المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


تهدف هذه المساهمة المتواضعة إلى تقديم تحليل موضوعى ونقدى يستكشف جذور وأبعاد الأزمة الوطنية السودانية المزمنة وإستشراف مستقبل البلاد، خاصة فى ظل تداعيات وتبعات إنفصال جنوب السودان وتأسيس دولته المستقلة.


اللقاء التفكرى حول مآل الأوضاع فى السودان


الدوحة، 26-27 مايو 2012

نحو بناء دولة المواطنة السودانية

إسقاط النظام أم... صناعة البديل؟



مقدمة
سبق الشعب السُّوداني الشعوب العربية الأخرى “الربيع العربي” بتحقيقيه لثورتين/انتفاضتين شعبيَّتين أسقطتا نظامين عسكريَّين استبداديَّين، في الستينات (1964) والثمانيات (1985) من القرن المنصرم. والشاهدٌ، أن الحرب الأهليَّة فى جنوب السودان ألقت بظلالٍ كثيفة على أسباب ودوافع الانتفاضة الشعبيَّة في شمال السُّودان الجغرافي. ولكن، لم تبلغ الثورة، في التجربتين، هدفها الرئيس في تأسيس واستدامة نظام حكم ديمقراطي حقيقي، يلبِّي طموحات قوى التغيير، بل ارتدَّت على أعقابها، ليعود حُكمُ الفرد أو الحزب الواحد، ويتعثَّر بناء دولة المواطنة والديمقراطية، المستوعبة لتعدُّد وتنوُّع مكوِّنات السُّودان السياسيَّة والإثنيَّة والدينيَّة والثقافيَّة، والفشل في معالجة كافة أشكال الإقصاء والتهميش لشعوبه. كما يرجع فشل الثورة فى تحقيق أهدافها، أيضا جزئيا، لإخفاق القوى الثورية، خاصة النقابية، من تحويل نفسها إلى كتلة سياسية منظمة ويعتد بها. وبالرغم من أن بعض الدارسين والمُحلِّلين يُرجِعون أزمة البلاد السياسيَّة إلى هذه “الدورة الخبيثة”، إلاَّ أن هذا الوصف يمثل مجرَّد أحد أعراض الأزمة الحقيقيَّة، الكامنة في تماثُل عقليَّة الطبقة السياسيَّة، خاصة النُّخب الحاكمة، سواءً جاءت بزي عسكري أو لباس مدني. فقد افتقرت هذه النُّخب للقيادة المُبصرة للرؤية الثاقبة، لبناء دولة المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات المتساوية لكل السُّودانيين.

ولكن، يظل انقلاب يونيو 1989 مختلفاً نوعياً وكيفياً عن ما حدث في المرَّتين السابقتين، فلم يكن انقلاباً عسكرياً مجرَّداً، أي مُتَّبعاً النمط التقليدي والمعهود للانقلاب عندما استولى الجيش على السلطة باسمه في 1958، وانقلاب نميرى في 1969، رغم ميوله الأيديولوجيَّة اليساريَّة. أما في 1989، فقد كان الانقلاب أيديولوجياً بحتاً للجبهة الإسلاميَّة القوميَّة كحزبٍ سياسيٍ له أيديولوجيته ورؤيته للمجتمع، جسَّدها نظام “الإنقاذ” في مشروعه “الحضاري”، الذي اتَّسم بالأحاديَّة والإقصائيَّة، وتقديم الحزب على الوطن، وشعار "إعادة صوغ الإنسان السودانى" الذى عبرت عنه سياسات "التمكين" والهيمنة التامة على مؤسَّسات الدولة السياسية والأمنية والخدمية والعدلية والإقتصادية، بما في ذلك القوَّات المسلَّحة، وما رافقها من شعارات الأسلمة والجهاد، مع تفشي الفساد وتجيير السياسات والممارسات الاقتصادية لصالح الشرائح والفئات الاجتماعية المرتبطة بالنظام. كما يقف نظام الإنقاذ كمسئولٍ مباشر في تسعير حدَّة الحرب، بتحويلها إلى حربٍ دينيَّة للمرَّة الأولى في تاريخ النزاع بين الشمال والجنوب، مع إشعال الحرب في دارفور وما صاحبها من معاناة إنسانيَّة، لحد إدانة رئيس الجمهورية من قبل محكمة الجنايات الدولية، وإهانة المرأة (خاصة فى مناطق الحرب)، إضافة إلى تصعيده لحملات تحُضُّ على التمييز العرقي والثقافي ضد غير المسلمين والمُنتمين لأصولٍ أفريقيَّة، وتبنى الدولة لخطاب سياسى إقصائى وإستعلائى. تتفق مع هذا الطرح قطاعات واسعة وسط الإسلاميين أنفسهم وفى داخل المؤتمر الوطنى، كما عبرت عنه مذكراتهم المتتالية وكتاباتهم الصحفية.

