كتب يوسف ميخائيل "مذكراته" حول تاريخ المهدية ونهاية العهد التركي في الابيض سنة 1934 وذلك بطلب من أحد الاداريين الانجليز بكردفان. وظلت المذكرات مخطوطة منذ ذلك الوقت إلى ان قام الاستاذ الدكتور والباحث المحقق الثبت، أحمد ابراهيم أبو شوك بتحقيقها والتقديم لها ونشرها لاول مرة من خلال مركز عبد الكريم ميرغني سنة 2004.

ينتمي يوسف ميخائيل مليكه، الى اسرة قبطية مصرية، وقد وفد والده الى السودان سنة 1839 ضمن بعثة مصرية مكونة من اربعين كاتبا للعمل في السلك الادراي في مديريات السودان المختلفة، وفي الخرطوم تم توزيعهم حيث أرسل والد يوسف ميخائيل الى الابيض حاضرة مديرية كردفان.

ولد يوسف فيما يستنتج الدكتور أبوشوك سنة 1865 وتعلم بكتاب مدينة الابيض القراءة والكتابة ومباديء الحساب وكان يتدرب بالمديرية على الشغل الحسابي ولكن قبل ان ينال وظيفة بالحكومة اندلعت الثورة المهدية في كردفان وبعد سقوط بارا والابيض منح المهدي اسرة ميخائيل الامان بعد ان اعلنوا ولاءهم للثورة.انخرط يوسف في العمل تحت راية الخليفة عبد الله وفي ام درمان عمل كاتبا للخليفة وكان من المقربين منه وبعد كرري رجع الى الابيض.

 

واذا كان الدكتور أحمد ابوشوك يميل الى الرأي القائل ان معظم المعلومات السياسية التي وردت في مذكرات سجناء المهدية الاجانب كانت تصب في خدمة "الحرب الدعائية التي نظمها قلم المخابرات المصرية ونجت باشا لكسب تاييد الراي العام البريطاني لسياسة حكومته الامبريالية المعلنة تحت مظلة محاربة الرق والانتقام من قتلة غردون ونشر قيم الحضارة والمدنية في أوساط الشعوب البدائية."

الا انه يرى ان هذا الوصف لا ينطبق على مذكرات يوسف ميخائيل كما ذهب الى ذلك بعض الباحثين الذين يرون ان مذكرات ميخائيل هي الاخرى تقع  ضمن ادبيات الحرب الدعائية ضد الدولة المهدية ورموزها.

ويسوق أبو شوك لوجهة نظره أسباب وجيهة أهمها ان يوسف ميخائيل لم يكن سجينا وبالتالي ليس لديه دافع  انتقامي مثل سجناء المهدية أصحاب المذكرات كسلاطين باشا والقسيس النمساوي الاب جوزيف اهرولدر وشارلس نيوفلد وغيرهم. وانه كان من المقربين للخليفة عبد الله والامير يعقوب اذ كان كاتب(أمين) سر الخليفة. إضافة إلى أن المذكرات دونت بعد سقوط دولة المهدية مما تنتفي معه شبهة الغرض للنيل من المهدية ورموزها.

 

أما من حيث القيمة التاريخية لمذكرات ميخائيل فيرى أحمد ابو شوك أنها أضافت بعدا آخر الى نجاح الثورة المهدية بخلاف البعد الكارزمي لشخصية الامام المهدي وهو البعد الاقتصادي الاجتماعي والسياسي مجسدا في الصراع بين الادارة التركية بكردفان في شخص الياس باشا ام برير مدير مديرية كردفان، واحمد بك دفع الله، أحد كبار التجار والاعيان بمدينة الابيض من جهة، وبين مدير المديرية وزعيم قبائل وسط كردفان (الغديات والبديرية) الشيخ على كنونة من جهة أخرى. وكان هذا الصراع كما تشكف مذكرات ميخائيل من أقوى العوامل التي دفعت التجار بزعامة احمد بك دفع الله وشيوخ القبائل بزعامة على كنونة لمناصرة المهدي واسقاط الادارة التركية في كردفان.

وهنا اتفق تماما مع الدكتور ابو شوك في هذا التحليل العلمي التاريخاني الذي تغذيه وتدعمه قراءة مذكرات يوسف ميخائيل حول الاوضاع في كردفان والظروف التي أدت الى نجاح الثورة المهدية في كردفان. ولكنني أريد أن استخدم هذا التحليل نفسه لانفذ به الى الجزئية التي أريد أن اتناولها بالنقد في مذكرات يوسف ميخائيل.

