abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
الأزرق له مدلول مختلف عندنا – نحن السودانيين- عن مدلوله عند غيرنا. فنحن نستعمله مرادفا للسواد. اذ نصف البشرة السوداء بالزرقاء. نقول: زول أزرق اي أسود اللون. ولاجل ذلك سميت دولة سنار أو سلطنة الفونج - نواة السودان الحديث، بالسلطنة الزرقاء اي السوداء. والنيل الازرق تعني  في عرفنا اللغوي، النيل الأسود، سمى كذلك لكثرة الطمي الذي يحمله في تحدره من هضاب الحبشة فيصير لونه مائلا للسواد. حتى لون الحزن والاسى عندنا ازرقا. تقول النائحة في رثاء أحد الرموز الدينية :"يوم الخميس جانا الخبر وانذاع * في الاربعة قبل أزرق طـويل الباع"  اي اسود. ( مع ملاحظة ان ثوب الحداد الذي تلبسه الارملة عندنا ابيض وهذا التقليد الاثنوغرافي يستحق مبحثا منفصلا). 
ليس الأزرق وحسب مرادفا للسواد عندنا، بل نحن نطابق احيانا بين الاسود والاخضر. اذ نصف سواد البشرة بالخضرة ايضا. نقول، رجل أخضر وامراة خضراء. والخضرة عندنا أقل سوادا من الزرقة أو قل انها السمرة. ويتغنى السودانيون بجمال خضرة البشرة إذ تزخر اغنياتنا بتمجيد اللون الاخضر مثل قول المغني : "خداري بحالي ما هو داري" وقول الآخر "الاخدر الليموني" و"جننونا  بالخدار" والاخدر هو الاخضر. فنحن نبدل احيانا الضاد دالا. وغيرنا من عرب اليوم تكثر من نطق الدال ضادا حتى وهم  يقرأون اللغة الفصحى.( وهذه قصة أخرى).
وبالمقابل نحن نصف بياض البشرة بالحمرة. ونقول كناية في ذلك " اذن حمراء" اي أن صاحبها ابيض البشرة. وكذلك نطابق بين الزرقة والخضرة. فالعيون الزرقاء، مثل عيون بعض الأوربيين، هي خضراء عندنا.  نقول : خواجة عيونه خضر، اي زرق.  
فهل استعمال الزرقة والخضرة بمعنى السواد هو ابتكار خاص بالسودانيين تخفيفا لحقيقة سواد بشرتهم ام أن له أصولا في اللغة والثقافة العربية القديمة؟ وهل ذلك ينطبق ايضا على استعمال الخضرة في معنى الزرقة والحمرة في معنى البياض؟
إن تداخل الالوان: الاخضر والازرق والاسود والابيض واحلال لون محل آخر تقليد متاصل في امهات المعاجم وكتب اللغة القديمة وفي القرآن والحديث النبوي الشريف. فالعرب كانت تستخدم الاخضر والأزرق في معنى السواد والسمرة والادمة. فعن استخدام الاخضر في وصف الاسود جاء في معجم لسان العرب:
"ويقال للأَسود أَخْضَرُ.والخُضْرُ قبيلة من العرب، سموا بذلك لخُضْرَةِ أَلوانهم. والخُضْرَةُ في أَلوان الناس: السُّمْرَةُ؛ قال اللَّهَبِيُّ:
وأَنا الأَخْضَرُ، من يَعْرِفْني؟  * أَخْضَرُ الجِلْدَةِ في بيتِ العَرَبْ
يقول: أَنا خالص لأَن أَلوان العرب السمرة؛ التهذيب: في هذا البيت قولان: أَحدهما أَنه أَراد أَسود الجلدة؛ قال: قاله أَبو طالب النحوي، وقيل: أَراد أَنه من خالص العرب وصميمهم لأَن الغالب على أَلوان العرب الأُدْمَةُ؛ قال ابن بري: نسب الجوهري هذا البيت للهبي، وهو الفضل بن العباس بن عُتْبَة بن أَبي لَهَبٍ، وأَراد بالخصرة سمرة لونه، وإِنما يريد بذلك خلوص نسبه وأَنه عربي محض، لأَن العرب تصف أَلوانها بالسواد وتصف أَلوان العجم بالحمرة. وفي الحديث: بُعثت إِلى الحُمرة والأَسود؛ وهذا المعنى بعينه هو الذي أَراده مسكين الدارمي في قوله:
أَنا مِسْكِينٌ لمن يَعْرِفُني، *  لَوْنِيَ السُّمْرَةُ أَلوانُ العَرَبْ."
