منذ فترة ليست بالقصيرة درجت وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة عندنا في ترديد كلمة "تقاوي" في الدلالة على البذور المعدة للزراعة. وذلك ظنا منها انها هي الكلمة العربية الفصيحة البديلة لكلمة تيراب أو تواريب السودانية.
غير أن "تقاوي" كلمة "عامية" مصرية. وأغلب الظن ان أصلها قبطي أو نوبي قديم. ونحن نرجح أن أصلها هو كلمة "تقة" النوبية السودانية التي تحمل دلالة مغايرة لمعناها في اللهجة المصرية.  
أما تيراب، لفظة عربية فصيحة، وترد في أمهات المعاجم العربية كواحدة من صيغ كلمة تراب. جاء في لسان العرب والقاموس المحيط والصحاح أن " ترب وتراب وتورب وتيرب وتيراب وتوراب، كله واحد."
فاختار لسان أهل السودان صيغة تيراب للدلالة على البذور التي تعد للزراعة وكذلك في الدلالة على عملية الزراعة: دفن البذور في التربة. والفعل منه: تيرب وتورب ويتيرب او يتورب اي يبذر البذور في الأرض بغرض الزراعة. وجمع تيراب : البذور المعدة  للزراعة، تواريب.
هذا، وللتربة عندنا معنى آخر غير الاديم وهو القبر وجمعها تُرب. وهي كذلك في المعجم. جاء في لسان العرب:" تربة الانسان: رمسه" اي قبره. فثلما اشتق اسم مكان دفن الانسان في الارض من التراب فقيل: تربة، كذلك اشتق دفن البذور في باطن الارض وعملية الدفن، من التراب والتربة أيضا فقيل: تيراب.
وقد وردت لفظة توراب بمعنى تراب أو تيراب في شعر المتنبي. وذلك في قوله :
أيفطمه التوراب قبل فطامه * ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
ولعل الطيب صالح يشير إلى هذا البيت حين قال: " إن الصاحب بن عباد عاب على المتنبي استخدامه الكلمات الحوشية الغريبة مثل توراب – غفر الله له. إنه لم يزل يتتبع المآخذ على المتنبي. ولو أنه عاش في السودان، لوجد أن الكلمة تجري على ألسنة عامة الناس... وأهل السودان يقولون تيراب للبذور تدفن في الارض كالقمح والذرة وغيرهما. وفي المعجم أن توراب او تيراب هي الأرض أو ما يدفن فيها."
وتيراب اسم علم سوداني وأشهر من حمله السلطان تيراب من أقوى سلاطين الفور.
أما كلمة تقاوي فهي "عامية" مصرية – حسب، عون الشريف قاسم، الذي يذكر في (قاموس اللهجة العامية السودانية) ان محمد بن عمر التونسي ( 1789-1857) قد اشار في كتابه ( تشحيذ الاذهان بسيرة بلاد العرب والسودان) إلى استعمال أهل مصر لكلمة تقاوي وذلك في سياق التعريف بكلمة تيراب السودانية، حيث يقول التونسي في معنى تيراب : "الحبوب التي تزرع في التراب والتي تعبر عنها أهل مصر بالتقاوي وأهل المغرب بالزريعة".
هذا التباين في الالفاظ للدلالة على معنى واحد هو من أميز خصائص العربية وأعني خاصية الترادف. فالبذور المعدة للزاعة : هي تيراب، وتقاوي، وزريعة وربما غيرها. ولكل دولة ان تستعمل ما درجت عليه من ألفاظ مرادفة لالفاظ في دول أخرى للدلالة على هذا المعنى.
ومن هنا نقول ان الدعوات التي تنادي الآن بتوحيد المصطلحات والتعابير العربية تتنافي مع طبيعة هذه اللغة ومن شانه ان يقضي على الخاصية التعددية( الترادف) التي يباهي بها أصحاب هذه الدعوات أنفسهم، اللغات الاخرى. والمفارقة أن من ينادون بتوحيد المصطلحات العربية يظنون انهم يحسنون صنعا؟ وما علموا ان نهجهم الاحادي هذا يؤدي إلى افقار هذه اللغة. فتأمل! على قولة استاذنا عبد الله الطيب.
وكان الباحث السوداني في الدراسات النوبية، فؤاد عكود، قد أورد في كتابه (من ثقافة وتاريخ النوبة) أن أصل تيراب نوبي سوداني. غير اننا نرى أن وجود هذا اللفظ في اللغات النوبية ليس دليلا على اصله النوبي، فالتداخل والاستلاف المتبادل بين اللغة العربية واللغات النوبية لا يخفى. ونحن نرجح ان تكون الكلمة قد دخلت اللغات النوبية من اللهجات العربية السودانية. ولكنها لم تحتفظ بالنطق العربي وانما أصابها شيء من التحوير بعد دخولها اللسان النوبي اذ تنطق "تيرار" بمعنى زراعة و" تيري" للبذور المعدة للزراعة وذلك حسب ما أثبته (آرمبروستور) في معجمه في اللغة الدنقلاوية النوبية ( انجليزي – انجليزي).