 

تنميط الانسان السوداني:

 

يقول يوسف ميخائيل عن أوَّل مجئ الإمام المهدي إلى كردفان، واجتماع الناس إليه زرافات ووحدانا: "كان الشيخ محمد أحمد جميل الصورة حلو اللسان فصيح في الكلام له جاذبية في الناس. والمعلوم عندنا نحن [أهل] كوردفان أي إنسان يحضر من البحر (يقصد نواحي النيل) كأنه حضر من بيت المقدس الشريف، أو مكة المشرفة، كونه لسان أهل البحر طلق ورطب، وجلدهم أملس. وعموم أهل كوردفان وحولها إلا باره الجسم خشن واللسان تقيل خصوصاً في اللغة العربية، والأسما الوحشة من حِمِّير "ولد حمار"، ومَنْ يقول: "أنا اسمي أبو جعيرين"، ومن يقول "أنا اسمي دحيش، والكليب النكدرو"، وهلما جرا. ناس متوحشين غير أنهم في الكرم والجود أجود من أهل البحر، وأكرم منهم طاقات إذا كان نزلوا ضيفان عند أي واحد منهم، سوى كان عشرة أو عشرين يكرموهم غاية [الكرم] ويفتخروا بالجود، حتى النساء إذا نزلوا عند واحدة حرمه كتير أو قليل تزيد في إكرام الضيوف. وأما أهل البحر وخصوصاً أهل الجديد أو الحلاوين أبخل من كلبت يزيد، إذا نزل الضيف تفادو منه، وعندما ينظروا أي ضيف قادم عليهم يسدوا باب البيت، إلا تقعد في ظل البيت تأخذ راحتك، وتعجل بالسفر." (ص 42 ـ 43).

 

القول بان أهل كردفان تبعوا الامام المهدي وناصروه لانه من أهل البحر(النيل) الذين ينظرون اليهم كونهم أنبل منهم حسب زعم يوسف ميخائيل،هو قول يناقض ما أورده ميخائيل نفسه في مذكراته من أن سبب مناصرة أهل كردفان للمهدي هو كراهيتهم للادارة التركية والتي وصلت ذروتها بتمرد زعماء العشائر والتجار وخروجهم المتكرر على مدير مديرية كردفان ألياس باشا ام برير.

 

وفوق ذلك ان المهدي عندما جاء كردفان جاء كقائد ثوري وقطب صوفي كبير تسبقه قصة انتصاراته الاسطورية على الحكومة التركية في الجزيرة أبا، وفشودة، وقدير، وكان من الطبيعي ان يرى فيه أهل كردفان المهيأين للثورة أصلا، رمزا ملهما لهذه الثورة على الترك ولم ياتهم زول بحر(ساكت) ليتاملوا في جمال صورته ونعومة بشرته وعلو حسبه ونسبه. فضلا عن ذلك لم يكن أهل كردفان وحدهم هم الذين توافدوا على المهدي زرافات ووحدانا، عند هجرته إلى كردفان بل وفد اليه أهل السودان من مختلف جهاته الاربع بمن فيهم أهل بحر النيل.

 

 فالثابت مثلا ان الامير عثمان دقنة لحق بالمهدي في كردفان من شرق السودان ولحق به الشريف محمد الامين الهندي جد الشريف حسين والشريف زين العابدين الهندي والالاف غيرهم من أهل البحر هاجروا اليه في كردفان. وفيما يروى عن هجرة الشريف محمد الامين الهندي قاصدا المهدي في شيكان انه عندما وصل الرهد ابو دكنة داهمته الحمى وهو على بعد بضع كيلو مترات فقط من شيكان فسأل عن المنطقة فقالوا له إنها الرهد، فقال: لهم كنت أحسب اني ملاقي ربي برهد الدندر وما كنت اعلم ان هنالك رهد آخر في الغرب.ثم توفى في لحظته، ولا تزال قبته بالرهد ابو دكنة تزار ويؤمها مريديه من مختلف الانحاء.

