لا شك، عزيزي القارىء، أنك قد قرأت أو سمعت أو نطقت بالعبارة الفصيحة المأثورة: "لا أسكتَ اللهُ لك حِسّاً". ولكن هل توقفت عند معنى كلمة "حِس" هنا في هذا السياق؟ أم مررت عليها مرور الكرام كما يقولون؟.

تأتي هذه العبارة بمثابة الدعاء، وتُقال مثلا لمن تعودنا منه التواصل والمشاركة ثم انقطع فجاءة بلا سبب ظاهر، فنتساءل عنه قائلين: أين أنت يا أخي. لا اسكت الله لك حسا. والحِسُّ هو الصوت وذلك بدلالة السكوت المنطوي في الفعل "أسكتَ" أي لا أسكت الله لك صوتا، والمعنى، نسأل الله ألا يحرمنا من صوتك وأخبارك وصيتك. والصِّيت من الصوت كما تقول المعاجم.

أذكر حين كنا صغارا نعبر عن رغباتنا بالبكاء، كانوا يزجروننا صائحين: "اسكتْ! سكت حِسّك". والمعنى اسكت، أسكتَ اللهُ صوتك.

وهكذا فإن الحِس، في واحد من معانيه، في اللغة واللهجات، هو الصوت. ففي كل اللهجات السودانية العربية الحس الصوت. وكذلك في اللهجة العراقية واللهجة المصرية، هذا في حدود ما وقفنا عليه، ولكنها ربما كانت كذلك في لهجات عربية أخرى. وكلمة صوت لم تكن مستعملة في اللهجة السودانية قبل شيوع لغة التعليم والاعلام. فالسودانيون يستخدمون لفظ "حِس" باطلاقه للدلالة على الصوت. يقولون: حسه سمح، أي صوته جميل. وحسي انقرش، أي صوتي تآكل من كثرة الكلام. وتقول أغنية دار أم بادر: "بسمع لي حِس كوراك غرب الجبال ديلاك". حس كوراك، صوت صراخ، إشارة إلى الزغاريد وأصوات مغنيي الجراري.

وفي كل أمهات المعاجم مثل لسان العرب والقاموس المحيط والصحاح والجمهرة وغيرها تأتي لفظة الحس بمعنى الصوت. وقد وردت الإشارة اليها في قوله تعالى في وصف النار: (لا يسمعون حسيسها). يقول الطبري في تفسيره: "لا يسمعون حسيسها، صوتها.. ويعني بالحسيس: الصوت والحس، أي حس النار ولهبها. والحسيس والحس الحركة". انتهى.

وكذلك جاء بمعجم لسان العرب: "الحِس: الصوت.. وقوله تعالى: (لا يسمعون حسيسها) أي لا يسمعون حِسها وحركة تلهبها. والحسيس والحِس: الحركة. وفي الحديث: انه كان (ص) في مسجد الخيف فسمع حِس حية، حركتها وصوت مشيها.. وهو يصلح للإنسان وغيره".

هذا هو المعنى الخاص للحس. أما المعنى العام، فالحِسُّ هو الإحساس والشعور كما هو معروف. والحواس الخمس معلومة. يقول لسان العرب: "وحواس الإنسان: مشاعره الخمس وهي: الطعم والشم السمع والبصر واللمس". وتسمى كل واحدة حاسة. ولا يخفى ان استعمال الحس بمعنى الصوت في اللغة واللهجات، جاء على سبيل المجاز المرسل وذلك بإطلاق الكل (الحس) وإرادة الجزء (الصوت).
هذا، وتأتي حَسَّ في صيغة الفعل، في اللغة واللهجات، بمعنى شَعَر وعلِم وعَرِف. يقال في اللهجة السودانية: فلان ما حاس بي. أي لا يحس أو يعلم أو يشعر بما بي. وفي هذا المعنى يقول المغني: "كلمني حاول حِسَّ بي * كلمني ارمي اللوم عليّ". ويقال: ما حسيت بيك لما دخلت، أي لم أشعر أو أعلم بدخولك.
وفي ذلك يقول لسان العرب: "الحِسُّ: مِن أحسستُ بالشىء. حَسَّ بالشىء يحس حَسا وحِسا وأحس به وأحسه، شعر به..، وتقول ما أحسستُ بالخبر وما حسيتُ، أي لم أعرف عنه شيئا. وأحس الرجل الشىء إحساسا علم به".

وورد هذا المعنى في القرآن الكريم. يقول تعالى) :فلما أحَسَّ عيسى منهم الكفرَ) أي لما علم وشعر بكفرهم. ويقول تعالى) :هل تحِسُّ منهم من أحدِ أو تسمع لهم رِكزا). أي هل تعلم لأحد منهم خبرا أو تسمع له صوتا وصيتا. وأرى أن الفعل "تحس" في قوله: "هل تحس منهم من أحد" فيه إشارة أيضا إلى الصوت والحركة.
ومن معاني الحِسُّ أيضا التوجع، يقول صاحب اللسان:" الحس الوجع، ويقال: إني لأجد حِسا من وجع". ومن ذلك أننا نقول في كلامنا: فلان الليلة حاس شوية أو متحسس أو عنده حسس شوية. أي متوجع أو شاعر بوجع بسبب مرض او علة.

كذلك يأتي الفعل حَسَّ في كلامنا بمعنى استيقَظ من النوم. يقولون: يا فلان حِسْ. أي اصحو واستيقِظ. ويقولون: أنت حاس ولا نايم. أي مستيقظ أم نائم. يقول عبد القادر سالم في إحدى أغانيه: "يا ناس طول ليلي حاس * النوم جفاني قسّمته لجيراني". قوله: طول ليلي حاس، يعني ظللت مستيقظا طول الليل بلا نوم وذلك بسبب نار الغرام.

وأرى أنه لما كانت اليقظة هي يقظة الحواس، والنوم هو غيابها، فإنهم عبروا عن الاستيقاظ من النوم بفعل الحس والإحساس لإيقاظ الحواس لممارسة نشاطها الطبيعي. فأنت حين تهيب بالنائم أن يصحو بقولك: فلان حِسّ، فإنما تطلب منه أن يعيد تنشيط حسه وحواسه من غفوتها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////