"ويقال: كَتِيبَةٌ خَضْراءٌ للتي يعلوها سواد الحديد. وفي حديث الفتح: مَرَّ رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، في كتيبته الخضراء؛ يقال: كتيبة خضراء إِذا غلب عليها لبس الحديد، شبه سواده بالخُضْرَةِ، والعرب تطلق الخضرة على السواد والعرب تجعل الحديد أَخضر والسماء خضراء؛ يقال: فلان أَخْضَرُ القفا، يعنون أَنه ولدته سوداء. وفي حديث الحرث بن الحَكَمِ: أَنه تزوج امرأَة فرآها خَضْراءَ فطلقها أَي سوداء".
الحق، لا بد للمرء من ان يصاب بالدهشة حين يقف لاول مرة عند حقيقة  الاصل الاسود او الاسمر (الاخضر) للعرب. وذلك لعدة اسباب في مقدمتها تغييب هذه المعلومة بصورة شبة كاملة عن المصادر والاثار العربية مثل كتب التاريخ والسير والاخبار والانساب. وثانيا الزراية باللون الاسود في الثقافة العربية قديما وحديثا وارتباطه بالعبودية وكل ما لم يمت للعرب بصلة. وثالثا تمسك العرب باللون الابيض (الاحمر) وكانه هو الاصل الخالص لجنس العرب.رابعا اتخاذ سواد وسمرة السودانيين وخضرتهم ذريعة للقدح في انتماء كل من يدعي منهم  اصلا عربيا.
وأغلب الظن ان الاصل الاسمر او الاخضر الخالص للعرب قد بدا في التغيير تدرجيا نحو الابيض قبيل البعثة النبوية حتى طغى عليهم البياض وصار هو الغالب فنسوا او تناسوا اصلهم الأسود فاحتاجوا لمثل اؤلئك الشعراء لتذكيرهم به، رغم أن السمرة والخضرة ظلت فاشية في بعضهم. فقد كان عمر بن الخطاب أسودا أخضرا. جاء في الحديث:" فجاء رجل أدلم فاستاذن على النبي ص قيل هو عمر بن الخطاب". والادلم كما جاء في اللسان هو الاسود. وجاء في السيرة ،كان علي بن ابي طالب آدم، اي اسمر مائل إلى السواد. وان بني ابي طالب كانت تغلب عليهم الخضرة. أما ابو بكر فقد كان أبيضا. وكذلك كانت بنته السيدة عائشة حتى كنيت بالحميراء اي الشديدة البيضاء.
وربما يعود الاصل الاسود او الاسمر للعرب إلى انحدارهم من اسماعيل ولد هاجر، الجارية المصرية  التي يبدو ان أصولها نوبية( سودانية). على ان سواد البشرة يتجاوز ان يكون اصلا في الوان العرب إلى كونه لون آدم  ابي البشر نفسه، بحسب تصور الثقافة العربية الاسلامية او قل على نحو أشمل- الثقافة السامية. فالآدم صفة مشتقة من الأدمة وهي السمرة والسواد، لون التراب والطين الذي خلق منه. ليس آدم وحده بل حواء أم البشر  ايضا سمراء. فحواء صفة تعني سمراء و أدماء. وهنا تلتقي التصورات والمعتقدات الدينية واللغوية مع النظريات العلمية حيث يذهب بعض علماء الاثار والانثروبولوجيا الى أن العرب وغيرهم من الاقوام السامية، هاجرت الى الجزيرة العربية والشرق الاوسط من أفريقيا. بل ان بعض نظريات علماء الاثار المتاخرة تذهب الى ان افريقيا هي اصل الانسان الأول. وكان يمكن ان يتخذ كل ذلك وغيره منطلقا لانجاز دراسات سودانية عميقة من شاكلة بحث فرويد عن أصل موسى، حيث المح الى الاصل النوبي - السوداني - لموسى. ( انظر : فرويد، موسى والتوحيد) ومن شاكلة كتاب ( اثينا السوداء 1987) لمارتن برنال الذي اكد فيه على الاصول الافريقية لحضارة الاغريق وقد سبقه الى ذلك مايكل رسل في كتابه (النوبة والحبشة 1830) مؤكدا ان الاغريق والرومان استعاروا اساطير بلاد النوبة واثيوبيا ( السودان) وحوروا فيها. وهو الامر نفسه الذي تناوله السنغالي الشيخ انتا ديوب في بحوثه في خمسينات القرن العشرين حول ( الأصول الزنجية للحضارة المصرية).    
