القاريء المتعجل والمعتاد على اللغة الفصحى في التأليف قد يصدمه استخدام صاحب كتاب الطبقات اسلوب لغة الكلام الدارج في الحكي عن سير واخبار الأولياء والصالحين والعلماء الذين ترجم لهم وربما اصدر هذا القاريء بسبب ذلك حكما متعجلا على المؤلف يرميه فيه بالركاكة والجهل وقلة العلم والمعرفة وضعف التحصيل في اللغة الفصحى. 

ولكن الشاهد أن المؤلف كان فقيها وعالما في اللغة ولم يفعل ذلك لقصور باعه في الفصحى غير انه استشعر بحسه الفني ووعيه المتقدم، الحيوية التي يضفيها استخدام لهجة الكلام في السرد. فهو أراد نقل ثقافة عامة الناس وما يعبر عن وجدانهم ومعتقداتهم ورأى أن لغة الكلام هي الأقدر والأصدق في تصوير واقع الناس الاجتماعي والثقافي والديني.
وليس أدل على علو كعب المؤلف في العربية وعلومها من مقدمة (خطبة) الكتاب والتي كتبها بلغة عربية فصحى مبينة لا تشوبها شائبة من لغة الكلام. بل أنه استخدم الفصحى في ثنايا سرده للتراجم لكن عندما يسترسل في الحكي عن الشخصية وعندما تاتي القصة في شكل حوار بين أكثر من شخصية، ينتقل من الفصحى إلى لغة الكلام. فهو قد زواج بين الفصحى واللهجة الدراجة في التأليف.
وبذلك يكون محمد النور بن ضيف الله رائدا في كيفية توظيف لغة الكلام في السرد القصصي. فاذا كان الجدال قد دار طويلا، بين الأدباء والنقاد المعاصرين، ولا يزال محتدما حول استخدام لهجات الكلام في تاليف القصص والروايات والمسرحيات، فإن المؤلف قد حسم هذه القضية حول المزاوجة بين الفصحى والدارجة قبل ثلاثة قرون. فهو قد كان واعيا منذ ذلك الوقت بالقيمة الجمالية للغة الكلام في فن القص.
إن استخدام صاحب كتاب الطبقات لغة الكلام في الكتابة لا يشهد بريادته في لغة السرد المعاصر وحسب بل يشهد على أنه قد قدم لنا بذلك خدمة لا تقدر بثمن وهي حفظ الصورة التي كانت عليها اللهجة السودانية العربية الجامعة قبل ثلاثمائة سنة وهي الفترة التي مرت على تاليف الكتاب (1753م) وبذلك وفر المؤلف معينا لا ينضب للباحثين في فقه اللغة المقارن واللغويات.
يقول المؤلف في المقدمة عن أسباب تأليفه للكتاب: "وبعد فقد سالني جماعة من الاخوان، افاض الله علينا وعليهم سحايب الاحسان، وأسكنا واياهم أعلى فراديس الجنان بحرمة سيد ولد عدنان، ان أورخ لهم مُلك السودان، واذكر مناقب أوليائها الاعيان. فاجبت سؤالهم بعد الاستخارة الواردة في السنة والالهام، ولم يكن لاسلافنا واسلافهم وضع في هذا الشان الا ان اخبارهم متلوة عند الخاص والعام، منها ما بلغ حد التواتر عندهم. فاحببت ان أذكر ما اشتهر وتواتر من تلك الاخبار. وذلك لان الخبر المتواتر عند الاصوليين، من الاقسام اليقينية التي تفيد العلم بالشئ وتنفي عنه الشك والظن".
"فاقتديت بجماعة من المحدِّثين والفقهاء والمورخين فانهم ألفوا في في التاريخ والمناقب كالامام عبد الغافر الفارسي في (تاريخ نيسابور) والامام جلال الدين السيوطي في كتاب (حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة) والحافظ بن حجر الف كتابا في مناقب علما عصره سماه (الدرر الكامنة في اعيان الماية الثامنة) والشيخ احمد المقري الف كتابا سماه) نفح الطيب في اخبار ابن الخطيب)..". انتهى. تحقيق يوسف فضل، ص 35.
ما جاء بالمقدمة ينم عن تمكن المؤلف من العربية وعن سعة اطلاعه على كتب التراث العربي الإسلامي ومصطلحات علومه وفنونه. غير أن الكثيرين لم يدركوا مغزى اختيار المؤلف الواعي لاستخدام اللهجة العامية واتخذوا من هذا المنحى في التأليف دليلا على ضعف العربية في مملكة سنار وسائر العلوم لظنهم ان هذا النهج كان هو أسلوب التأليف الكتابي السائد في ذلك العهد. وكل ذلك غير صحيح. فقد ازدهرت في مملكة سنار ساير علوم العربية والعلوم الإسلامية ازدهارا كبيرا وكانت الخلاوي والمساجد بمثابة مدارس للعلم يفد إليها التلاميذ من مختلف بقاع السودان ومن شرق افريقيا وغربها.