تهدف هذه المساهمة المتواضعة إلى تقديم تحليل موضوعى ونقدى يستكشف جذور وأبعاد الأزمة الوطنية السودانية المزمنة وإستشراف مستقبل البلاد، خاصة فى ظل تداعيات وتبعات إنفصال جنوب السودان وتأسيس دولته المستقلة.

اتفاقية السلام الشامل: الفرصة المُهدرة
قاد فشل التجمُّع الوطني الديمقراطي فى “اقتلاع النظام من الجذور”، بواسطة الوسائل العسكرية، لاختياره هدفاً واقعياً يرمي إلى “تفكيك” النظام من الداخل عن طريق التحوُّل الديمقراطي، والتوصُّل لتسوية النزاع سلمياً عن طريق التفاوُض، وإن اتخذ مسارات متعدِّدة (نيفاشا، أسمرا، أبوجا، القاهرة). وبالرغم من الثقوب والثغرات التي شابت “اتفاقيَّة السلام الشامل”، خاصة كونها ثنائيَّة بحُكم أنها مُبرَمَة بين طرفين، إلاَّ أنها شكَّلت علامة فارقة في تاريخ السُّودان السياسي المعاصر. فالاتفاقيَّة التي تمثل نهاية لجمهورية السُّودان الأولى، أنتجت واقعاً دستورياً جديداً للانتقال من الشموليَّة وحُكم الحزب الواحد إلى الديمقراطية التعددية. ولا حاجة لي بأن أردِّد مقولة أصبحت في حكم البديهيات وهي أن جميع القوى السياسية المعارضة لنظام “الإنقاذ” قبل توقيع الاتفاقية، خصوصاً تلك التي كانت تعمل تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، اتفقت على إضافة الحلِّ السياسي المُتفاوض علية كأحد آليات التغيير والتحوُّل الديمقراطي، بجانب الانتفاضة الشعبية والعمل المسلح.  فبالرغم من أن الاتفاقية تعد بمثابة “توافق” سياسي بين الحركة الشعبية لتحرير السُّودان والمؤتمر الوطني، إلا أنها وفَّرت الإطار المطلوب لمواصلة النضال من أجل بناء دولة المواطنة السُّودانيَّة، القائمة على المُساواة في الحقوق والواجبات، عن طريق العمل السياسي البحت، عوضاً عن الوسائل العسكرية والسياسية لمرحلة ما قبل الاتفاقية. وقد وصفها الزعيم الراحل للحركة بـ“السُّودان الجديد في حدِّه الأدنى”. فهي لا تعدو أن تكون آليَّة للانتقال والتحوُّل قد تقود إلى أحد احتمالين، أولهما: أن تُفلح جميع القوى السياسيَّة، بما فيها الحركة الشعبيَّة، ولو بدرجاتٍ متفاوتة من المسؤوليَّة، في استخدام هذا الوضع لتعميق القواسم المشتركة بين السُّودانيين، ومن ثمَّ الانتقال به نحو بناء سُودان ديمقراطي مُوحَّد (“السودان الجديد”). وثانيهما: أن تُخفق هذه القوى في تحقيق هذا الهدف ممَّا يسمح للأوضاع بالانحدار نحو الانفصال. وهذا هو ما حدث بالضبط، فقد أهدر شريكا الحكم، وباقى القوى السياسية، هذه الفرصة الثمينة، فانشطر الوطن وأضحى ما تبقى من السُّودان مهدداً بالتشظي في ظلِّ تركة مثقلة من القضايا العالقة وقضايا ما بعد الانفصال، ويُغيِّم عليه شبح الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بل وبينه وبين دولة جنوب السُّودان الناشئة.

