عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة

كما شددت في رسالتي المفتوحة لدكتور غازي صلاح الدين (الأحداث والرأي العام، يوليو 2009)، فإن الواجب الوطني يحتم على شريكي الحكم، بحكم قيادتهما لهذه المرحلة التاريخية الدقيقة، بل وعلى كل القوى السياسية السودانية، ابتدرا الحوار حول معادلة الوحدة والانفصال بكل صراحة وأمانة وصدق وشفافية، والدعوة الجادة لجرد حساب موضوعي لما فعله، وما لم يفعله، كل طرف، من ناحية السياسات والبرامج، لجعل الوحدة "جاذبة" كأحد مستحقات الاتفاقية والدستور. فبدون أن يحدد كل طرف موقفه بوضوح من وحدة البلاد ومناقشة العقبات التي تعترض سبيلها بصراحة ووضع كل الضمانات المطلوبة، يصبح الشريكان، ولو على شاكلة "كل شيخ بطريقته"، كلاهما يدفعان بالجنوبيين للتصويت لصالح الانفصال، فليستعدا لتحمل تبعات سياساتهما على مستقبل البلاد والعباد! وللتعبير عن قراءتي لموقف كل من شريكي الحكم من وحدة البلاد، استشهدت بطرفة الزعيم الراحل د. جون قرنق في تقييمه لموقف أحد الرفاق من انقلاب الناصر، إذ قال بعربي جوبا "فلان ده عندو كراع معانا وكراع مع الانقلابيين، لكن كراع (كبيرة) بتاعو مع ناس الانقلاب!". فيبدو للمراقب المدقق أن لكل من الشريكين في موقفهما من مستقبل الوطن قدم في موقع الوحدة، والأخرى في موضع الانفصال، ولكن الأخيرة أكبر وأضخم!

 

ربما كانت ندوة "الوحدة وتقرير المصير"، التي نظمتها بعثة الأمم المتحدة بالاشتراك مع مؤسسة اتجاهات المستقبل (2-3 نوفمبر)، هي أول محاولة جادة لاستكشاف موقف شريكي الحكم واستنطاقهما حول هذه القضية وذلك بهدف ترجيح أو، بمعنى أصح، وضع القدم الأضخم في موقع الوحدة! ولعل هذه المحاولة جاءت بعد أن كادت كلتا قدمي الحركة الشعبية أن تنزلقا إلى موضع الانفصال على خلفية ما أثاره التصريح الأخير لرئيس الحركة الشعبية في كنيسة كتور بجوبا، وما تبعه من تراشق لفظي حاد بين قيادات الحزبين الحاكمين، مما عمق الهوة وباعد الشقة ين الشريكين وخلف مناخا سياسيا محتقنا ومسرحا مشحونا بتبادل الاتهامات، فكل طرف يحمل الآخر مسؤولية الدفع بالبلاد نحو الانفصال! وفى جهد مقدر لتجسير الفجوة وردم الهوة بين الشريكين لاستكمال استحقاقات التحول الديمقراطي بما يحقق إشاعة الاستقرار واستدامة السلام والتبادل السلمي للسلطة، استضاف منظمو المنتدى (المذكور أعلاه)  إثنين من أرفع قيادات الحزبين سياسيا وتنفيذيا (دينق ألور ود. غازي صلاح الدين) للحوار حول معادلة الوحدة والانفصال، مع دعوة د. فرانسيس دينق لتقديم رؤية توفيقية بين الوحدة وتقرير المصير، لعلها تساعد الشريكين في تقريب موقفهما بما ينعكس إيجابا على نتيجة الاستفتاء المرتقب على تقرير المصير. إلا أن كل ذلك لم يمنع وزير الخارجية ومستشار رئيس الجمهورية من الاشتباك وتبادل الانتقادات بنبرات قاسية وغاضبة، دعا فيها دينق ألور إلى "طلاق سلمى" بين الشمال والجنوب بعد أن حطم التمسك بقوانين الشريعة، على حد قوله، الأمل الأخير في وحدة البلاد!

 

على خلفية هذا المشهد، في رأيي أن أهم ما خرجت به الندوة هو الحاجة الماسة للدراسة المتأنية والبحث الأمين في الأبعاد الحقيقية لخياري الوحدة والانفصال، وما يترتب على كل منهما، خاصة التبعات السالبة للانفصال، في داخل كيانات القوى السياسة، وعلى رأسها الشريكين في الحكم. فالمراقب الحصيف للساحة السياسية لابد أن يكون قد لاحظ بأن تعثر الحوار بين القوى السياسية يرجع بصورة أساسية لغياب الحوار الاستراتيجي، وليس المفاوضات الآنية حول مكاسب السلطة والثروة، داخل هذه القوى نفسها. لذلك أميل للاعتقاد بشدة أن الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني يحتاجان بقوة للحوار الجاد والنقاش الصريح في داخل مؤسسات كل منهما ووسط جماهيريه، لكي يكون الحوار بينهما فاعلا ومثمرا ويسفر عن نتائج ايجابية تحمى وطننا شر القتال والتمزق.

 

تدفع هذه المساهمة بأن مثل هذا الحوار يمثل تحديا رئيسيا يواجه الحركة الشعبية، على وجه الخصوص، وهى مقبلة على استحقاقي الانتخابات العامة والاستفتاء على تقرير المصير. فالحوار وحده هو الكفيل باستجلاء موقف الحركة من وحدة السودان من خلال تطوير إستراتيجية واضحة وبرنامج سياسي على أساس المانيفستو الذي أجازه مؤتمرها العام الثاني في مايو 2008.