غير أن جدل الهوية عندنا في السودان بين من يزعمون لهم اصلا عربيا وبين من لا يقرون لهم بذلك، ظل متمحورا حول اختلاف اللون ونظرة الاخر العربي الاقصائية ، ولم ينفذ النقاش الى العمق لمسآءلة تاريخانية لمسلمات اللون وتشكلات الخطاب الثقافي العروبي المهيمن والمتوارث.   حتى أضحى تمسك بعض السودانيين بالانتماء إلى الثقافة العربية، يصور، بسبب هذا النوع من الجدل، وكانه ماساة انسانية، اشبه بتراجيديات الاغريق.( انظر : د. الباقر العفيف: متاهة قوم سود ذوي ثقافة بيضاء). 
وكان الدكتور عبد الله الطيب قد نافح عن نسبه العربي الجعلي مرتكزا في ذلك على اصل لون العرب بالقول: " ورب منكر على الجعليين وغيرهم من بني عمومتهم من أهل السودان عروبتهم لسواد ألوانهم وليس هذا بشيء. اذ لم يكن العرب في ماضي أمرهم بيضا. ولعل سمرتهم كانت أدنى إلى السواد لقوله ص انه بعث للاسود والاحمر. فقالوا الاسود عني به العرب والاسود العجم". ثم يفسر غلبة البياض على العرب بقوله:" وأحسب أن من أعرقت  فيهم إماء الروم والنبط واختلطت بهم أنساب البيزنطيين وغيرهم، هم الذين غلب عليهم البياض. ولذلك أبى، عقيل بن علقمة مصاهرة بعض أبناء الخلفاء من بني أمية قائلا:
رددت صحيفة القرشي لما * أبت أعراقه إلا احمرارا".- ( ديوان أصداء النيل، مقدمة الطبعة الرابعة)
ويدلنا ذلك على أن دخول اللون الى ساحة صراع الهوية الثقافية ليس أمرا جديدا خاصا بصراع الرؤى العرقية بين السودانيين، وانما امر قديم نشأ بين عرب الجزيرة انفسهم، واحتد استخدامه في التنازع على السلطة الدينية والسياسية بين بني أمية وغيرهم من القرشيين وبخاصة آل البيت. وتصاعد توظيف اللون كسلاح آيديلوجي بين العباسيين والعلويين. وفي ذلك:" قال ابن الرومي يفضل العلويين وكانت الخضرة اغلب ألوانهم في أوساط الدولة العباسية بعد ان أكثر العباسيون منن بيض الاماء فابيضت لذلك ألوانهم:
وعيرتموهم بالسواد ولم يزل *  من العرب الأماجد أخضر أدعج
وما ذاك الا ان تزين جلودكم  * بني الروم ألوان من الروم نعج". – المصدر السابق.
هذا ما كان في شان الخضرة والسواد. أما عن استعمال الأخضر بمعنى الأزرق، فيكون في وصف لون السماء والعيون.  يقول ابن منظور في لسان العرب :" والخَضْراءُ السماء لخُضْرَتِها؛ صفة غلبت غَلَبَةَ الأَسماء. وفي الحديث: ما أَظَلَّتِ الخَضْراءُ ولا أَقَلَّتِ الغَبْراءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً من أَبي ذَرٍّ؛ الخَضْراءُ:السماء، والغبراء: الأَرض". وهذا يخالف السائد الان حين يصفون السماء بزرقة اللون. وفي وصف زرقة العيون بالخضرة، ورد في معجم مقاييس اللغة لابن فارس :" الزرقة خضرة في سواد العين" وهذا يتطابق مع وصفنا للعيون الزرق بالخضر.
وماذا عن جعل الازرق محل الاسود؟ هل له اصول ثقافية ولغوية عربية قديمة كذلك ام هو تقليد سوداني بحت؟
يستشف من بعض الاشارات الواردة في القرآن والحديث الشريف وامهات المعاجم استعمال الازرق وصفا للاسود. وفي الدلالة على ذلك ، جاء في معجم مقاييس اللغة:" كل ما خالف البياض فهو في حيز السواد، لذلك تداخلت هذه الصفات." ويقصد بهذه الصفات الازرق والاخضر والاسود. ثم يضيف "قال الله تعالى في صفة الجنَّتين: مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن 64] أي سَوداوان. وهذا من الخضرة؛ وذلك أن النّبات الناعم الريَّانَ يُرَى لشدّة خُضرته من بُعدٍ أسود.ولذلك سُمِّي سَوادُ العِراق لكثرة شجرِه."
