كلمة بوبى (بالألف المقصورة، وليست بوبا كما هو شائع، لأن مضارعها يبوبي، يائي وليس واوي) كلمة سودانية خالصة إذ لم أجدها بأمهات المعاجم العربية وتعني: اشتد سطوعه. يقولون: النار بوبت إذا اشتد أوارها واشتعلت. ويقولون: القمر بوبى إذا اشتد نوره وتلألأ. 

وقد استعير تعبير "القمر بوبى" مرتين في فترتين مختلفتين لوصف الموضة. ففي الأربعينيات والخمسينيات تقريبا من القرن الماضي أطلق التعبير على قُرط أو حلية ذهبية تلبس بالأذن أو فَدْوة في اللهجة السودانية.
وفي الستينيات والسبعينيات أطلق على موضة "سفنجة" شبشب نسائي كانت تصنعها شركة "باتا" تمتاز بالمتانة والثخن لها أرضية حمراء وسير أبيض. وأذكر أننا أدركنا هذا النوع من "السفنجة" في طفولتنا وكان الأسم شائعا.
وقد خلّدت بعض الأغاني السودانية هذه الموضة "القمر بوبى" حيث وردت الإشارة إليها في أغنيتين من أشهر الأغاني لمطربين كبيرين هما: محمد وردي وعبد الكريم الكابلي. ومن الراجح أن الكابلي يشير في أغنيته (اوبريت مروي) إلى الشبشب السفنجة حيث يقول: "يلا نمشي النيل بين رمال ونخيل .. بوبى عليك تقيل، القمر بوبى عليك تقيل". وهو يقصد ان تلك السفنجة ثقيلة عليها في مشي الرملة.
ولكن ليس من الواضح من نص أغنية وردي إلى أي من الموضتين يشير الشاعر اسماعيل حسن بتعبير" القمر بوبى". هل يشير إلى القرط الذهبي أم إلى السفنجة؟ ولكن إذا افترضنا أن أغنية وردي في الأصل أغنية شعبية عالجها اسماعيل حسن شعريا وبنى عليها (وهذا مجرد ظن مني، وبعض الظن إثم)، فإنها تكون بذلك أقدم من أغنية الكابلي وبالتالي من الراجح أن تكون الإشارة فيها إلى قرط الذهب. والمعنى أن جمال الفتاة قد زاد اشتعالا بذلك "الحَلَق" أو فدوة الذهب.
و"الحَلَق" أي الحلقة الذهبية التي تلبس في الأذن كلمة حديثة في اللهجة السودانية وأظنها دخلت إلينا من مصر. و"خُرُس" هي الكلمة الأصلية في لهجتنا لوصف تلك الحلقة التي تلبس بالأذن. وهي عربية وفي المعجم بالصاد "خُرص". جاء بمعجم لسان العرب: "الخُرص والخِرص بالضم والكسر: حلقة صغيرة من الحلي وهي من حلي الأذن. وفي الحديث: ان النبي ص وعظ النساء وحثهن على الصدقة فجعلت المرأة تلقي الخُرص والخاتم". انتهى.
ومن أنواع الخروس في الثقافة السودانية "الفَدْوة" التي أطلق عليها في فترة ما تعبير "القمر بوبى". يقول عبد الله عبد الرحمن في كتابه (العربية في السودان) 1922: "والفدوة عامة في جميع السودان غير عرب كردفان وقد يلبسها من كردفان الجوامعة". ص 26. وهذا صحيح فالفدوة كانت معروفة عند الجوامعة بشمال شرق كردفان وربما معروفة لدى قبائل كردفانية أخرى. وجمع فدوة في كلامنا فِدو أو فِداو.
وقد وردت الفدوة بكتاب الطبقات لود ضيف الله، حيث جاء بسيرة الشيخ حسن ود حسونة: "وكل واحدة تابعاها فرخة في اذنيها فدافيت". ص 146. ونرى أنه يوجد خطأ في كلمة "فدافيت" والصحيح "فداويت" إذ يبدو أن المؤلف استخدم صيغة الجمع الفصيح لفدوة فكتبها "فداويت" ولكن حدث فيها تصحيف من الناسخ فجاءت خطأ فدافيت. والفَدوة قُرط أو خُرس (حَلَق) من الذهب أو الفضة يلبس في أعلى الأذن كما سبقت الإشارة.
غير أن المحقق (يوسف فضل) أبقى على كلمة فدافيت معللا ذلك بقوله: "يبدو ان كلمة فداية وجمعها فدا او فدايات وهو قرط يصنع من الذهب ويلبس في الأذن، اقرب صوتا الى ما ذكره المؤلف". ص 141. وهذا غير صحيح، والكلمة الصحيحة كما ذكرنا هي "فدوة" وجمعها فِدو أو فِداو وقد جمعها المؤلف، فيما نرى، فداويت وليس فدافيت كما ورد خطأً بالنص.
وبالرجوع إلى أغنية محمد وردي "القمر بوبى" نجدها قد تضمنت إشارات إلى عدد من أشكال الموضة التي كانت سائدة. ومن ذلك الإشارة إلى "توب الزراق" وذلك في قوله: "الزراق فوقها تقول حرير". وثوب الزراق ثوب قطني نسائي، بسيط ورخيص يلبسه فقراء الريف، وكان يصبغ بصبغة (النيلة) التي تجعل لونه أزرقا يعني blue ومن الاسم يبدو أنه صناعة مصرية لأن الأزرق في اللهجة السودانية مطابق للأسود ولون ذلك الثوب blue وليس أسودا. وقد وجدت نصاً للأغنية منشور بالشبكة العالمية كتبت فيه كلمة زراق "زراب" فتأمل!
كذلك تضمنت الأغنية إشارة إلى بعض العطور ومن ذلك العطر الباريسي "فرير دمور" الذي لا يزال سيد الموقف لاستعماله في دق الريحة الناشفة التي من لوازم الزواج عندنا. وكذلك إشارتها إلى ريحة (فصيحة) المايقوما، وريحة بنت السودان، وهما صناعة سودانية. تقول الأغنية: "اتي ريحتك دمور فرير ولا بت السودان أصيل".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.