 

ضرورة الحوار مع النفس

 

إذن، فالحركة ملزمة الآن بالشروع فورا في هذا الحوار، ولو جاء متأخرا، وذلك لمزيج من الأسباب الموضوعية والذاتية:

 

       رؤية الحركة الشعبية لمستقبل البلاد، منذ البدايات الأولى للحركة، هي بناء سودان موحد على أسس جديدة: السودان الجديد، والتي عملت بانتظام على ترجمتها في إستراتيجية وسياسات منذ ذلك الحين، حتى بعد إقرار حق تقرير المصير كهدف ثان.

       وفرت هذه الرؤية الوقود الفكري للحركة الشعبية والجيش الشعبي لقيادة النضال ضد كل أشكال الحكومات في الخرطوم منذ 1983، كما استرشدت بها في إقامة تحالفاتها مع باقي القوى السياسية السودانية و في تأسيس علاقاتها الخارجية. وعليه، فإن البرنامج السياسي للحركة وأهدافها ورسالتها ظلت تقوم على هذه الرؤية في الفترة 1983-2005، والتي وفرت أيضا الأدوات الصحيحة للتحليل مما ممكن الحركة من النجاح في تشخيص الوضع السياسي الداخلي بتعقيداته الإقليمية والدولية.

       تظل رؤية السودان الجديد هي مصدر التأييد الشعبي المتزايد الذي كسبته الحركة في كل أنحاء السودان، وفى الشمال على وجه الخصوص. فعضوية الحركة قومية في طبيعتها ولا تقتصر فقط على الجنوبيين، بل ضمت أعدادا كبيرة من السودانيين من غرب وجنوب شرق وشمال السودان، منهم من شارك في الكفاح المسلح بينما اختار آخرون العمل السياسي للتعبير عن مساندتهم ودعمهم لأهداف الحركة. فقطاعات واسعة من السودانيين ترى في الحركة الشعبية القوة السياسية المنظمة الوحيدة التي تملك رؤية واضحة.

       وفوق ذلك كله، فالحركة الشعبية هي التي دعت لحق تقرير المصير في أعقاب انشقاق الناصر بعد أن أقره مؤتمر توريت في سبتمبر 1991 كموقف تفاوضي مع الحكومة، ومن ثم تمت إضافته كهدف ثان للحركة، بجانب هدفها الرئيس لبناء السودان الجديد، في المؤتمر الأول بشقدوم في أبريل 1994.

 

التوفيق بين الوحدة وتقرير المصير (1991-2005)

 

ولكن، انشقاق الناصر لم يكن هو الانقسام الأول داخل صفوف الحركة الشعبية والجيش الشعبي. فقد اصطدمت رؤية السودان الجديد وتبنى الأهداف والبرامج المتسق معها بصعوبات وعقبات منذ البدايات الأولى للحركة في 1983، فانشقت بعض قيادات الحركة مع بعض قيادات الآنانيا بحجة أن هدفهم هو القتال من اجل استقلال جنوب السودان. ولكن، هذه المرة وفى أعقاب انقلاب الناصر بدأ الشماليون في الحركة الشعبية و الجيش الشعبي بالتساؤل عن التزام الحركة بمشروع السودان الجديد، وهو الهدف الذي انضموا أصلا للحركة من أجلة. فقد شعر الشماليون بأن الدعوة لتقرير المصير، بدافع الانفصال، تهددهم بالخطر ولسان حالهم يقول "نحن انضممنا إلى الحركة الشعبية و قدمنا تضحيات جسام والآن نشاهد الناس يسلكون اتجاها مختلفا". لذلك عقدوا مع الزعيم الراحل للحركة سلسلة من المناقشات والحوارات في مكان يسمى، وللمفارقة، جبل أنانيا (1)، للبحث عن إجابة لهذا السؤال الذي تم طرحه كالآتي: إذا انفصل الجنوبيون، ماذا نفعل نحن؟ كما تمت مناقشة صريحة وواضحة لهذه الاختلافات والخلافات خلال المؤتمر الأول للحركة الشعبية في أبريل 1994 والذي قرر في ضوئها وبلغة لا تحتمل التأويل أن تحقيق السودان الجديد وحق ممارسة تقرير المصير هما الهدفان التوأمين للحركة. وهكذا، نجح المؤتمر في المعالجة الصحيحة لمسألة حق تقري المصير كحق طبيعي للشعوب لا يتناقض مع هدف الحركة الشعبية في بناء السودان الديمقراطي الموحد. فالسودان الجديد لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق آلية حق تقرير المصير، بمعنى آخر بواسطة الإرادة الحرة للشعب السوداني.

 

فقد كان الزعيم الراحل للحركة، د. جون قرنق، ايجابيا في تعاطيه مع حق تقرير المصير كأداة لتحقيق الوحدة الطوعية، فعلى حد تعبيره "عندما نتحدث عن تقرير المصير، حتى في مواثيق التجمع الوطني الديمقراطي، فإننا نتناوله بفهم عميق مفاده أن وحدة البلاد، السودان الجديد نفسه، يجب أن تتحقق عبر تقرير المصير. و من يقرر ذلك؟، انه الشعب السوداني بنفسه. وهكذا، حينما يتحدث الناس بصورة عاطفية عن أن وحدة السودان في خطر، يصاب المرء بحيرة هل هم حقيقة يقصدون ما يقولون أو أنهم يدركون ما يقولون؟". كما أن النقاش الذي احتدم خلال المؤتمر أعاد التأكيد على أن تحقيق رؤية السودان الجديد، إن كان بواسطة تكامل النضال المسلح مع الانتفاضة الشعبية أو عن طريق تسوية سياسية متفاوض عليها، هو المفتاح لوصول الشعب السوداني إلى الحرية والمساواة والعدالة. وبذلك وضع المؤتمر الحركة الشعبية في الطريق الصحيح نحو إدراك الهدف المتمثل في السودان الديمقراطي الموحد والتقارب مع بقية القوى السياسية في شمال السودان.

