لعله نافلة، القول إن اليوم يتألف من ليلٍ ونهار. ويُقسّم النهار في اللغة واللهجات إلى أوقات هي: الصباح والضحى والظهر والعصر أو العشية. أما الليل فيقسم إلى: مغرب وعشاء، ومساء، والمساء يشمل (المغرب والعشاء) وفجر أو صبح . هذا إلى جانب مترادفات أخرى في اللغة لا تعنينا لأغراض هذا المقال مثل: السحر والأصيل وغيرها. 

وهذه الأوقات وظروف الزمان، هي الأوقات الحقيقية، لكن كثيرا ما تجنح اللغة واللهجات إلى الاستعمال المجازي، فتستعمل جزءً من اليوم ليدل على اليوم كله من غير تحديد لوقت بعينه، وذلك من باب اطلاق الجزء وإرادة الكل (مجاز مرسل).
مثال ذلك استعمال كلمة "الليلة" بمعنى اليوم، كما هو الحال في اللهجة السودانية المعاصرة وكذلك اللهجة المصرية. يقولون في اللهجة السودانية مثلا: الليلة الدولار طالع. أي اليوم الدولار طالع. ويقولون في اللهجة المصرية مثلا: إمتى الكلام دا؟ الليلة دي؟. أو يقولون في مصر: النهار ده، وهي من لوازم كلامهم، حتى لو كان وقت الحديث ليلا. وهم يعنون بالنهار في هذا السياق، اليوم. وهذا جائز في اللغة. جاء بمعجم لسان العرب: "والنهار اسم لكل يوم..، والعرب تستجيز: تعالى النهار، في معنى تعالى اليوم". – انتهى.
وبذات المستوى، تستجيز العرب (من مجاز) استعمال كلمة "الليلة" بمعنى اليوم، مثلما نفعل نحن في كلامنا. يقول معجم لسان العرب: "قال: وإلى نصف النهار تقول فعلت الليلة..، أبو زيد: العرب تقول رأيت الليلة في منامي مذ غدوة إلى زوال الشمس..، قال أبو مالك: الهلال في هذه الليلة التي في السماء، يعني الليلة التي تدخلها، يُتكلم بذلك في النهار". – انتهى.
قوله: "وإلى نصف النهار تقول فعلت الليلة"، يطابق كلامنا حين نقول مثلا: نتقابل الليلة، أي اليوم وليس بالضرورة ليلا. وقد لا يكون هذا المعنى مقصورا فقط عند العرب إلى نصف النهار كما ذكر المعجم وربما يشمل النهار كله. أما قوله: "الهلال في هذه الليلة..، يُتكلم بذلك في النهار"، فيطابق قولنا نهارا: الليلة الشهر كم؟ أو قولنا: الليلة يوم عشرة في الشهر.
هذا هو الفاشي في اللهجات السودانية المعاصرة، وبخاصة في لغة المدن. ولكن يبدو أن الليلة بمعنى اليوم لم تكن فاشية في كلامنا كما هي الآن، حيث كانت كلمة "اليوم" هي الفاشية، حيث كانوا يقولون: اليوم دا. أو اليوم العلينا دا. أو الجماعة مسافرين اليوم، إلخ.
وفي مستوى آخر، كانت كلمة "يوم" تستخدم في اللهجة السودانية، بمعنى ساعتئذٍ أو وقتئذٍ. يقولون: يوم مشينا لفلان، ويوم قابلنا فلان. أي ساعة أو وقت أو لحظة كان ذلك. وفي الأغنية: "يوم قالوا لي الحبيب مسافر مشيت المحطة أجيب التذاكر"، أي حينما أو لحظة قالوا له ذلك.
وهذا الاستعمال معروف في اللغة. يقول لسان العرب: "وقد يراد باليوم الوقت مطلقا". وقد ورد هذا التعبير في القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: (يومَ يأتي بعضُ آياتِ ربِّك لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمنتْ من قبلُ).- الأنعام-158. يوم يأتي أي ساعة يأتي. وقوله: (يومَ ترونَها تذهلُ كلُ مرضعةٍ عمّا أرضعتْ). الحج-2. يوم ترونها أي وقت أو ساعة ترونها.
هذا، ومن أوقات النهار التي كانت فاشية في اللهجات السودانية العربية، كلمة العشية. وتعني وقت ما بعد الظهر أي العصر إلى مغيب الشمس. ولكن بعد شيوع لغة التعليم والإعلام اختفت كلمة عشية، أو كادت، من كلامنا.
وتنطق العشية أيضا عندنا، بالإمالة: العشي. وهكذا وردت في القرآن الكريم، عشية وعشي. قال تعالى: "فأوحَى إليهم أن سبحوا بُكرةً وعَشِيّا" مريم -11. وقال عز وجل: "كأنهم يومَ يرونها لم يلبثوا إلا عشيةً أو ضحاها". النازعات- 46. وقال تعالى: (إذ عُرِض عليه بالعشِي الصافناتُ الجيادُ). ص- 31 . جاء بلسان العرب: "العشي والعشية: آخر النهار. قال الأزهري: يقع العشي علي ما بين زوال الشمس إلي وقت غروبها، كل ذلك عشي، فإذا غابت فهو عشاء".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////