في مقالها ( يا بياض الصباح والحسن أسود ) جريدة الاحداث/ سودانايل  25/4/2010 تحدثت الزميلة منى عبد الفتاح عن إعجابها باللون الاسمر حسب عبارتها وذلك من خلال اشارتها الى ما كتبه بجريدة النهار اللبنانية ياسين رفاعية وعلق عليه سمير عطا الله بجريدة الشرق الاوسط عن (القصيدة السوداء)  للشاعر اللبناني أمين نخلة الذي زعم ان شوقي قال عنه انه خليفته في امارة الشعر. وكان امين نخلة قد شبب في الخمسينات من القرن الماضي ، وهو في العقد السادس بفتاة (سودانية اللون) كانت تعمل سكرتيرة بمكتب الوحدة العربية بدمشق أيام عبد الناصر، وكتب فيها قصيدة سارت بها الركبان، جاء فيها:

 

لا تعجل فالليل أندى وأبرد

يا بياض الصباح والحسن أسود

ليلتي ليلتان في الحلك الرطب

جنح مضى وجنح كأن قد

ست، نحن العبيد في مجدك الأسود

أهل البياض نشقى ونسعد

 

انعشت ذاكرتي الاستاذة منى باشارتها هذه، بقصة تلك الحسناء السودانية اللون التي هام بها وليم شكسبير (1564- 1616)  عشقا حتى تفتت فؤاده وتقطعت نياط قبله فكتب فيها اجود القصائد الشعرية في تاريخ اللغة الانجليزية بلا منازع. لا شك ان الكل يعرف من هو شكسبير ولكن قلة قليلة تعرف ان من تقف وراء الابداع الشكسبيري العظيم فتاة سوداء البشرة.

نعم فتاة سوداء او سمراء ان شئت، ولك ان تندهش ما شاء لك الاندهاش كما اندهشت انا حينما وقفت على هذه المعلومة اول مرة. فالصدفة وحدها هي التي قادتني للتعرف على حقيقة ملهمة الشاعر والمسرحي العظيم. فقد وقع في يدي قبل بضعة شهور كتيب ( يناير 2010 كتاب دبي الثقافية ) يحتوى على ترجمات لقصائد من شكسبير نلقها من الانجليزية الى العربية الناقد والاكاديمي القدير كمال ابوديب الاستاذ بجامعة اكسفورد .

 

لفت نظري ان الشاعر يتحدث في اكثر من قصيدة عن معشوقة سوداء اللون ويتغنى بجمالها الاسود بجنون. فقلت في نفسي كما أشار ابو ديب ايضا : هل هذا معقول رجل أبيض ، قبل اربعمائة عاما او تزيد ، يعيش في ثقافة بيضاء حتى المشاش وفي جزيرة منعزلة عن العالم غارفة في غباش ضبابها لا تعرف شيئا عن الالوان الداكنة وخط الاستواء ولم يدغدغ خيالها بعد حلم الامبراطوية التي لا تغرب عنها الشمس ، يهيم هذا الهيام بالجمال الاسود ساخرا من (موت ) بني جلدته في  العيون الزرق ( الخضر) والصدور البيضاء والشعور الشقراء؟

 

لا ابدا ! لابد ان في الامر خطأ ما ! قلت في نفسي : ربما الترجمة لم تكن دقيقة او ربما ان السواد المقصود جاء على سبيل المجاز او نحو ذلك . ولكي اقطع الشكك باليقين قررت البحث والاطلاع  على الاصل الانجليزي للقصائد للمطابقة بين الترجمة والنص في لغته الاصلية وللتاكد من حقيقة هذه السمراء الملهمة  وحقيقة سوادها. 

وعند اطلاعي على الاصل الانجليزي لهذه القصائد لم اكتشف فقط حقيقة سواد بشرة ملهمة شكسبير وربة شعره ، وانما اكتشفت شكسبير الشاعر الحقيقي. فقد كنت قرأت من قبل عددا من مسرحيات شكسبير في لغتها الاصلية لكن وجدت كل ما قراته من قبل لا يداني ما وجدته في هذه القصائد من شعر.