 

إذن، بالرغم من تبنى الحركة لحق تقرير المصير في أعقاب انشقاق الناصر في 1991، وما صاحبه من تشكك في جدوى وواقعية انجاز رؤية السودان الجديد، إلا أن الحوار الجاد والنقاش الصريح، قبل وأثناء المؤتمر الأول في 1994، مكن قيادة الحركة من رسم من إستراتيجية متكاملة لتحقيق وحدة السودان على أسس جديدة، أسفرت عن اتفاقية السلام الشامل كخطوة هامة في طريق بناء السودان الجديد الموحد.

 

الحركة الشعبية بين الوحدة والانفصال: دعوة للحوار حول الإستراتيجية؟

 

ولكن مع الشروع في تنفيذ الاتفاقية، خاصة بعد الرحيل المفاجئ والمفجع لزعيم الحركة في نهاية يوليو 2005، أسهمت توجهات وسياسات الحركة وتناقض تصريحات قياداتها بشأن وحدة البلاد، في سياق الصراع السياسي المحتدم، إلى تفاقم شكوك القواعد في جدية الحركة والتزامها بهدفها المعلن! كما أنه في غياب الإستراتيجية والافتقار للبرامج والسياسات، أغرقت الحركة الشعبية نفسها في الصراع مع شريكها حول تفاصيل مكاسب السلطة والثروة، بينما اتسم تعاملها مع الواقع السياسي الذي خلقته الاتفاقية بنوع من "القصور الذاتي-“inertia، والقفز من فوقه بدلا عن البناء على معطيات أساسية:   

 

       فابتدءا، تجسد اتفاقية السلام الشامل العديد من ملامح السودان الجديد كما أطلق عليها زعيم الحركة الشعبية الراحل عبارة "السودان الجديد في حده الأدنى". وبالرغم عن أن ألاتفاقية تعد بمثابة "توافق" سياسي بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، إلا أنها وفرت الإطار المطلوب لمواصلة النضال لتحيق هدف السودان الجديد عن طريق العمل السياسي البحت عوضا عن الوسائل العسكرية (والسياسية) لمرحلة ما قبل الاتفاقية. وبالتالي، فان الواقع السياسي الجديد الذي ترتب على الاتفاقية يوفر للحركة الشعبية فرصة ذهبية لترجمة رؤيتها للسودان الجديد إلى برنامج عمل سياسي، تقوم على ضوئه بإقامة تحالفاتها السياسية مع القوى التي تلتقي معها فكريا وسياسيا.

       لا تراهن الاتفاقية على مجرد الثقة في المؤتمر الوطني أو أي قوة سياسية أخرى، بل تقوم على وجود الحركة الشعبية كشريك أصيل يتساوى مع الشريك الآخر في حقوق وواجبات تنفيذ الاتفاقية. ففي الماضي كان السؤال هو: ماذا سيفعل الشمال؟ ما الذي ستعطيه الخرطوم للجنوب؟ ولكن في حقيقة الأمر السؤال هو: ما الذي يمكن أن نفعله جميعا؟ فبناء السودان الجديد في سياق أوضاع ما بعد اتفاقية السلام الشامل يعتمد بصورة أساسية على ما يمكن أن يفعله الجميع خلال الفترة الانتقالية.

       نموذج "الدولة بنظامين"، الذي انطوت عليه الاتفاقية، تمت صياغته على غرار مقترح الدولة الكونفدرالية، بغرض إعطاء الفرصة لشريكي الاتفاقية وبقية القوى السياسية السودانية لإعادة التفكير خلال فترة انتقالية ممتدة حول كيفية المحافظة على واستدامة وحدة البلاد على المدى الطويل، عن طريق تمديد دائرة القواسم المشتركة عبر الوقت.  

       إن الطريق الوحيد الذي يضمن الحفاظ على وحدة الحركة الشعبية، وبالتالي وحدة السودان ككل، هو الالتزام الصادق برؤية السودان الجديد على مستوى البرامج والسياسات، والانخراط المكثف في العمل السياسي القومي في مركز السلطة. وهكذا، فانه لا يمكن للمتطلعين لوحدة السودان أو لانفصال الجنوب، على حد سواء، من تحقيق أهدافهم المتباينة بالانسحاب والتراجع من مركز السلطة حيث يقرر مصير الناس والأرض!

       وللمفارقة، فحتى "القوميين الجنوبيين" الداعين للانفصال سيحصدون الريح في نهاية المطاف إن فشلت الحركة الشعبية في الاستخدام الصحيح والاستفادة من السلطات التنفيذية والتشريعية التي منحتها لها اتفاقية السلام الشامل على مستوى الحكم الاتحادي ومؤسسة الرئاسة. وهذا ببساطة لأن الاستفتاء على حق تقرير المصير لابد أن يمر عبر بوابة الهيئة التشريعية المنتخبة على المستوى القومي، وبالتالي ستكون نتيجة الانتخابات المرتقبة مشئومة ومخيبة للآمال بالنسبة للحركة الشعبية فيما إذا أخفقت الحركة في تحقيق أغلبية مريحة في البرلمان القومي. وحينها ستتحول اتفاقية السلام الشامل إلى اتفاقية أديس أبابا (2)!

       إذن، فالانتخابات (الحرة والنزيهة) تضيف مسؤولية وطنية جديدة على كاهل الحركة الشعبية للمبادرة بعملية حوار وطني وتواصل سياسي مع القوى السياسية والاجتماعية بغرض الوصول إلى عقد اجتماعي يتضمن الاتفاق على قضايا اتفاقية السلام الشامل المتصلة بالمصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي كأساس لتوافق وطني وقومي. ولم لا؟ حقا، فإن "الوطنية" السودانية ليست بظاهرة "شمالية"!