على أن هنالك في اللهجة السودانية مفردة آخرى تتفق مع كلمة تقاوي المصرية من حيث اللفظ ولكنها تختلف معها من حيث المعنى وهي كلمة " تقة " أو "تقاه". وهي الرقعة من الأرض داخل المزرعة او الحواشة او "البلاد" تنظف جيدا وتجمع فيها وتدرس وتدق المحاصيل حيث تفصل البذور عن القناديل.
يقول الشاعر المجيد، اسماعيل حسن، في رائعته "بلادي": بلادي حنان وناسها حُنان.. يفضلوا الغير علي ذاتهم ، يقسموا اللقمة بيناتهم .." إلى ان يقول:
" وحتى الطير يجيها جيعان من أطراف تقيها شبع".
وفي الحكمة الشعبية :" القمرية ما بتعضر التقة". اي لا تعذر. والمعنى ان من تعود الاحسان من شخص ما لا يعدم ان يجد حاجته عنده مهما تغير الحال. فالقمرية تظل تتردد وتنبش وتنكت في محل التقة أملا في التقاط بعض الحبوب حتى وان لم تكن في التقة اي بقايا من حبوب.
هذا، وقد خلت المعاجم العربية من كلمة تقة. وأغلب الظن ان أصلها سوداني نوبي. فقد وردت في معجم ارمبروستور في اللغة النوبية الدنقلاوية في ذات المعنى. يقول:
Taga: threshing-floor, place where cattle tread out corn, etc.
ولهذا نحن نرجح ان اصل كلمة "تقاوي" المصرية هو "تقة" النوبية جاءت في صيغة الجمع وتغيرت دلالتها مع مرور الزمن فتحول معناها من مكان جمع المحاصيل حيث تفصل الحبوب عن القناديل، لتعني الحبوب المعدة للزراعة وهو المعنى الذي تعطيه كلمة تيراب وجمعها تواريب في كلام أهل السودان.
خلاصة القول يجب علينا الا نتحرج من استعمال الالفاظ والتعابير ذات الصبغة السودانية في لغة الكتابة والاعلام المخطابات الرسمية متى ما كانت ذات اصل عربي حتى لو كانت غير موجودة في المعجم او متى ما كانت ذات أصل سوداني محلي موروث من لغاتنا الاخرى، ويجب الا ننتظر حتى يزكيها لنا الآخرون. فالفصاحة تعني الابانة والوضوح ولا شيء غير ذلك. هكذا يقول فقهاء اللغة العربية الاقدمون.
 واللغة العربية منذ كانت في حال استلاف متبادل مع اللغات الاخرى فكثير من الالفاظ التي يظن انها عربية فصيحة دخلت العربية من لغات اخرى مثل الفارسية والنبطية والسريانية والهندية والحبشية. وفي العهد الحديث دخلت كثير من المفردات من اللغات الأوربية وتعربت وصارت جزء لا يتجزأ من التعبير العربي الحديث.
وهذا يتطلب خلق وعي مبصر باهمية وقيمة ما نملك. فنقصان هذا الوعي ولد لدينا احساسا لا شعوريا زائفا، ان هنالك دائما اصلا خارجيا عند الآخر العربي نقيس عليه وان ما عندنا لا يصح الا اذا قسناه على ذلك الخارج. وهذا الاحساس  جعلنا نهجر الكثير مما تزخر به ذاكرتنا اللغوية من المفردات والتعابير الجميلة والبليغة، وذلك تقليدا وتبعية للاخر.  
يجب أن يكون لنا حضور مؤثر في صناعة تاريخ وحاضر ومستقبل اللغة العربية والا نظل مجرد مقلديين، مستهلكين لهذه اللغة، بل لا بد أن نكون منتجين لها أيضا. نقول ذلك، ونحن على علم بان التأثير اللغوي محكوم بالنفوذ والقوة السياسية والاقتصادية والانتشار الاعلامي. غير أن العمل على خلق وعي بقيمة ما عندنا هو أضعف الايمان.

المصادر:
1-    أبو البقاء العكبري، شرح ديوان ابي الطيب المتنبي، دار الفكر، بيروت، 2003
2-    ابن منظور، معجم لسان العرب، دار احياء التراث العربي، بيروت ط3  
3-    الفيروزآبادي، معجم القاموس المحيط، دار المعرفة، بيروت 2008
4-    الجوهري، معجم الصحاح، دار المعرفة ، بيروت 2005
5-    الطيب صالح ، في صحبة المتنبي ورفاقه، رياض الريس للنشر 2005
6-    عون الشريف قاسم، قاموس اللهجة العامية في السودان،المكتب المصري الحديث ، القاهرة ، ط2 1985
7-    فؤاد عكود، من ثقافة وتاريخ النوبة، العالمية للطباعة والنشر،2007
8-    C.H. Armbruster, Dongolese Nubian, A lexicon, Cambridge University press, 1965.

       

abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]