    

أما وصف يوسف ميخائيل أهل كردفان بالتوحش في قوله : " والأسما الوحشة من حِمِّير "ولد حمار"، ومَنْ يقول: "أنا اسمي أبو جعيرين"، ومن يقول "أنا اسمي دحيش، والكليب النكدرو، وهلما جرا. ناس متوحشين غير أنهم في الكرم والجود أجود من أهل البحر."

فلا يغيب عن فطنة القاريء، ان هذه ألقاب وليست أسماء. وأهل السودان عامة في الاجيال السابقة كانوا مولعين بالالقاب إذ  تجد الواحد منهم يتخذ له لقبا الى جانب اسمه الحقيقي. ومعلوم أن أسماء أهل كردفان والغرب عموما تغلب عليها الاسماء الكتابية ( ادم واحمد ومحمد وموسي وعيسي وهارون وصالح واسماعيل وعبد الله وعبد الرحمن وفضل الله الخ ..) وعلى وعمر وبابكر وعثمان والنور والريح وحماد وفضل الخ .. واتخاذهم هذه الاسماء لم يتنزل عليهم فجأة من السماء مع مجيء الثورة المهدية.

وكانت عادة اتخاذ الالقاب متأصلة عند عرب الجزيرة العربية في الاسلام وقبل الاسلام بل حتى أسماءهم كانت تغلب عليها اسماء الوحوش والحيوانات والجمادات مثل : أسد وليث ونمر وثور وضبع وكلب وكلاب وجحش وضب وحجر وصخر وكعب. قال قائلهم مفاخرا وهاجيا : " فلا كعبا بلغت ولا كلابا". وهذا القائل من شعراء العهد الاسلامي وليس من العهد الجاهلي.

 

اذن لا علاقة لاتخاذ الالقاب والاسماء الوحشية، بالتوحش والبربرية التي ألصقها يوسف ميخائيل بأهل كردفان اللهم الا اذا قلنا أن أهل بحر النيل وعرب الجزيرة العربية كانوا متوحشين أيضا لاتخاذهم الالقاب الوحشية اسماء. وكيف يكون الانسان كريما كامل الكرم على النحو الذي اثبته ميخائيل لاهل كردفان ثم يكون متوحشا في ذات الوقت، فالكرم أكثر خصلة إنسانية تتجلى فيها إنسانية الانسان في اسمى المعاني، فالكرم نقيض التوحش. أما القول ان أهل بحر النيل بخلاء لؤماء، ففيه تعميم مخل وتنميط غير مقبول في الدراسات الانثربولوجية. فليس كل أهل النيل بخلاء، وليس كل أهل كردفان بهذا المستوى من الكرم. 

 

إن صفة التوحش، مقحمة اقحاما، ولا محل لها من الاعراب في ذلك السياق. وواضح ان يوسف ميخائيل، وهو يستخدم هذا الوصف، كان واقعا تحت تاثير الخطاب الامبريالي الذي كان يصور أهل العوالم غير الاوربية بالبربرية والتوحش والبدائية وذلك لتسويق غرضهم الاستعماري في اخضاع وحكم هذه الشعوب بزعم نشر المدنية والحضارة . وكان الخطاب الامبريالي الانجليزي والتركي الخديوي يصور كل أهل السودان وليس فقط أهل كردفان بالهمجية والبربرية.

ومن دلائل تاثر يوسف ميخائيل بهذا الخطاب الاستعلائي ، وعى بذلك ام لم يعي، وصفه لنفسه بـ"غردون السودان". فقد أورد الدكتور ابو شوك في المقدمة في سياق البحث عن تسمية مناسبة للمخطوطة :" وتوجد بين أوراق المخطوط ورقة غير مرقمة وتحمل العبارات التالية :(وما توفيقي الا بالله .بمديرية كردفان .غردون السودان .يوسف ميخائيل. تحرير في 15-12-سنة 1934) وقد عدها صالح محمد نور من ضمن أوراق المخطوط وأعطاها الرقم 139 ." انتهى- . ويذكر أبو شوك ان "هولت" ، من الانجليز الذين كتبوا عن تاريخ المهدية ، استخدم  لقب " غردون السودان" لوصف يوسف ميخائيل.

