abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
الجراري من الايقاعات المليئة بالشجن وهو لون من الغناء اشتهرت به قبائل شمال كردفان البدوية (دار حامد والكبابيش والكواهلة والحمر والشنابلة وبني جرار وغيرهم). وجل هذه القبائل ترعى الابل وبعضها كالحمر استقرت وصارت تحترف الزراعة ورعي الضان والاغنام. وايقاع الجراري مستوحى من حركة سير الابل. وإلى جانب غناء الجراري نجد عند هذه القبائل غناء الدوبيت ومن الذين اشتهروا بذلك ولهم تسجيلات صوتية "تيراب" صاحب الصوت والاداء النادر والنم المتميز وكذلك ود أم سيالة. 
ولعل أول اغنية جراري عرفت على نطاق واسع من خلال الاذاعة السودانية هي اغنية " الليلة والليلة دار ام بادر يا حليلة – بريد زولي". وكانت المطربة ام بلينا السنوسي اول من شدا بها عبر برنامج ربوع السودان ثم رددها من بعد المطرب الكبير حمد الريح ثم عبد الرحمن عبد الله. وام بادر هي مركز دار كواهلة شمال كردفان تقع الى الغرب من ديار الكباببيش، في الطرف الشمالي الغربي لشمال كردفان. وقد تغنى بجمالها الشاعر  الناصر قريب الله في قصيدته الشهيرة التي يترنم بها الكابلي " ام بادر" وكذلك الشاعر الكبير محمد سعيد العباسي. وكان زعيم كواهلة كردفان - ايام الانجليز – عبد الله ود جاد الله - قد كسر قلم مكمايكل مدير مديرية كردفان تعبيرا عن الغضب من حكم اصدره ماكمايكل في نزاع بين الكبابيش والكواهلة فصارت مثلا: كسار قلم ماكميك.
وكان الطيب صالح قد عبر عن اعجابه الشديد باغاني الجراري ومايصاحبه من رقص بديع وحمحمة وذلك في سياق حديثه عن ذكريات الطفولة في قريته ريفي الدبة بالمديرية الشمالية والمتاخمة لحدود الركن الشمالي الشرقي لمديرية كردفان. يقول :" وما اضفى على هذه المنطقة ثراء ثقافيا ان عرب الكبابيش كانوا يزورونها بين الفينة والاخرى. وهؤلاء عرب اقحاح كانوا يبحثون عن الكلأ والماء لابلهم وشراء التمر والذرة. وفي غدوهم ورواحهم اختلطوا بالناس ونظرا لانهم من العرب الفصحاء فقد ادخلوا فصاحتهم في كلام الناس". كان هؤلاء الاعراب حينما " يصلون المنطقة كانوا يدخلون على قراها حيوية شديدة. لان افراحهم وطريقتهم في الغناء مختلفة ، عما اعتدنا عليه. كنا نطلق على رقصهم اسم (الجابودي) – يقصد الجراري- يقف الرجال في حلقة الرقص ويحمحمون باصوات مكتومة حم – حم – حم ثم تدخل بناتهن البدويات الى دائرة الرقص ويرقصنا رقصا بديعا- كان المشهد بالنسبة لنا قمة الاثارة والنشوة، وبعض هؤلاء استقروا في المنطقة ، وقد تعرضت لهذه الفئة في رواية عرس الزين." - انتهى.
واذا كانت قبائل الابالة في شمال كردفان قد اشتهرت بغناء الجراري، فان نظرائهم البقارة بجنوب غرب كردفان اشتهروا بغناء المردوم او المردوع. ونمثل له باغاني عبد القادر سالم. مثل أغنية الله الليموني، واللوري حل بي، وغيرها. ويمتاز المردوم بخلاف الجراري بسرعة الايقاع وقوته. ولعل اختلاف البيئة وتباين طبائع الانعام التي يرعاها كل طرف لها دور في ذلك. فالمعروف أن البقارة يرعون البقر ويركبون التور والخيل. كلام البقارة سريع وقوي. اما كلام الابالة في الشمال لين وبه جرجرة وتطويل للنغم وانعكس كل ذلك على ايقاع الجراري.
ومن الايقاعات الاخرى التي نجدها عند القبائل الزراعية المستقرة ، الجوامعة بشرق كردفان والبديرية بالاواسط والحمر كذلك ، ايقاع الدلوكة ( السيرة والتم تم) وكذلك غناء الطمبور (الكرير) ذلك النوع من الغناء الذي كان موجودا ايضا عند الجعليين والجموعية والذي انبثقت عنه اغاني (الحقيبة) بام درمان. وقد انتقل التم تم من دار الجوامعة بشرق كردفان عن طريق سواقي اللواري السفرية الى كوستي وام درمان وساهم اسماعين عبد المعين في انتشاره وادخله زنقار على اغاني الحقيبة ( من بف نفسك يا القطار وسوداني الجوه وجداني) ممـهدا الطـريق بذلك الى الاغنية الحديثـة ( انظر د. الفاتح الطاهر- تاريخ اغنية ام درمان). 
