة من أكبر المجموعات العربية القديمة.
ومن الشواهد الذي يعدها الاستاذ فيصل من الاخطأ المستحدثة في اللهجة السودانية قول البعض:" الكتاب الاديتني ليهو" ويرى ان التعبير الصحيح وفق اللهجة السودانية الذي كان في الماضي هو:" الكتاب الاديتو لي". هنا ينحو الاستاذ فيصل منحى علميا حين يخطيء استعمالا معينا من داخل النظام اللغوي للهجة السودانية قياسا على نظام اللهجة السودانية ذاته وليس قياسا على نظام لغوي آخر من خارجها. لان ما يصفه بالخطأ هنا هو مخالفة أفراد او مجموعة او فئة لما هو سائد في داخل اللهجة نفسها. وحتى هذا الخطأ اذا صار شائعا وتواتر في اكثر من جيل فسيصبح جزء من بنية اللهجة وبالتالي يصعب جدا الحديث عن تخطئته.
هذا مجمل ما اورده الاستاذ فيصل في مقاله من شواهد. وفي الختام نؤكد على انه لا يجوز لنا ان نحاكم لهجة قياسا على لهجة اخرى والا سوف نجد انفسنا نخطيء كل اللهجات العربية لمجرد انها تختلف معنا في الطريقة التي ألفناها في الحديث والتعبير. ودعنا نضرب مثالا بسيطا من اللهجة المصرية. المصريون يستعملون كلمة "أخوات" بصيغة جمع المؤنث، للاخوان الذكور. يقولون:" فين أخواتك" أي اخوانك. ولا يجدون حرجا في ذلك ولا يحسون ادنى احساس بان هذا التعبير خاطئ، وغير هذا كثير. مثال آخر كلمة "يبلش" عند أهل الشام ( اللبنانيين بخاصة) تعني يبدأ، بينما تعني عند المصريين يفرغ من او ينتهي من. فلم يخطئ أحد، أحدا، ولم يسخر أحد من أحد، وكل مستمسك بطريقته في التعبير.
لذا على السودانيين ان يتحرروا من الاستلاب اللغوي والثقافي الذي يقعون ضحيته بمحض ارادتهم وان يستعيدوا الثقة في لهجاتهم ومورثوهم الثقافي العربي والافريقي وان يتعاطوا مع اخوانهم العرب بكل الندية. وهذا يتطلب بالضرورة، العمل على خلق الوعي الكاف باهمية وقيمة هذا الموروث الثقافي واللغوي.