 

أما عن مكانة اللغة العربية بين قبائل كردفان ، فلا توجد هنالك لهجة واحدة، اذ تتعدد لهجات القبايل الناطقة بالعربية بتعدد هذه القبائل وتنوعها، ومن المعلوم ان كردفان في تنوعها تمثل نموذجا لسودان مصغر. وقد فطن الدكتور أحمد  ابو شوك إلى طبيعية هذا التنوع الثقافي حين كتب في المقدمة: " كُتب المخطوط بلهجة عربية عاميِّة تغلب عليها سمات اللسان الكردفاني. وكردفان إقليم، مترامي الأطراف يضم بين جنباته بيئات متباينة من حيث طبيعتها الجغرافية، وتركيبتها البشرية. وقد جعله هذا الواقع البيئي موطناً خصباً لتنوع مفردات اللهجة العامية الكردفانية التي اتخذت من العربية الفصحى قاعدة لها، ثم جمعت بين دفتيها ألوان طيف شتى من اللهجات المحلية والمفردات المتنوعة بتنوع طبيعة الأنشطة البشرية، وثقافة العنصر الوافد إلى كردفان من داخل السودان وخارجه."

 

فمثلا قبائل وسط كردفان( الغديات والبديرية)التي عاش بينها يوسف ميخائيل وتاثر بلهجتها في كتابة مذكراته هي قبائل ناطقة بالعربية وليس لها لهجات اخرى بخلاف العربية وهم ينسبون انفسهم وينسبهم المؤرخون الى المجموعة العباسية الكبرى. ولكن تتميز لهجتهم بابدال الحروف الحلقية ( العين والحاء) فينطقونها همزة وهاء. الا أن هذه الظاهرة ليست شائعة بين سائر القبائل الناطقة بالعربية في كردفان كما هو الاعتقاد السائد عند أهل بحر النيل.

وفي شرق كردفان ( ام روابة والزريبة وشرق الرهد وشرق بارا ) نجد قبيلة الجوامعة التي تنتمي هي الاخرى الى المجموعة العباسية الكبري وتخلو لهجتهم العربية من إبدال الحروف الحلقية ما عدا الجيوب التي تساكن البديرية غربا ( السعاتة بخاري) ريفي ابو زبد. وقد فتح زعيم جوامعة شرق كردفان الشيخ المنا اسماعيل ابو البتول، مدينة بارا التي سقطت قبل الابيض وهو من كبار الصوفية ولكن وشي به جماعة من الانصار إلى المهدي زاعمين انه ينازع الامام محمد احمد في المهدية ، فحكم عليه بالاعدام.

وتشترك البديرية والجوامعة في غناء الدلوكة والطنبور(الكرير).ولهجاتهم شبيهة جدا بلهجات قبائل الشايقية خاصة في الامالة. ومن اغاني الطنبور عندهم التي كانت تبث عبر ربوع السودان :" ما دوامة ، الدنيا ما دوامة" ومن اغاني السيرة التراثية عندهم " الدار الما داري انا مالي بيها ، بس خلاص يا بلالي انا مالي بيه "  التي تتغنى بها عائشة الفلاتية. وهم قبائل زراعية مستقرة . وهنالك في الوسط والشرق من القبائل الصغيرة ، الشويحات والجلابة الهوارة والشنابلة والبزعة وغيرهم.

 

أما قبائل البقارة التي ناصرت في جملتها الثورة المهدية ومنهم الخليفة عبد الله، فتقع خارج الدائرة التي يتحدث عنها يوسف ميخائيل فالبقارة يتواجدون في جنوب غرب كردفان ويمتد نطاقهم عرضيا حتى جنوب وغرب دارفور حيث دار التعايشة التي ينتمي اليها الخليفة. والبقارة مجموعة اثنية معينة تجمعهم خصائص انثربولوجية مشتركة، وليس كل مجموعة ترعى البقر تنسب إلى هذه المجموعة كما هو الاعتقاد السائد. والبقارة معروفون بسرعة الكلام وطلاقة لسانهم وفصاحتهم ويغلب عليهم حس الفكاهة والجرأة في الحديث. ومنهم المسيرية والهبانية وألاود حميد والحوازمة وغيرهم. وعندما ينزح البقارة في الخريف شمالا إلى سهول وسط كردفان، يقولون: " نحن سايرين كردفال" ذلك ان كردفان في عرفهم تعني منطفة ما حول الأبيض وضواحيها الجنوبية حيث جبل كردفان الذي اخذت منه كردفان الاسم. وقد اشتهر البقارة بايقاع النقارة والمردوم( عبد القادر سالم).