       وفى سياق تطبيق رؤية السودان الجديد على أرض الواقع لابد للحركة الشعبية، وهو أمر تأخر موعد استحقاقه، أن تجعل من جنوب السودان- حيث تسيطر بصورة شبه تامة- أنموذجا تنطلق منه لتحقيق مبادئ السودان الحديد على المستوى القومي، خصوصا: إعادة هيكلة السلطة، حكم القانون، الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، والتنمية المتكافئة والمستدامة.

 

قضايا الحوار

 

وعلى الجانب التنظيمي والمؤسسي للحركة الشعبية، فقد تدفقت مياه كثيرة تحت الجسر منذ التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، لعل أهمها يتمثل في اكتساب الحركة لأعداد هائلة من الأعضاء والمناصرين في مختلف ولايات شمال السودان، بما في ذلك دارفور، تعلقت عقولهم وقلوبهم بمشروع السودان الجديد، ويقف الاستقبال غير المسبوق للزعيم الراحل في 8 يوليو 200 كخير شاهد لهذا التدافع نحو الحركة. ومن جهة أخرى، شرعت في تطوير هياكلها التنظيمية والمؤسسية في سياق تحولها من حركة عسكرية وإقليمية الطابع إلى تنظيم سياسي قومي في إطار الانتقال من الحرب للسلام. وجاء انعقاد المؤتمر القومي الثاني في مايو 2008، بعد 14 عام من المؤتمر الأول، حيث فتحت الأبواب مشرعة لمشاركة أعضاء الحركة من بقية أقاليم السودان - قطاع الشمال- بما يقارب ثلث مجموع أعضاء المؤتمر البالغ عددهم حوالي 1500 مندوبا.ً

 

شكل المؤتمر فرصة طال انتظارها وظلت قواعد الحركة، خاصة الوحدويون من شماليين وجنوبيين، تهفو إليها للمشاركة في حوار جاد وشفاف حول القضايا المصيرية المرتبطة بتطور الحركة وانتقالها من حركة مسلحة إلى حزب سياسي، يتولى قيادة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحقيق وحدة البلاد على أسس جديدة، في ظل ما يسود من شعور عام بالإحباط بسبب الغموض في موقف قيادات الحركة من وحدة السودان! في الحقيقة، أضحت قواعد الحركة المنظمة وجماهيرها ومناصريها (ممن اتحروا فيها الخير) في حيرة من أمرهم، إذ بات هاجس الانفصال يؤرق منامهم وأصبحوا يتساءلون: هل نفضت الحركة يديها عن رؤية السودان الجديد؟ فهم انضموا للحركة من أجل سودان جديد موحد، فوجدوا أنفسهم وكأنهم يسبحون عكس التيار أو يؤذنون في مالطا. ولكن، خاب ظن المؤتمرين في أجندة المؤتمر ونتائجه. فمع نجاحه في حسم مسألة قيادة الحركة بصورة ودية وديمقراطية، والحفاظ على وحدة الحركة وتماسك قيادتها، وإجازة الدستور والمانفيستو، وبالرغم من المصادقة على رؤية السودان الجديد، إلا أن هذه الرؤية لم يتم تفصيلها في أي إستراتيجيات أو سياسات أو برامج يسترشد بها العمل السياسي اليومي، ويقوم عليها المانيفستو أو البرنامج الانتخابي للحركة. فلم تعرض على المؤتمرين أي أوراق أو وثائق لمناقشتها والحوار حولها، فيما عدا مسودتي الدستور والمانيفستو، كما أن هذه البرامج والسياسات المنتظرة لم تطرح للتداول حتى لحظة كتابة هذه الورقة. إن الوحدويين من الجنوبيين والشماليين (اثنيا وجغرافيا)، تدور في رأسهم العديد من الأسئلة تبحث عن إجابات، وتعوزهم الحيلة في التصدي لأسئلة الأصدقاء والأعداء، على حد سواء، والتي لا ينقطع سيلها حول مواضيع الوحدة والانفصال وتقرير المصير والاستفتاء. إن الحوار الجاد والصريح، بإشراك قواعد الحركة من كافة القوميات والأقاليم والرؤى السياسية، هو المدخل الوحيد لتناول ومعالجة هذا القضايا وللإجابة على ما يصاحبها من أسئلة:

 