أغنية الزارعنا في الصريف- ونانسي عجاج :
التقطت المطربة الصاعدة  نانسي عجاج اغنية من اغاني الجراري وقامت بادائها اداء جميلا نال إعجاب الجمهور ولفت انتباه الكثرين إلى هذا اللون من اغاني التراث. على ان الاغنية اثارت جدلا على صفحات المنابر بالشبكة العالمية ابتدره الاستاذ شوقي بدري. ودار الجدل كله حول اللازمة الموسيقية او اللحنية للاغنية: هل هي " اندريا" كما ادتها نانسي عجاج ام انها كلمة اخرى غير ذلك؟
المعروف ان اغنية الجراري كغيرها من اغاني التراث تعتمد على لازمة لحنية تتكرر باستمرار. فمثلا اغنية " دار ام بادر يا حليلها" تعتمد على اللازمة الموسيقية الصوتية التي تقول: " بريد زولي" تتكرر هكذا:

الليلة والليلة دار ام بادر يا حليلها – بريد زولي
زولا سرب سربة خت الجبال غربا – بريد زولي
ادوني لي شربة خليني نقص دربا – بريد زولي
زولا سمح صورة بالفاتحة مندورا- بريد زولي 

ونحن نذهب مع الذاهبين الى ان اللازمة الاصلية للاغنية التي تؤديها نانسي عجاج، ليست "اندريا" الاسم المعروف، وذلك لسبب بسيط وهو ان الفتاة في البيئات الكردفانية التقليدية لا تبوح باسم محبوبها في الغناء لان ذلك يعد من العيب لاعتبارات كثيرة وهذا يتماشي مع التقليد المتوارث بان المرأة عندهم لا تصرح باسم زوجها حتى في الاحوال العادية. ولهذه الاعتبارات ذاتها الملاحظ ان المغنية في اغنية " دار ام بادر" لم تصرح باسم عشيقها واكتفت بالاشارة اليه بكلمات " زولي" و "زولا" حتى عندما تجرأت وتمنت الزواج منه قالت: "زولا سمح صورة بالفاتحة مندوره".
إن اللازمة الاصلية للاغنية كما نرى- هي: "أمندريا" أي أنا أدري. أو " أمندري با" أي أنا أدري به. وذلك ان أهل كردفان يضيفون الى فعل المضارع الذي يصف حال المتكلم باء ونونا واحيانا تنطق هذه الباء ميما. فهم يقولون مثلا في : أنا أكل، أنا اشرب، أنا أمشي: أني بناكل وأني مناكل ، أني ابنشرب وأني امنشرب، اني ابنمشي وأني أمنمشي الخ.. وقياسا على ذلك فان عبارة " أنا ادري " تنطق عندهم " أني ابندري " أو " اني امندري".  
تقول الفتاة في مستهل الاغنية :" الزرعنا في الصريف بسقيك بلا خريف" فهي تشبه نضارة المعشوق بنضارة النبات الذي ينمو تحت الصريف في الخريف. والصريف كما هو معروف حوش القش الذي يسور به بيت القطاطي. فالنبات الذي ينمو تحت الصريف او بين ثناياه، يكون في العادة، اشد النبات نضارة واخضرارا. اي ان ذلك الفتى المعشوق الذي نشا في كنف ذلك الحوش وهو اشد زهوا وشبابا، أنا ادرى وأعرف بصفاته الجميلة واخلاقه الحميدة. ولذلك أنا على استعداد ان أرعاه وافديه بنفسي حتى يظل محتفظا بنضارته وشبابه.
قولها: "كما كلام الناس بسكن معاك خماس" يؤكد ان كلام الناس يمنعها من امور كثيرة من بينها البوح باسم الحبيب والرحيل معه. وخماس احدى قري دار حمر وتوجد عدد من القرى في هذه المنطقة تحمل هذا الاسم، منها خماس حجر، وخماس الدونكي.    
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا من اين اتت نانسي عجاج باسم " اندريا " كلازمة لحنية  للاغنية؟؟
لا بد ان الاغنية مرت بعدة مراحل واعيد توظيفها وانتاجها في مناسبات مختلفة، زيد فيها وحذف منها، واستُبدل. واذا أخذنا بالرواية التي تقول ان "أندريا" شخص جاء إلى المنطقة وكانت له عربة سخرها في جلب الماء للقرى هنالك، فان تفسير ذلك ان اندريا هذا جاء الى المنطقة بعد ان استقرت الاغنية في وجدان الناس وعندما ارادوا تمجيده ورد الجميل له عمدوا الى هذه الاغنية واعادوا انتاجها بتغيير اللازمة اللحنية إلى اندريا. والمعروف ان قرى خماس الوارد ذكرها في الاغنية كانت من اكثر مناطق الحمر التي تعاني العطش. وحيث ان اندريا صار شخصية عامة وان الغناء له هنا ليس بدافع العشق والحب، فلم تجد المغنيات حرجا من التصريح باسمه. 
هذا، والنسخة التي تغنيها نانسي عجاج ليست النسخة الاخيرة التي اعيد انتاجها من الاغنية الاصلية فقد اورد محمد سليمان محمد موسى ( سودانايل 29 ابريل 2011) ان لازمة الاغنية اللحنية الاصلية، تغيرت في مرحلة من المراحل الى "النارية". اي ان ذلك الفتى الذي تتغنى به، قد أوقد في قلبها نار العشق. 
حاشية:
تبدل قبائل كردفان البدوية هاء الضمير الدالة على المفرد المذكر، الفا ساكنة. فكلمات مثل: كتابه، واسمه، تنطق: كتابا واسما. في اغنية دار ام بادر، تقول المغنية : " خلوني نقص دربا". و" خت الجبال غربا". اي دربه وغربه. وهذه الظاهرة اللغوية موجودة بكثرة في كلام عرب الخليج والعراق وليبيا.