يظل المؤتمر الوطني، بوصفه الحزب الحاكم والماسك بمفاصل السلطة ومؤسسات الدولة، هو المسئول الأول عن هذه الوضع، بمُماطلته في التنفيذ الصادق والأمين لاتفاقيَّة السلام كضمانٍ وحيد للانتقال لدولة المواطنة الحقيقيَّة، وبالتالي المحافظة على وحدة البلاد، ممَّا من شأنه تبديد مخاوف أهل الجنوب، وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور، من التبعيَّة المستمرَّة، والتهميش، والحرمان من الحقوق، وضمان حريتهم، وتحقيق المساواة، والعدالة. ومن جهة أخرى، فإن الاتفاقية لا تراهن على مجرَّد الثقة في المؤتمر الوطني، بل تقوم على وجود الحركة الشعبية كشريك أصيل، يتساوى مع الشريك الآخر في حقوق وواجبات تنفيذ الاتفاقيَّة. فمن الصعب إعفاء الحركة عن مسئوليتها في عدم المثابرة في متابعة القضايا المتعلقة بالتحوُّل الديمقراطي، الذي نحسبه مفاعلاً رئيساً في الحفاظ على وحدة السُّودان، وإعادة هيكلة الدولة، وإنهاء التهميش الاقتصادي عبر القُطر، وتحقيق الوحدة الوطنية. ولا شك في أن انهماك قيادات الحركة، رغم إدراكنا لأسبابه وتفهُّمِنا لدواعيه ومُبرِّراته، في قضايا الجنوب مع شبه إغفال لقضايا الوطن الأخرى التي أولتها الاتفاقية حقها من الاهتمام، هو من بين الأسباب التي مكَّنت المؤتمر الوطني من الإغضاء عن تلك القضايا، وهو سعيدٌ بذلك. وحملت الممارسة السياسية الفعلية للحركة بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، خاصة بعد رحيل زعيمها التاريخي في أواخر يوليو 2005، العديد من المؤشِّرات الدالة على تراجُع الحركة عن مشروع “السودان الجديد” الذي ظلت تبشِّر به لأكثر من عقدين من الزمان، بل وتخليها عن النضال من أجل هدفها الرئيس لتحقيق وحدة البلاد على أسُسٍ جديدة، وتفضيلها للانفصال وإقامة دولة الجنوب المستقلة. وأيضاً للقوى السياسيَّة الأخرى، خاصة تلك التي كانت منضوية تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، نصيبٌ من المسئولية. فقد شغلت قوى المعارضة نفسها بالترتيبات الانتقالية لتقاسُم السلطة بين الشريكين، بدلاً عن تركيزها على استغلال مساحة الحريات التى أتاحتها الاتفاقية لتحقيق هدف التجمُّع الرئيس في التحوُّل الديمقراطى وترسيخ وحدة البلاد. بل قنعت هذه القوى بلعب دور المتفرِّج أو الحَكَم، عِوَضاً عن انخراطها الإيجابى كلاعبٍ فاعلٍ في عملية تنفيذ الإتفاقيَّة، وتحديد مواقفها بوضوح من القضايا المصيرية التي تواثقوا عليها في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة (1995)، خاصة علاقة الدين والدولة، في سياق بناء دولة المواطنة السُّودانية. إضافة إلى أن العمل تحت الأرض أو خارج السُّودان قد أفقد هذه الأحزاب التواصُل مع قواعدها، كما أنها منقسمة على نفسها إلى أفخاذ وبطون، وتفتقر للديمقراطية بداخلها، ما أضعف دورها ومساهمتها فى إثراء الساحة السياسية. ومع أن أحداث كثيرة تنبئ بضلوع المؤتمر الوطني في محاولات لاستمالة بعض قيادات وشق صفوف هذه بدون استثناء، طالت حتى شريكه في الحُكم، إلا أن هذا لا يعني تجاهُل، بل يجب الاعتراف بأن تماسُك أي حزب سياسي أو تعرُّضه للانقسام تظل في المقام الأول مسئولية الحزب نفسه وقياداته! أيضا، تجدُرُ الإشارة هنا إلى أن الجهات المانحة الدولية لعبت أيضاً دوراً في خلق بيئة مواتية لتقسيم البلاد