i.      الوحدة وحق تقرير المصير: يظل التوفيق بين هذين الهدفين يمثل التحدي الأعظم الذي يواجه الحركة بحكم رؤيتها وطبيعة عضويتها. إن نجاح الحركة في إتباع سياسة أعطت وحدة السودان الأولوية منذ نشأتها وحتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005، بنفس القدر يجعلها مطالبة الآن بإتباع إستراتيجية واضحة توفق بين الهدفين وتعبر عن تطلعات قواعدها المنتشرة في كل مناطق السودان، وليس في الجنوب فحسب. فإن كانت المطالبة بحق تقرير المصير والانفصال، قبل وخلال المؤتمر الأول في 1994، تمت على الصعيد "النظري"، إلا أن الممارسة "الفعلية" لهذا الحق، وبغرض الانفصال، قد باتت الآن على الناصية، كما يقول الفرنجة. فمع التوافق في المؤتمر الأول على إستراتيجية واضحة نحو بناء السودان الجديد، وبالرغم من قلة عدد الشماليين في ذلك الوقت، إلا أن مجرد تخوفهم من إقحام حق تقرير المصير في أجندة الحركة بغرض الانفصال انخرط الزعيم الراحل، بمشاركة بعض قيادات الحركة، في نقاشات وحوارات مطوله مع بعضهم حتى في أعقاب المؤتمر وعلى مدى شهرين (نوفمبر وديسمبر 1994) بقصد التوصل لمقترحات محددة تدعم التوجه الوحدوي للحركة. فما بالك الآن، وكل المؤشرات تدل على أن "الفراق واقع كان ترضى كان تزعل" (كما يصدح سيف الجامعة)؟ إضافة إلى أن الشماليين، من كل الولايات التابعة تنظيميا لقطاع الشمال، يشكلون ثلث عضوية المؤتمر القومي ومجلس التحرير القومي للحركة. وفوق ذلك، فإن العواقب الوخيمة للانفصال هذه المرة ستطال أيضا قواعد الحركة وجماهيرها في جبال النوبة والأنقسنا التي شكل أبناؤها وبناتها وقودا للكفاح المسلح من أجل السودان الجديد! وبالتالي، فالسؤال هو: هل حق تقرير المصير مرادف ومطابق للانفصال أم هو آلية لتحقيق الوحدة أو الانفصال؟ إذا كان تقرير المصير مرادفا أو مطابقا للانفصال، لبدت الحركة الشعبية وكأنها تسعى لتحقيق هدفين متناقضين في نفس الوقت: الانفصال ووحدة السودان! أما إن كان بمثابة آلية، فكيفية توظيفه لخدمة أي من الهدفين تصبح بيد فالقوى السياسية الداعية له. فهل قامت الحركة بدراسة جدوى لخياري الوحدة والانفصال على مستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في الجنوب وحياة المواطن الجنوبي، أو أدارت نقاشا صريحا حول فحوى ومضمون مرافعة الانفصاليين؟ فمثلا، منحت الاتفاقية جنوب السودان، سلطات وصلاحيات دستورية ومؤسسية غير مسبوقة في المجالات السياسية والاقتصادية، كما كفلت مشاركة السودانيين الجنوبيين، وفقاً لنسبتهم المئوية من مجمل سكان السودان، في نظام الحكم الفدرالي. وربما الأكثر أهمية، فقد أقرت اتفاقية السلام الشامل دستورياً حقوق المواطنة لكل السودانيين، بغض النظر عن العرق، الانتماء الاثني، الدين أو النوع، كأساس للأهلية في تقلد المناصب العليا في الخدمة العامة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية.

 

وبالرغم من أن كل ما أقره الدستور الانتقالي لم يتحقق فعليا في ظل واقع تسوده العديد من الموانع الثقافية والعراقيل السياسية والمؤسسية والعوائق الاجتماعية، إلا أن النضال السياسي من أجل تفعيل وإنزال حقوق المواطنة الشاملة على أرض الواقع سيستمر ولن ينتهي أجله بانتهاء الفترة الانتقالية، بل سيستمر حتى بعد الانتخابات وإقرار الدستور الدائم. فيجب أن لا يتسرب اليأس إلى النفوس لمواصلة النضال والصراع السياسي من أجل استكمال بناء دولة المواطنة السودانية القائمة على التساوي في الحقوق والواجبات. فقد انتظر الأمريكيون من ذوى الأصول الأفريقية، دورهم في الرئاسة لأكثر من قرنين حتى أثمر أخيرا في الرئيس الرابع والأربعين، دون أن يدفعهم الصراع المرير والنضال المستميت، من أجل حقوقهم المدنية في العدالة والمساواة، للخروج من عباءة الاتحاد الأمريكي. حقا، فقد كان الزعيم الراحل يعول على ديناميكية الحركة الشعبية ومقدرتها على التفاعل، بما في ذلك التحالف مع القوى السياسية الأخرى في الشمال، لإحداث التغيير المطلوب والوصول للمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. هذا بدوره يقود إلى موقف الحركة من الاستفتاء!

 

ii.      الموقف من الاستفتاء: الإجابة "النمطية" بأن الوحدة تمثل الخيار الأول للحركة الشعبية، بينما شعب الجنوب هو الذي يقرر ذلك في الاستفتاء المرتقب، على أي سؤال يوجه لقيادات الحركة في هذا الخصوص،  ليست بمقنعة وتظل ناقصة لا تشفى غليلا. ففي كل الحالات التي تم فيها ممارسة حق تقرير المصير (كويبك بكندا، اريتريا، شرق التيمور، شرق أوربا)، كانت كل الحركات أو الأحزاب السياسية التي طالبت بهذا الحق تنطلق من منظور انفصالي يدعو إلى إقامة دول مستقلة للشعوب التي تنتمي إليها هذه القوى. بمعنى آخر، استخدمت هذه القوى الاستفتاء على حق تقرير المصير كآلية أو أداة لتحقيق هدف الانفصال، بل والترويج له من خلال حملات دعائية منظمة كما يحدث في أي انتخابات تنافسية، يروج فيها كل طرف لأطروحاته. وهذا سلوك لا يتناقض مع حقيقة أن الشعوب أو المواطنون هم من يقررون نتيجة الاستفتاء أو الانتخابات في نهاية الأمر! أما الحركة الشعبية فهي حركة قومية الطابع والتوجه وتضم عضويتها مختلف القوميات والشعوب السودانية. كما، للمفارقة، فإذا كان الجنوبيون فقط هم من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء، فهل تحرم باقي عضوية الحركة حتى من التبشير بالوحدة وسط رفاقهم، ناهيك عن بقية الجنوبيين من غير الأعضاء بها؟ و هل تقف الحركة، كتنظيم سياسي يضم كل القوميات، على الحياد بدون إبداء رأيها، على الأقل بتعريفهم بايجابيات وسلبيات خياري الوحدة والانفصال؟ أليس الوقوف على الحياد يمثل في حد ذاته موقفا صريحا، ولو مضمرا، لحركة ظلت تكافح وتنافح من أجل مشروع يدعو للوحدة الطوعية لأكثر من عقدين من الزمان؟ ثم، سيف سيكون موقف الحركة من الوحدة في برنامجها الانتخابي؟