يصف كمال ابو ديب هذه القصائد بقوله : " هي اكتناه للزمن والموت والحب والجمال والحق والشبق والوفاء والخيانة والاسئلة التي يواجهها الانسان في وجوده في العالم وبوح ببعض الاجوبة التي يقدمها شاعر متأمل متألم لمثل هذه الاسئلة".

ويضيف :" الجميع متفقون انها شعر عظيم لشاعر عظيم ،وانها أروع شعر شكسبير على الاطلاق وذروة انجازه الفني من حيث هو شاعر ومسرحي.".

 

كان شكسبير الى جانب المسرحيات المعروفة قد كتب مجموعة من قصائد الشعرعرفت باسم السونيتات Sonnets وهي قصائد قصيرة متساوية الطول لا تزيد الواحدة عن 14 سطرا . يبلغ عدد هذه القصائد 154 قصيدة وقد وضعت في ترتيب معين منذ صدورها في الطبعة الاولى بحياة شكسبير واخذت كل قصيدة رقما ثابتا بحيث صارت تعرف القصيدة برقمها حسب ذلك الترتيب. وقد خصص شكسبير حوالي 30 قصيدة (127-154) لمعشوقته المدللة الصدود النفور الحسناء سودانية  اللون.

وقد عرفت هذه القصائد بين دراسي وعشاق فن شكسبير بسونيتات السيدة السوداء  The Dark Lady Sonnets وقد يقول قائل ان Dark  تدل على ان السيدة داكنة البشرة وليست سوداء ولكن شكسبير لم يستعمل كلمة Dark وانما استعمل كلمة السواد Black  في وصف لون بشرتها ولون عينيها وشعرها بل انه استخدم تعبير الجمال الاسود Black Beauty تحديدا. يقول في القصيدة (السوناتة 127):

 

 In the old age black was not counted fair,

If it were, it bore not beauty’s name;

But now is black beauty’s successive heir.

…….

Therefore my mistress brows are raven black,

Her eyes so suited, …

Yet so they mourn, becoming of their woe,

That every tongue says beauty should look so.  

 

وأنقل هذا الاقتباس الى العربية دون التقيد بترجمة كمال ابو ديب:

 

لم يكن سواد اللون في الماضي يعد جميلا

وان كان كذلك فهو لا يسمى جمالا

اما الان فالجمال الاسود الوريث الشرعي للجمال

حاجبا حبيبتي سوداون كالغراب وعيناها كذلك

.......

حتى جعلت الكل يلهج: هكذا يجب ان يكون الجمال.

 

وفي القصيدة ( السوناتة 132) يتغنى بسواد لونها ثم يختم القصيدة بقوله:

 

Then will I swear beauty herself is black

And all they foul that thy complexion lack.

 

أقسم ان الجمال ذاته أسود

والقبيح ما ينقصه لون بشرتك !

 

وقد بلغ تعلق شكسبير بتلك الفاتنة السوداء حدا وضعها به في نفس المكانة التي كانت لآلهة  الحب عند الشعوب القديمة كالاغريق والرومان ، مثل إله الحب (كيوبيد)  ذلك الصبي الشقي الذي يصطاد العشاق بشرر يتطاير من مشعله المتوهج  دوما والذي يحمله معه اينما حل كلعبة طفل لاهي. وخيل لشكسبير حتى لو قدر للحب ان تنطفي جذوته بانطفاء ذلك المشعل فان هذه الحسناء السمراء تشعله من جديد بنظرة واحدة من مقلتيها الساحرتين .