 

وفي غرب كردفان( النهود والخوي وشمال ابوزبد) نجد قبائل الحمر بمختلف بطونها بلهجاتها البدوية العربية بزعامة الناظر منعم منصور. وفي شمال كردفان ( سودري وحمرة الشيخ ) هنالك قبائل الكاجا وعرب الكبابيش التي قاومت الثورة المهدية ولم تبايع المهدي ولا الخليفة. وجيرانهم الى الغرب الكواهلة( أم بادر) بزعامة عبد الله ود جاد الله، الذي كسر قلم مدير مديرية كردفان "مكمايكل" الانجليزي فصارت الحادثة مثلا سائرا "كسار قلم مكميك." ويشترك الكبابيس والحمر والكواهلة والشنابلة وقبائل دار حامد وبني جرار في غناء الدوبيت والجراري أوالجابودي ومثال له اغنية ( الليلة والليلة دار أم بادر يا حليلها بريد زولي).

 

وفي جنوب كردفان هنالك النوبة الذين اختلطت بطون منهم بالبقارة (الحوازمة) وكان أول هجرة المهدي غربا إلى جبل قدير في جنوب جبال النوبة حيث تتساكن قبائل النوبة وعرب كنانة ومنهم رابحة الكنانية واليهم ينتمي القاضي، صاحب الموقف النبيل في ثورة اكتوبر، عبد المجيد إمام. وإلى النوبة ينسب في أرجح الروايات قائد المهدية حمدان أبو عنجة. والنوبة مشهورين برقصة "الكمبلا" ولهم ألوان متنوعة من الفنون. هذا الى جانب الجيوب والبطون الصغيرة التي تساكن القبائل الكبري مثل المسبعات والداجو والزغاوة والبرقو والبرتي واغلب هذه البطون نزحت من دارفور الى كردفان في عهود مختلفة حيث امتزجت مع بقية السكان.

 

هذا، وقد تمثلت روايات الطيب صالح بعض صور التمازج الثقافي والاثني القومي بين قبائل شمال كردفان وقبائل المديرية الشمالية. جاء في رواية عرس الزين: " استيقظت البلد يوما على صياح الزين : أنا مكتول في فريق القوز. وكان ليلاه هذه المرة فتاة من البدو الذين يقيمون على أطراف النيل في شمال السودان، يفدون من أرض الكبابيش ودار حمر ومضارب الهواوير والمريصاب في كردفان . يشح الماء في أراضيهم في بعض المواسم فيفدون على النيل بإبلهم وأغنامهم للري .. لا يتزاوجون مع السكان الأصليين، فهم يعتبرون أنفسهم عربا خلصا وأهل البلد يعتبرونهم بدوا أجلافا .. ولكن الزين كسر هذا الحاجز .." 

ويقول الطيب صالح في( ملامح من سيرة ذاتية ) عن هذا التلاقح الثقافي : " وما أضفى على هذه المنطقة ثراء ثقافيا أن عرب الكبابيش كانوا يزورونها بين الفينة والأخرى، وهؤلاء عرب اقحاح كانوا يبحثون عن الكلاء والماء لابلهم وشراء التمر والذرة. وفي غدوهم ورواحهم اختلطوا بالناس ونظرا لأنهم من العرب الفصحاء فقد أدخلوا فصاحتهم في كلام الناس."

ثم يضيف: " حين يصلون المنطقة كانوا يدخلون على قراها حيوية شديدة. لأن أفراحهم وطريقتهم في الغناء مختلفة، عما اعتدنا عليه. كنا نطلق على رقصهم اسم ( الجابودي ) – يقصد الجراري – يقف الرجال في حلقة الرقص ويحمحمون بأصوات مكتومة حم – حم – حم ثم تدخل بناتهن البدويات إلى دائرة الرقص ويرقصنا رقصا بديعا – كان المشهد بالنسبة لنا قمة في الإثارة والنشوة .. وبعض هؤلاء استقروا في المنطقة ، وقد تعرضت لهذه الفئة في رواية ( عرس الزين )." ومن الشخصيات الكردفانية في روايات الطيب صالح ، سعيد عشا البايتات وحواء بت العريبي والدة الطاهر ود الرواسي وحليمة بائعة اللبن وغيرهم. 

 

 

abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]