وبسبب تداخل هذه الالوان يوصف الماء بالخضرة والزرقة والسواد. ورد في معجم لسان العرب لابن منظور:" والماء يكون أزرق ويكون أخضر ويكون أبيض". وقوله:" الزرقاء الخمر. وماء أزرق: صاف". و" الزرق: المياه الصافية. ومنه قول زهير:
فلمّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُه * وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضرِ المُتَخَيِّم".
وهذا يتطابق مع كلامنا: ماء أزرق، اي مطلق لا يخالطه شيء. ونقول كنية لبعض الاشخاص " أزرق موية".
وفي جعل الأسود صفة الماء، ورد في حديث عائشة :" لقد رأيتنا مع رسول الله ص ما لنا من طعام الا الاسودين". ففسره أهل اللغة بانه التمر والماء". وفي وصف زرقة الماء بالسواد، دليل كاف على أن إحلال الازرق محل الأسود، أصل في اللغة. 
وفي القرآن الكريم وردت "زرق" جمع أزرق في معنى سود. يقول تعالى: "ونَحْشُر المُجْرِمين يومئذٍ زُرْقاً". سورة طه – الاية 102.  ذهب المفسرون في تفسير زرقا هنا مذاهب مختلفة وقد غاب عنهم المعنى ( السوداني) للازرق. إذ قال بعضهم، عميا، وقال آخرون عطاشا، وانتهى آخرون إلى أن المقصود "زرق العيون" وفي تعليل زرقة عيون المجرمين يوم الحشر، ذهبوا إلى أن العرب تتشاءم من زرق العيون وتذمه، والمعنى تشوه خلقتهم بزرقة عينونهم وسواد وجوههم. وكل ذلك تفسير ضعيف كما ترى.
ونحن نرى أن "زرقا" المقصود بها، سودا. كانه قال : نحشر المجرمين يومئذ سودا. ويعزز ذلك قوله تعالى :" يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" سورة آل عمران – الاية 106. فالقرآن يفسر بعضه بعضا. ورب قائل: وما ذنب السواد؟ أو وما بال المجرمين السود، هل سيحشرون سودا ايضا؟ فما ذلك لهم بعقاب. قلت: ربما لم تكن مذمة السواد هنا مقصودة في ذاتها وانما جارى القرآن توهم العرب ان سواد البشرة والوجوه شيء منبوذ في عرفهم. فالخطاب القراني كثيرا ما يتماهي مع الافق الثقافي واللاشعور الجمعي للعرب من غير ان يكون في هذا التماهي توكيدا للحقيقة النهائية. ومن ذلك مجاراته لهم في توهم انبساط الارض وثباتها وتوهم جريان الشمس والكواكب. ولكن حينما يكون الخطاب عاما نجد النص القرآني ينحو إلى إعطاء صورة كونية خالية من ملابسات الخصوصية الثقافية العارضة. ومن ذلك قوله تعالي: "ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك." –  فاطر 27- الاية . وذلك من غير تفضيل للون بعينه.
أذكر كنا في جلسة عمل بالخليج وفي نهاية الاجتماع كان علينا التوقيع على محضر الاجتماع  فطلب منا رئيس الجلسة التوقيع بالأزرق، فأمسكت بالقلم الاسود، فابتسم ثم قال لي طبعا انتم السودانيين الازرق عندكم أسود. وقبل ان ارد عليه تطوع ممثل الطرف الاخر وهو عراقي، وقال نيابة عني : هذا جائز في اللغة، ثم استدل بالآية: "ونَحْشُر المُجْرِمين يومئذٍ زرقا". وكاني به قد اختطف الآية من لساني.
هذا، وقد لفت نظري أن هذا الجيل من السودانيين، وبتاثير من الخطاب الثقافي العربي المهيمن بآلياته وتشكلاته الظاهرة والباطنة، بدأ في التخلي عن استخدام الأزرق في معنى السواد. وصاروا يستعملون الازرق بمعنى "بلو" في الانجليزية. وهذا لم يكن موجودا في اللهجة السودانية. كانوا يقولون للأزرق: " زهري أو ظهري" نسبة إلى الظهر: مسحوق يستعمل في غسيل الملابس البيضاء. قال فيها عون الشريف، انها من الدخيل من غير تبيان لاصلها. وقد صارت نسبة الالوان لما يماثلها من الاشياء، شائعة في لغة اليوم. يقولون:" برتقالي" و " بنفسجي" و " رمادي" و " فضي"  و " سماوي" الخ..

زُرْقاً". كانه اختطف الاية من لساني اختطافا.