تداعيات انفصال الجنوب: جدوى العنف السياسي
من ناحية أخرى، لم تفلح اتفاقية السلام الشامل، سواءً في التنفيذ أو التصميم، في معالجة كافية التحديات وأسباب الصراع في جبال النوبة، والأنقسنا، فضلاً عن سكان المناطق المُهمَّشة الأخرى في السُّودان، خاصة دارفور. هذا هو السبب الرئيسي وراء عودة العنف والتهديد بحرب أهلية جديدة، وربما صراع دولي بين السُّودان وجنوب السُّودان. إن كلا شريكي الاتفاقية يتحمَّلان المسئوليَّة عن هذه النتيجة المخيِّبة للآمال، ولو بدرجاتٍ متفاوتة. فوفقاً لشروط اتفاق الترتيبات الأمنيَّة، تمَّ تعريف الجيش الشعبي، بشكل لا لبس فيه، ككلٍ لا يتجزأ يتبع إلى جنوب السُّودان، بدون تحديد هوية وأصل المقاتلين، أي ما إذا كانوا ينحدرون من ولاية جنوب كردفان أو النيل الأزرق. في الواقع، المادة (20-2) من مرفق (1)، وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية ووسائل التنفيذ والملاحق، تقرأ: «إذا أتت نتيجة الاستفتاء لصالح انفصال الجنوب عن الشمال، يتعيَّن حلِّ الوحدات المشتركة/المُدمجة (JIUS) بعودة كل وحدة إلى قواتها المسلحة الأم لتمهيد الطريق لتشكيل قوات مسلحة منفصلة للدولتين اللتين سوف تتشكلان». لذا، كان الاتفاق صامتاً تماماً، وخلا من أي إشارة إلى مصير الآلاف من مقاتلي المنطقتين خارج الوحدات المشتركة المدمجة والمتمركزة مع وحداتهم الأم بالجيش الشعبي في جنوب السُّودان. في ضوء تفسيرات الشريكين المتعارضة لمعنى ومضمون مفهوم “المشورة الشعبيَّة” وغموض العملية السياسيَّة التي ينطوي عليها، كان ممَّا لا شكَّ فيه أن الانفصال المتوقع للجنوب سوف يُعجِّل بانفجار الأوضاع في المنطقتين. ومع ذلك، تمَّ إغفال وتجاهل دعواتنا المستمرَّة لقيادة الحركة الشعبية لعقد مجلس التحرير القومى، وضرورة حوار جاد وصريح حول هذه القضايا قبل حلول الاستفتاء. فقد تم الاعتقاد، خطأ، من قبل البعض فى قيادة الحركة الشعبية أن عقد إجتماع المجلس قد يقود إلى الانقسام داخل صفوف الحركة بسبب الانقسام في الرأي حول الانفصال بين الشماليين والجنوبيين. ولكن، خلافاً لهذا الفهم، لم نقصد بضرورة عقد الاجتماع، بأي حال من الأحوال، الوقوف ضد خيار ابناء الجنوب للانفصال، ولكن للمناقشة الصريحة لكيفية الإعداد للتعامُل مع التفجُّر المتوقع للأوضاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق في ضوء اتفاق الترتيبات الأمنية المتعثر وغموض عملية المشورة الشعبية.

ومن المسلَّم به على نطاقٍ واسع، أنه تمَّ فرض الحرب على الحركة الشعبية-شمال في المنطقتين. فالقتال للدفاع عن النفس قد يصعُبُ تفاديه، كما أن الاستسلام ليس بخيارٍ خارج اتفاق الترتيبات الأمنية التي حددتها اتفاقية السلام بسقوفها الزمنيَّة. وفي حين لا يشكِّك أحد في أن الظلم والتهميش يُبرِّر ويُضفي الشرعيَّة على اللجوء إلى الكفاح المسلَّح، فإن الحرب مكلفة مادياً وبشرياً، وليست بفعلٍ للتبجُّح أو الاستعراض. كما أنى لا أميل للإعتقاد بأن نموذج الحركة الشعبية/الجيش الشعبى يمكن إعادة إنتاجه أو إستنساخ تجربة قيادتها الأسطورية والتى وجدت تجاوبا من كل السودانيين بمختلف أطيافهم السياسية، فلا الظرف والزمان يتشابهان.