 

ومن ناحية أخرى، فقد حمل الجنوبيون السلاح وقاتلوا وقدموا تضحيات جساما لأكثر من عشرين عاما تحت راية السودان الجديد، فهل قرر شعب الجنوب من تلقاء نفسه أن يدفع هذا الثمن الغالي ويقدم كل هذه التضحيات من أجل هذا المشروع؟ أم أن قيادات الحركة هي التي قادته في هذا الطريق، بل ولا تخفى هذه القيادات بأن أول رصاصة أطلقت كانت موجهة ضد الانفصاليين في داخل الحركة؟ فالقيادة السياسية هي التي تشكل عقول الأفراد العاديين وتأثر على وجهات نظرهم وسلوكهم، وعلى عاتقها تقع مسؤولية التوعية بالخيارات التي يرونها في صالح ومنفعة المواطن. ويظل الانفصاليون أنفسهم مطالبين أمام شعبهم بتوضيح رؤيتهم عن دولة الجنوب المستقلة وكيف أن الانفصال سيخدم مصالحهم ويرضى توقعاتهم! ولعلهم يمعنون في التأمل واستخلاص الدروس من ما قاله الزعيم الراحل د.جون قرنق بأن السودان ملك لكل السودانيين، وبالتالي فإنها مسؤولية كل الجنوبيين أن يقوموا بدورهم بدفع كل ما هو لازم ومستحق من أجل إحداث التغيير في كل السودان، فعلى حد تعبيره "لن نسمح أبدا أن نحط من قدر أنفسنا لنصبح مجرد كائنات إقليمية متحجرة"!!

 

iii.     الوحدة الجاذبة: عبارة استحدثها الوسطاء بغرض ترجيح تصويت الجنوبيين لصالح وحدة البلاد بعد أن أعيتهم الحيلة في الوصول إلى اتفاق على نظام تشريعي وقانوني موحد لكل السودان. ويستند الاقتراح على فرضية أن هذه الترتيبات "المؤقتة" والمرحلية، ستوفر مساحة لتطوير وتعزيز رابطة سودانية جامعة، عن طريق التفاعل والحوار بين كافة القوى السياسية والاجتماعية، خلال فترة انتقالية، قد تقود إلى (سودان متحّول ديمقراطيا). ومع أن العبء الأكبر لتجاوز النظام القانوني المزدوج (نموذج الدولة الواحدة بنظامين) يقع على عاتق القوى السياسية الشمالية، وعلى رأسها المؤتمر الوطني، إلا أن اتفاقية السلام الشامل تلزم وتملي أيضا على الحركة الشعبية (وكذلك المؤتمر الوطني) العمل الجاد لجعل الوحدة جاذبة، وذلك لكي يصوت السودانيين الجنوبيين لصالح الوحدة طوعاً. وبالتالي، بينما للجنوبيين، خارج الحركة الشعبية، مطلق الحرية في الترويج والتعبئة من أجل الانفصال، فالحركة ملزمة، وكذا كوادرها، بالمثابرة في التعبئة والعمل لتحقيق شروط الوحدة الجاذبة. إذاَ، هذا واجب لا يجوز سياسياً وأخلاقياً للحركة الشعبية، أن تنفض يدها عنه، وإلا تكون قد وقعت في خطأ جسيم تخرق بموجبه اتفاقية السلام، وأصابتها في مقتل. كما أن الحركة الشعبية كحركة ثورية من أجل التغيير، وبحكم رؤيتها وطبيعة عضويتها وأشايعها، ملزمة بالترويج لوحدة السودان على أسس جديدة. وحقيقة، فان مطالبة الحركة الشعبية بحضور فاعل في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية في كافة أنحاء شمال السودان، ومشاركتها في كل مستويات الحكم في هذه الولايات خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تمكين الحركة من التبشير بوحدة السودان. حقا، فعلى حد تعبير الراحل د. جون قرنق فان "اتفاقية السلام الشامل تمّكن الحركة الشعبية من تأكيد شخصيتها القومية وتوسيع نشاطها وعضويتها في كل أنحاء السودان. فالحركة سوف تدعم وجودها في جنوب السودان، حيث تستحوذ على 70% من السلطة ، ولديها 45% من السلطة في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ، كما ستشارك في السلطة بنسبة 10% في كل الولايات الشمالية الأخرى. ومع تدعيم وجود الحركة في جنوب السودان وتوسيع عضويتها وتدعيم نشاطها في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والولايات الشمالية الأخرى، فإن كل ذلك يدلل على طاقات كامنة للحركة تؤهلها لأن تصبح حزب الأغلبية في الانتخابات القومية القادمة وعلى كافة المستويات المحلية والولائية والقومية".

 

وفي هذا الخصوص، ما هي، إذاً، الملامح الأساسية لبرنامج الحركة الانتخابي؟ وما هي طبيعة التحالفات السياسية التي تتصورها حتى تفي بمستحقات اتفاقية السلام في جعل الوحدة جاذبة؟ بمعنى آخر، ما هو هدف الحركة الشعبية من خوض الانتخابات؟ هل هو مجرد الإيفاء بمتطلبات اتفاقية السلام انتظاراً لموعد الاستفتاء وتحقيق الانفصال، أم المشاركة الحقيقية في عملية التحول الديمقراطي نحو بناء دولة المواطنة السودانية كما يتوقع أنصار الحركة وتتطلع إليه جماهيرها؟ ومن جانب آخر، هل قامت الحركة بالمبادرة بحوار عميق أو عصف فكرى حول ما  تعنيه الوحدة الجاذبة أو محاولة تحديد مسؤولياتها وما يمكنها فعله في هذا الشأن؟ كما هل عملت على رسم أى سياسات أو ضعت خططا فى هذا الخصوص؟ لاشك، إن أداء الحركة في هذا المجال يعرضها للتشكيك بأن وقوفها المعلن، ودعمها لوحدة البلاد فاتر وتعوزه الحماسة، بينما تعمل في الخفاء لتمكين الانفصاليين! وهكذا، يبدو لعضوية وجماهير الحركة الشعبية، خاصة في شمال السودان، وكأن الحركة قد استبدلت رؤية السودان الجديد باتفاقية السلام الشامل وتنفيذ بنودها فحسب، وبالتالي اختارت التقوقع والتقهقر نحو الجنوب في انتظار انفصاله الحتمي، بدلا عن استخدام الاتفاقية كمنصة انطلاق، وهذا هو في الواقع كل ما تعنيه الاتفاقية من أمر، لتحقيق هدفها الكبير: السودان الجديد (الموحد)! فإذا لم تكن الوحدة جاذبة، في رأى البعض، فما هو الجاذب في الانفصال؟ 