هكذا يصور شكسبير ملهمته وربة بيانه ( السودانية اللون) في السوناتة الثالثة والرابعة والخمسين بعد المائة -  حيث تاخذ كيوبيد إله الحب سنة من نوم،  فتستغل احدى الحوريات هذه الفرصة وتسرق مشعله وتلقي به في بئر قريب فتنطفي جذوته. ولكن مشعوقة الشاعر بنظرة واحدة من عينيها تعيد للمشعل توهجه فيمس به كيوبيد صدر الشاعر للتاكد من فعاليته فيزداد جنونه بتلك الحسناء . وكان النبع الذي أطفات فيه الحورية نار المشعل قد تحول بسبب ذلك إلى عين ماء حامية ياتي اليها العشاق للشفاء من داء الحب بالاستحمام فيها. وحينما ياتي الشاعر كغيره للاستشفاء من غرام ست الحسن والجمال ، لا يشفي برغم استحمامه في ذلك  النبع الساخن ، فيتنبه ان شفاءه  يكمن في ذينك العينين اللذين اشعلتا نار الحب من جديد في مشعل كيوبيد. يقول شكسبير في "الكوبليه" الاخير من تلك السوناتة 153 :

 

But found no cure, the bath for my help lies

Where Cupid got new fire – my mistress eyes .

 لكني لم اجد في حمام النبع شفائي 

ان شفائي حيث اقتبس كيوبيد ناره الجديدة – عينا حبيتي. 

 

هذا، ولم تترجم كل السونيتات الى العربية حتى الان . وكان الراحل جبرا ابراهيم جبرا قد ترجم منها اربعين قصيدة واكتفى كمال ابو ديب في هذا الكتيب بترجمة خمسين قصيدة فقط.

 

الحقيقة ان قصة عشق  شكسبير لهذه السيدة السوداء ليست حالة فريدة في علاقة شكسبير مع اللون الاسود وتصالحه معه. فقد خلد  ايضا في واحدة من اعظم تراجيدياته شخصية سوداء اخرى هو Othello ( عطيل) الذي عرفت تلك المسرحية باسمه. فقد كان عطيل رجلا اسودا من  شمال افريقيا (دول المغرب العربي الان) عاش في فينيسيا ( البندقية ) بايطاليا في عصر النهضة الايطالية وقد اصاب نجاحا استثنائيا في ذلك المجتمع حتى وصل الى رتبة قائد بالجيش الايطالي. الى جانب شجاعته وبسالته كان رجلا وسيما.

ولبسالته وتفوقه في الفنون العسكرية ووسامته ، احبته ديدمونة وهي من بنات احدى الاسر النبيلة الاستقراطية في البندقية ابوها سنيتور في مجلس أعيان فينيسيا. لم يكن ابوها راضيا بزواجها من عطيل لكن استطاعت ديدمونة بعنادها وحبها الشديد لعطيل ان تتزوجه وفضلت عليه بعض النبلاء الذين تقدموا لخطبتها. ولكن بعض الحاسدين يدبرون له مكيدة ويوهموه بخيانة زوجته له. في البداية لم يصدق لثقته في مدى حب زوجته له ، ولكن يتمكن اؤلئك الحساد أخيرا من زرع الشك في قبله حتى سولت  له نفسه بدافع الغيرة قتل زوجته. وبعد قتلها تتضح  له براءتها  فيقتل نفسه.

والملاحظ ان شكسبير عالج في المسرحية الغيرة كغريزة وظاهرة انسانية دون ان يشير أي اشارة الى ان اختلاف لون عطيل له دخل في ذلك .

وكان مصطفى سعيد بطل رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال) قد شبه نفسه بعطيل في المجتمع الانجليزي حينما أحس اول امره بقبول في ذلك المجتمع واصاب نجاحا فيه . ولكن لما وقعت الماساة تنكر لعطيل ولنفسه وشكك في حقيقة عطيل و الصورة التي رسمها شكسبير لعطيل. 

 

نشيد الانشاد والحبيبة السمراء :

 

تذكرنا قصة حسناء شكسبير، بحسناء سوادء اخرى ربطتها علاقة حب برمز اسمى مكانة من شكسبير. ففي الكتاب المقدس هنالك ( سفر) كامل عبارة عن قصيدة حب مقدسة تسمى نشيد الانشاد Song of Songs The وينسبها الكتاب المقدس الى الملك سليمان وتسمي في بعض ترجمات الكتاب المقدس باغنية سليمان Song of Solomon The هذه الاغنية (السفر) حول حسناء سوداء اللون تفاخر تلك الحسناء بجمالها بنات اورشليم الغيورات منها ، وكانت تغيظهن قائلة نعم انا سوداء وجميلة :

 

"أنا سوداء وجميلة كخيام ، قيدار كشقق سليمان ،

لا تنظرن الى كوني سوداء لان الشمس لوحتني ".