إضافة إلى أن اعتماد خيار النضال المسلح كوسيلة أساسيَّة للتغيير يفرض على الحركات المُتبنية له أن تحدِّد أولاً الهدف من المقاومة المسلَّحة، والنتيجة المتوقعة، وآفاق وسيناريوهات المفاوضات. فهل تهدف إلى تحطيم القوَّات المُسلَّحة السُّودانية، وفي سياق هذه العمليَّة، تقوم بالاستعاضة عنها بالجيش الذي يناسب خصوصيات السُّودان الذي تسعى لبنائه؟  كانت هذه هي الأطروحة الأصلية للدكتور جون قرنق. ولكن، مع تطوُّر الصراع ضد نظام “الإنقاذ” تبيَّن له أن هذا الأمر غير واقعي ولا يمكن تحقيقه، ممَّا جعله يتراجع عنه، مفضلاً التسوية السياسية المُتفاوض عليها. وبالتالي دعت “اتفاقية السلام الشامل” إلى تشكيل الوحدات المشتركة المُدمجة، كآليَّة لدمج الجيش الشعبي والقوات المسلحة السُّودانية، لتكون بمثابة نواة لجيش السُّودان القومي في حالة اختيار الجنوبيين لوحدة السُّودان. وكان موقف الدكتور جون قرنق المبدئي، منذ عام 1972، يشدِّد على أن أي حلٍ في إطار “السُّودان الجديد” المُوحَّد يجب، أولاً وقبل كل شيء، أن يعترف بالأنيانيا، والجيش الشعبي في وقتٍ لاحق، كجيش مشروع لشعب جنوب السُّودان، وهو موقف عبر عنه بوضوح فى رسالتة إلى القائد العام لقوات الأنيانيا وزعيم حركة تحرير جنوب السودان في العام 1972. هذا هو بالضبط ما جرى التأكيد عليه في اتفاقية السلام الشامل. فقد كان المنطق الأساسي هو ضمان أن يكون لجنوب السُّودان “جيشٌ وطني” في حال إن اختار الجنوبيون الانفصال. وفي رأيي أن د. جون قرنق، من واقع معرفتي اللصيقة به، كان يسعى للوحدة وكأنه يعيش أبداً، بينما يعمل للانفصال وكأنه يموت غداً!. هذا هو أيضاً بالضبط ما تبيَّن في نهاية المطاف. ولذلك، كانت الرؤية مقنعة وثاقبة، والهدف من الكفاح المُسلَّح مُحدَّداً بدقة ووضوح. ولكن، يظل هذا النهج غير قابل للتطبيق على الوضع في المنطقتين، إلا إذا كان الهدف النهائي هو توحيد جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور في دولة فدراليَّة جديدة، وهذا أمرٌ يصعُبُ تحقيقه على أرض الواقع، ولم تدعُ له أي من الحركات المُسلَّحة، على الأقل حتى الآن.