 

iv.     الدين والدولة: أثار توقيع بروتوكول ماشاكوس وما أعقبه من مفاوضات في نيفاشا، شكوكاً واسعةً. فقد اعتبر الاعتراف بفكرة (دولة واحدة بنظامين)، بمثابة تمهيد لتقسيم البلاد. ورأى البعض أن الحركة الشعبية قد تنكرت لموقفها حول العلاقة بين الدين والدولة، وذلك بموافقتها على بقاء واستمرار الشريعة في الشمال. وفى معرض ردى على هذه الاتهامات في مقدمة كتاب (جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد وبناء دولة المواطنة السودانية)، الصادر في 2005، ذكرت أنها تعكس قراءة خاطئة لنتائج المفاوضات، وعجزاً عن فهم منطقها وأحكامها. فاتفاقية السلام الشامل لا تمثل برنامج الحركة من جهة، كما أنها لا تمثل المشروع الذي يتطلع المؤتمر الوطني إلى تحقيقه، من جهة أخرى. وفي حالة التسويات السياسية التي يتم يتوصل إليها عن طريق التفاوض، لا يمكن الحديث عن غالب ومغلوب، وذلك لأنه ليس هناك طرف في موقف يؤهله لفرض شروطه بالكامل. وفي السياق الخاص للنزاع السوداني، فإن الحركة الشعبية (والتجمع الوطني) لم تهزم الحكومة، وبالتالي لم تحقق الشرط الضروري لتمكينها من إلغاء القوانين السائدة التي تناقض منطلقات الحقوق الدستورية المتساوية في دولة المواطنة. ولكن، ومنذ ذلك الحين، فإن الصمت المطبق للحركة وإعراضها تماما عن الخوض في هذا الموضوع لم يساعد في تبديد هذه الاتهامات. بل ربما تفاقمت هذه الشكوك بعد مداخلة دينق ألور، في ندوة بعثة "اليونميس" ومؤسسة اتجاهات المستقبل، التي تساءل خلالها "لماذا يستغرب الناس عندما يقول أحد الجنوبيين بأنه مواطن من الدرجة الثانية في ظل وجود حكومة إسلامية، وأن الوقت المتبقي لتنفيذ الاتفاقية ليس بكاف لتحقيق الوحدة". فقد أعتبر كثيرون أن دينق لم يكن جادا في ما طرحة وأن حديثه ليس إلا مجرد حجة عابرة، إذ لم تثر قيادة الحركة موضوع العلاقة بين الدين والدولة خلال ما يقارب الخمس سنوات الماضية التي أعقبت التوقيع على اتفاقية السلام الشامل. أيضا، التغاضي عن إثارة هذا الموضوع جعل الكثيرين يتشككون في أن يكون قطاع الشمال مجرد (فرع) لحركة (جنوبية) تقع على عاتقه لوحده مسؤولية فصل الدين عن السياسة في (دولة شمال السودان) طالما تحقق هذا الهدف في دستور (دولة جنوب السودان)، وكأن لسان حال قيادة الحركة من الجنوبيين يقول (نحن مالنا ومال الشمال!).

 