كان التلاميذ يدرسون بعد حفظ القرآن، الفقه على المذهب المالكي: كتاب (مختصر خليل) وشروحاته و(الرسالة) لابن أبي زيد القيرواني و(متن العشماوية) للعشماوي الرفاعي المصري و(الأخضري) لعبد الرحمن بن محمد الأخضري الجزائري وغيرها. وفي علم القراءات يدرسون (ابن الجزري) الدمشقي و(الشاطبية) للإمام الشاطبي الأندلسي. وفي النحو يدرسون (الأجرومية) و(ألفية ابن مالك) وغيرها، وفي التوحيد وعلم العقائد يدرسون (السنوسية) وغيرها إلى جانب علم الكلام (الفلسفة الإسلامية) والمنطق. وكل ذلك مما ورد في كتاب الطبقات.
وكانت سنار منفتحة علميا على العالم العربي والإسلامي حيث كان يفد إليها كثير من العلماء من الحجاز ومصر والمغرب، وكان كثير من الطلبة السودانيين يهاجرون إلى مصر والحجاز للدراسة ثم يعودون ليدرِّسوا في الخلاوي والمساجد. وكان رواق "السنارية" بالأزهر من أشهر مقامات الوافدين لتلقي العلم هنالك. ومن أوائل من هاجروا إلى مصر طلبا للعلم إبراهيم البولاد أحد أولاد جابر الأربعة والذي عاد ليدرَّس بدار الشايقية حيث وفد إليه كثير من الطلبة من مختلف أنحاء السودان وعادوا لنشر التعليم في أقاليمهم ومنهم أقطاب في الصوفية. يقول عنه ود ضيف الله: "دخل الى مصر وتفقه على سيدي محمد البنوفري واخذ عليه الفقه والاصول والنحو. ثم رحل الى ترنج ودرَّس فيها (خليل) و(الرسالة) وهو أول من درَّس خليل ببلاد الفونج وشدت اليه الرحال..". تحقيق يوسف فضل، ص 45.
وكانت هنالك مراسلات ومساجلات بين علماء ومشايخ سنار وعلماء مصر ومن أشهرها المساجلات بين الشيخ إدريس ود الأرباب والشيخ المصري علي الأجهوري حول السجاير أو التنباك بعبارة ود ضيف الله. فقد أفتى الأجهوري بإباحته وعارضه الشيخ إدريس الذي أفتى بحرمته. ص 52.
بل ان بعض العلماء السودانيين كانوا يهاجرون للتدريس بالحجاز حيث تفوقوا هنالك نذكر منهم الشيخ عبد الله العركي الذي درَّس على كرسي (مقام) الإمام مالك بالمدينة سنين عددا وكذلك العالم الحجة عبد اللطيف بن الخطيب عمار الذي درَّس بالحرم المكي والذي قال عنه ود ضيف الله بالطبقات: "هو شيخ الاسلام الفقيه النحوي الأصولي المتكلم المنطقي المجتهد في المذهب الشافع حج الى بين الله الحرام .. وجاور بسببها، ومدحه بعض أهل الحرم فقال فيه نثرا جميلا بديعا: هو عالم الديار السنارية وعلاّمة الأقطار الإسلامية، ومدحه شيخه في علم المنطق الشيخ نور الدين التميمي بقصيدة..". تحقيق يوسف فضل، ص 299.
ونتوقف هنا لإيراد بعض الإشارات من سير العلماء والمشايخ بكتاب الطبقات لإعطاء صورة موجزة عن الحركة الفكرية والعلمية بمملكة سنار.
جاء مثلا بسيرة المضوي بن محمد أكداوي: "وشرع في تدريس (الرسالة) والنحو وعلم الكلام وعلم الاصول والمنطق وعمرت الحلقة بشندي. واجتمع عليه خلق كثيرة. وألف كتبا شانها ان يكتبن بمداد الذهب منها اربعة شروح على أم البراهين، والعمدة، التي عم النفع بها في ساير الاقطار و(الوسط) و(الصغير) و(الحاشية) التي هي أجل مؤلفاته وشرحان على (يقول العبد في بدء الأمالي) الكبير في مجلد ضخم نحو ستين كراس والصغير في سبعة كراريس، وشرح (الجزرية) شرحا مفيدا وشرح (عقيدة الرسالة) و(الأجرومية) وغيرها". ص 101.