 

وياتي هذا في أحد الترجمات الانجليزية كالاتي :

I am black, but comely, O ye daughters of Jerusalem

 Look not upon me, because I am black, because the sun hath looked upon me.    

 

وكثيرا ما تاملت في امر هذه الحسناء السوداء التي كانت محور سفر نشيد الانشاد بالكتاب المقدس. وفي نقاشات سابقة ، قد جازفت وربطت بينها وبين بلقيس الحبشية( انظر : بلقيس الحبشية – سودانيزاولاين ). نعم بلقيس الحبشية. فبلقيس عند اخواننا الاثيوبيين هي ملكة الحبشة  يسمونها (مكيدا ) ويقول كتابهم المقدس انها سافرت من الحبشية الى اورشليم لزيارة الملك سليمان وان سليمان تزوجها وحملت منه وعادت الى بلادها حيث انجبت منليك بن سليمان الذي جاءت منه السلالة (الامهرا)  الحاكمة في اثيوبيا. لذلك فان الاثيوبيين يعتقدون انهم شعب الله المختار. كل ذلك ورد في كتاب الحبشة المقدس ( كبرا نقوس) أي ( جلال الملوك) كبرا ، نظير  "كبر" العربية وتعني: عظمة جلال سمو ، ونقوس واحدها  "نقس"  وتعني ملك ومنها جاءت كلمة "نجاشي " في الكتابات العربية القديمة .

وكتاب ( كبرا  نقوس) يكاد يكون اعادة كتابة  للكتاب المقدس من لدن ادم إلى تاريخ دخول المسيحية ، ومن وجهة نظر اثيوبية تؤمن بان الحبشة هي أرض الميعاد.  

والجدير بالذكر أن بلاد النوبة (السودان) كانت تعرف في الكتابات القديمة باثيوبيا. ورد ذلك في (تاريخ هيرودت) حيث وصف بلاد الاثيوبيين بانها تقع جنوب اسوان بمصر وتمتد الى مروي القديمة حتى الحبشة الحالية. كذلك وردت كلمة اثيوبيا في الكتاب المقدس للاشارة الى بلاد النوبة كلما وردت كلمة كوش ايضا . واثيوبيا كلمة اغريقية تعني أرض السود او ذو الوجوه المحروقة (السمراء) .

 

وما دمنا نتحدث عن اللون الاسود فلا بد من الوقوف عند اسم (آدم) ودلالته. فآدم كلمة سامية لها نفس المدلول في سائر اللغات  السامية ( الآرامية والسريانية والعربية والعبرية والحبشية ) وهي اللغات السامية غير المندثرة. فآدم  تعني في العبرية والعربية ، أسمر مماثل للون وجه الارض و التراب والطين أي الاديم . اذن آدم صفة مشتقة من الأدمة وهي السمرة والسواد.

كذلك اسم حواء في اللغة العربية مشتق من "الحُوة" وهي السمرة فحواء صفة بمعني سمراء وطائر "الحُوة" معروف في بعض بوادي وارياف السودان وهو طائر ذو حمرة مشربة بالسواد الداكن. يقولون غنماية او معزة  "حوة" بفتح الحاء -  أي يختلط فيها السواد بالحمرة . 

فهل معنى ذلك ان الانسان الاول أسمر؟ نتسآءل ولا نقرر. ونضيف ان علماء الآثار كانوا قد عثروا قبل عقود على نموذج للانسان الاول باثيوبيا (الحبشة) وكان بقايا هيكل عظمي لانثي اطلقوا عليه اسم " لوسي".

 

 

 

abdou alfaya [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]