ولعل "ملتقى كل الأحزاب السياسية" بجوبا وفر المنبر المناسب لطرح هذه القضية، إلا أن الحركة لم تأبه بالسعي للوصول إلى توافق بشأن مستقبل القوانين الإسلامية وكفالة حقوق المواطنة. هذا خاصة، كما وضحت في العديد من المقالات السابقة، بأنه سبق وأن حدث أكثر من اختراق في أمر المواطنة، من جهة، وعلاقة الدين والدولة، من جهة أخرى، بين الحركة الشعبية وهذه القوى السياسية المشاركة في الملتقى، والتي تستند على قواعد دينية، منذ اتفاقية سلام السودان (الميرغني-قرنق) في 1988، ثم مقررات نيروبي للتجمع في 1993، وأخيرا مقررات أسمرا للتجمع في 1995. وللمفارقة، مع أن الجبهة الإسلامية القومية (لاحقا المؤتمر الوطني) هي التنظيم السياسي الوحيد الذي لم يشارك، أو حتى يبارك، في هذا الحوار، إلا أنه أيضا أحدث اختراقا في المفاوضات مع الحركة الشعبية، بغض النظر عن طبيعة تأثيره السلبي على فرص الوحدة، لقبوله أولا بإعلان مبادئ الإيقاد، ثم لا حقا بتوقيعه على بروتوكول ماشاكوس، التي تقوم علية الترتيبات التشريعية الراهنة. فالحوار بين الحركة وباقي القوى السياسية، خاصة في شمال البلاد، يمثل الطريق الأول للتوصل إلى التوافق والتواضع على السمو فوق ما يفرقنا. الانتخابات هي الطريق الثاني الذي وفرته الاتفاقية لتجاوز عقبة النظامين التشريعيين في دولة واحدة. والحركة الشعبية أيضا تدرى أن إعادة صياغة القوانين، بل وإلغائها، عملية طويلة ومعقدة وليست بحدث عابر. وما تحقق في اتفاقية السلام الشامل، يمكن إخضاعه للتعديل والتطوير من خلال الانتخابات العامة، إذ تم الاتفاق على تأجيل النظر في مسألة العاصمة القومية (الخرطوم)، والبت فيها بواسطة البرلمان القومي المنتخب، وبالتالي ستجد القوى السياسية الراغبة في طرح أجندة القوانين المدنية فرصة أخرى لقيادة المعركة من داخل البرلمان. ولم لا، فالاتفاقية تبيح تغيير القوانين إن توفرت الأغلبية لقوى التغيير في الانتخابات القادمة. فالمادة 2.4.5 من اتفاقية السلام الشامل حول العاصمة القومية، حيث الشريعة الإسلامية وتطبيقها في العاصمة القومية تقرأ "دون المساس بصلاحية أي مؤسسة قومية في إصدار القوانين"، وحيث أن المؤسسة القومية الوحيدة المخول لها إصدار القوانين هي البرلمان القومي، فهذا يعني ضمنياً أن ذلك البرلمان يمكنه إصدار أي قانون، بما في ذلك القوانين المدنية. كل هذا يطرح سؤالا مشروعا: هل سيكون الموقف من علاقة الدين والدولة أحد المعايير التي ستسترشد بها في صياغة برنامجها الانتخابي، ورسم خريطة تحالفاتها الانتخابية وتحديد حلفاءها؟ أم أن مطالبة الحركة الشعبية بإلغاء هذه القوانين كأحد الشروط اللازمة والضرورية لوقف الحرب، لم يكن إلا ذريعة لانتزاع حق تقرير المصير كخطوة أولى قبل أن تستخدمه مرة أخرى كحجة للانفصال عندما يحين وقت البت في هذا الحق باستفتاء الجنوبيين عليه؟ هذا هو بالضبط ما رسخه حديث دينق ألور في الأذهان!

 

v.      المناطق المهمشة: لا شك أن الانفصال المتوقع للجنوب سيخلق أوضاعا قابلة للانفجار في منطقتي جنوب كردفان (جبال النوبة) وجنوب النيل الأزرق (الأنقسنا)، خاصة في إذا أخذنا في الاعتبار التفسيرات المتضاربة للشريكين لمعنى ومضمون "المشورة الشعبية" الوارد في البروتوكول الخاص بالمنطقتين في اتفاقية السلام الشامل. وتكتسب المنطقتان أهمية خاصة بالنسبة للحركة الشعبية: فهما لا يجاوران الجنوب فحسب، بل بادر بناتهما وأبناؤهما بالانضمام للحركة الشعبية والجيش الشعبي منذ البدايات الأولى وقدموا تضحيات جسام طوال فترة الحرب، كما شكلا اثنان من المناطق الخمس "المحررة" التي كانت تقع في نطاق "إدارة السودان الجديد" في مرحلة ما قبل الاتفاقية (الاستوائية، بحر الغزال، وأعالي النيل). وفوق ذلك، فإن الانفصال يضعف فرصة الوصول لسودان جديد يبقى فيه الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، أو حتى الحفاظ على النسخة القديمة أو الحالية منه، مما يجعل قواعد الحركة في المنطقتين في حالة توتر وخيبة ظن.

 

i.      الحركة الشعبية، إلى أين؟ إن كان العصف الفكري قد طال آفاق المستقبل لجنوب السودان في مرحلة ما بعد 2011 وتنظيم العديد من الندوات والمنتديات لهذا الغرض في أكثر من منبر داخل وخارج البلاد، فمن المجدي أيضا الشروع في حوار عميق  ونقاش صريح حول حاضر الحركة الشعبية وسيناريوهات المستقبل.

 

خاتمة

قصدت بهذه المساهمة التعبير عن رأيي بأن قضية مصيرية في حجم ووزن معادلة الوحدة والانفصال في السودان تستدعى بالضرورة حوار عميقا داخل كل من القوى السياسية السودانية ووسط قواعدها. هذا موضوع يؤرقنا ويقلق مضاجعنا على نحو يومي، فلا مفر من إشراك، واشتراك الجميع في الحوار حوله. ركزت المداخلة على الحاجة الماسة للحوار داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان‘ على وجه الخصوص، لأسباب موضوعية وذاتية، على رأسها أن الحركة الشعبية هي التي طالبت بحق تقرير المصير في مرحلة معينة من تاريخ تطورها. وفى المقابل، لا بد أن أن يعم مثل هذا التفاعل المؤتمر الوطني كشريك أكبر في الحكم، حتى نتوصل إلى وفاق وطني ومصالحة تاريخية تحفظ مصالح الكل. وكذلك داخل القوى السياسية المعارضة، فهي أيضا معنية بطرح مشروعها للحفاظ على الوحدة القائمة على الديمقراطية والعدالة والمساواة، وهذا هو، فى حقيقة الأمر، كل ما تعنيه اتفاقية السلام الشامل! فلماذا لا نستخدمها، كما أريد لها، في توسيع القواسم المشتركة بين كافة القوى الوطنية الداعمة لمهمة بناء الدولة السودانية على أساس حقوق المواطنة ونبذ الاستعلاء بكافة مسمياته. فالاتفاقية ليست بغاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة للوصول لمثل هذا الوفاق. وما الانتخابات أو الاستفتاء إلا مجرد آليات تحكم وتضبط هذا الوفاق! والوفاق فقط هي الذي يجنبنا شرور التدخل الخارجي! 

 

تونس

ديسمبر 2009