و(أم البراهين) والمعروفة اختصارا بالسنوسية للإمام محمد بن يوسف السنوسي التلمساني وهو كتاب في علم الكلام على مذهب الأشاعرة يتألف من ثلاثة أجزاء: أم البراهين الصغرى والوسطى والكبرى. ويقصد بالحاشية الحاشية التي كتبها الشيخ المضوي على كتاب أم البراهين. والجزرية كتاب في علم القراءات لابن الجزري الدمشقي والأجرومية كتاب معروف في علم النحو. والجدير بالذكر ان التأليف في الأصول قد توقف في العالم الإسلامي في ذلك العهد واقتصر على كتابة الشروح والحواشي على المتون.
وجاء في سيرة عمار الخطيب والد عبد اللطيف، وأشهر خطباء سنار: "ولد بسنار وسافر الى مصر والحجاز لطلب العلم والحج وقرا ساير الفنون الفقهية والعقلية والنقلية وعلم النحو واللغة والاصول والمنطق والتصوف وساير الفنون..، وجاب معه رحلين أو ثلاثة كتب. وقد وجدت بخطه: "وكان سفرنا من سنار لطلب العلم بالأزهر والحج في يوم الجمعة بعد العصر خامس عشر في رمضان سنة سبع وسبعين بعد الألف من الهجرة النبوية". ص 259.
كذلك جاء في ترجمة حامد اللين بن الفقيه سليمان بن حامد اب عصا: "قرا علم الكلام على مكي النحوي. وتفقه على الشيخ الزين. واشتغل بتدريس الرسالة والعقايد وجمع الكتب. وهو أول من جاب شرح عبد الباقي على خليل من مصر والشبراخيتي على العشماوية. وكان له مع والدي ضيف الله صحبة". ص 182.
وجاء بترجمة غانم أبو شمال: "غانم أبو شمال الجامعي الكردفاني، شرح السنوسية شرحا مفيدا". ص 311.
وعن المام علماء ذلك العهد بالفلسفة وعلم المنطق يقول المؤلف في سيرة الشيخ يعقوب بن الشيخ بانقا: "رايت له كلاما على الهيولي فدل على تفوقه في علم الكلام. قال: واعلم ان الخلاف الواقع بين اهل السنة والحكماء في الهيولي ليس في وجودها وعدمها، بل هي موجودة، وانما الخلاف بينهم في قدمها وحدوثها. فهيولي ابناء ادم التراب، وهيولي ابليس النار، وهيولي الملايكة النور، وهيولي السرير وعصا موسى الخشب. انتهى". ص 373.
والهيولي Hyle مصطلح فلسفي وهي كلمة إغريقية وتعني المادة الأولى التي خلق منها الكون والموجودات كما تعني أصل الشئ وجوهره في فلسفة أرسطو. وهو يقصد بالحكماء الفلاسفة.
كل ذلك وغيره يؤكد على قوة الحياة التعليمية والفكرية في مملكة سنار وعلى متانة العلائق الثقافية والعلمية بينها وبين المراكز العربية الإسلامية.
هذا، ومن الأسباب الأخرى التي اتخذها البعض ذريعة للزراية بكتاب الطبقات هو كونه أفاض في ذكر كرامات الأولياء واسهب في الحديث عن خوارق العادات التي ياتون بها ورأى البعض في الغلو في ذكر هذه الخوارق ضربا من الشعوذة ونشر الخرافة فغضوا من شأن الكتاب.
الحقيقة لقد كان المؤلف أمينا في نقل ثقافة عصره، فالتصوف كان سيد الموقف ليس في السودان وحسب بل في سائر الأقطار الإسلامية في تلك العصور. وقد اقتدي المؤلف في ذلك بكتاب (الطبقات) للشعراني المصري والذي أشار إليه المؤلف كثيرا في ثنايا الكتاب، وما حواه كتاب الشعراني من كرامات وخوارق عادات يفوق ما أورده ود ضيف الله.
ولكن حتى وإن كنا من الذين لا يؤمنون بالكرامات الصوفية، علينا أن ننظر إلى ما جاء بالكتاب بوصفه تراثا إنسانيا جماليا على غرار ما ينظر به الغربيون إلى التراث الأسطوري الإغريقي والروماني. ومهما يكن يعد الكتاب كنزا معرفيا لا ينضب في اللغة والتاريخ والإثنلوجيا والإثنوغرافيا والأنثوربولوجيا والميثيولوجيا.

المراجع:
1- محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الاولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق وتعليق وتقديم: الدكتور يوسف فضل حسن، دار التاليف والترجمة والنشر- جامعة الخرطوم، الطبعة الرابعة 1992
2- محمد النور ود ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الاولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، إعداد فضيلة الشيخ القاضي/ إبراهيم صديق، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، ط،3 ،2012
3- أحمد الحاج أبو علي، مخطوطة كاتب الشونة في تاريخ السلطنة السنارية، تحقيق الشاطر بصيلي، الدار السودانية للكتب،2009

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.