وإلاَّ، فهل يهدف العمل المُسلَّح، على شكل حرب عصابات، إلى ممارسة ضغوط متواصلة، جنباً إلى جنب مع جهود المعارضة السِلميَّة لبقيَّة القوى السياسيَّة السُّودانية، من أجل إسقاط النظام في الخرطوم، أو ارغامه على الاستجابة للتغيير؟  إذا كان هذا هو الحال، يظل من المهم التطرُّق لعددٍ من الأسئلة التي تبحث عن إجابات، ومخاطبة بعض التخوُّفات، أذكر هنا بعض منها:
•    في ضوء النظام المؤسسي الهش للدولة السُّودانية، مع وجود القوَّات المسلحة السُّودانية كقوة مهيمنة، وكقوة وحيدة متماسكة، يفصل خط رفيع بين إسقاط النظام، الذي لم يبذل مجهود لتعريفه بدقة، وانهيار الدولة السُّودانية نفسها. فحتى التجانس الإثنى واللغوى والدينى لم يعصم الصومال من السقوط فى عالم الدول.
•    هناك حاجة لقياس مدى استجابة الناس في المناطق المتأثرة بالحرب، والرأي العام في البلد كله، فيما يتعلق بالمقاومة المسلحة وما يترتب عليها من عواقب وخيمة.
•    ألن يتحوَّل تصاعُد الصراع المسلح في المنطقتين في نهاية المطاف إلى حرب شاملة بين دولتي جنوب السُّودان والسُّودان، ممَّا يُعَدُّ نذير شؤمٍ بالنسبة للشعب في كلا البلدين؟ وعلاوة على ذلك، فإن اندلاع هذه الحرب سيكون بمثابة هدية مجانية لحزب المؤتمر الوطني، وهو المشهود له بالبراعة في التعبئة السياسيَّة والعسكريَّة وإضفاء الشرعية على الحرب بحُجَّة توحيد وتعزيز “الجبهة الداخلية”. وهذه التعبئة لن تكون فقط ضد الجنوب، ولكن سيتم استخدامها لإسكات وترهيب أعضاء ومؤيِّدي الحركات المُسلَّحة، بل وجميع محبي السلام في البلاد. وبالفعل، فقد بدأت هذه الحملة في أعقاب الأحداث الأخيرة في هجليج. لا شكَّ أن ذلك سيكون يوم عيد لـ“منبر السلام العادل” البغيض، ويشكل أرضاً خصبة للأصوليين والمتطرِّفين. وبعبارة أخرى، فإن استمرار النزاع المسلح يؤثر سلباً على آفاق التحوُّل الديمقراطي، وسوف يقلل كثيراً من احتمال حدوث انتفاضة شعبية في السُّودان.
•    ليس سراً أن توفير قاعدة لوجستية خلفية، والدعم السياسي والدبلوماسي من الدول المجاورة، ضرورة لنجاح أي حركة مسلحة ضد النظام الحاكم في كل التجارب الأفريقية. فلولا توفر هذه العوامل، وتأييد المنطقة ككل، والمجتمع الدولي لمطلب الجنوبيين فى حق تقرير المصير، خلال الثمانينات والتسعينات، لما تمكَّنت الحركة الشعبية والجيش الشعبي من المحافظة على حرب عصابات طويلة الأمد. أما الآن، فقد تغيَّر المشهد الإقليمي والدولي بشكل كبير، ويبدو أن العالم قد نفذ صبره وسئم من الحروب والاقتتال، مفضلاً التسوية السياسية عن طريق التفاوض. إلى جانب ذلك، وضع انفصال الجنوب، قبل حلِّ القضايا السياسية العالقة لاتفاقية السلام الشامل واستكمال عملية فك الارتباط مع الجيش الشعبي والحركة الشعبية-شمال، وكذلك الحركات المنطلقة من دارفور، الدولة الجديدة في موقف حرج سياسياً وأخلاقياً فيما يتصل بتعاطفها ومساندتها لهذه الحركات. ولذلك، المشروع أن نسأل: هل جنوب السُّودان، في ضوء التحديات الهائلة الخاصة لبناء الدولة، والأمن، ومشاكل الإدارة السياسيَّة والاقتصاديَّة، والتناقضات الداخليَّة، بالإضافة إلى الضغوط الإقليميَّة والدوليَّة، قادر على تقديم الدعم المستمر لهذه الحركات؟
•    إن الحرب، أو حتى مجرَّد العلاقات المتوترة بين البلدين، قد وضعت الحركات المسلحة في وضع صعب، وذلك لأن الإعلان عن أي عملية عسكرية سيُنظرُ إليها على أنها فعلٌ من أفعال التواطؤ مع دولة أجنبية معتدية، وبالتالي تشويه صورة هذه الحركات بما يلقي بظلالٍ كثيفة من الشك على مصداقيتها. حقاً، فالتصوُّرات غالباً ما تكون أقوى من الحقائق. الى جانب ذلك، فإن العالم الغربي يشعر الآن بأن الحركة الشعبية-شمال، على وجه الخصوص، تستخدم الحرب لخلق مأزق المساعدات الإنسانيَّة التي تدعو في نهاية المطاف إلى، وتضفي الشرعية على التدخُّل الأجنبي. وفوق كل ذلك، سيؤدي استمرار الحرب في نهاية الأمر لاستنزاف وتدمير قاعدة الموارد البشريَّة، وبالتالي مستقبلاً قاتماً للشعوب التي تقاتل هذه الحركات لحماية مصالحها.

من ناحية أخرى، لا يمكن للنضال المسلح أن يحقق هدفه المتمثل في الإطاحة بالنظام بدون دعمٍ سياسيٍ من كل القوى السياسية العازمة على التغيير، بما في ذلك الإسلاميين بمختلف اطيافهم. يفترض إسقاط النظام، من واقع التجربة السُّودانية في 1964 و1985، توافُق وإجماع كل القوى السياسيَّة. ففي عام 1995، عندما تمَّ التوقيع على إعلان أسمرا للقضايا المصيريَّة، توحَّدت تقريباً كل القوى السياسيَّة السُّودانية في الدعوة إلى “اقتلاع” النظام.  وبالمِثل، ما كان للحركة الشعبية أن تدرك استقلال جنوب السُّودان بدون الحصول على دعم جميع القوى السياسيَّة السُّودانية للعمل المُسلَّح وحق تقرير المصير.

ومع ذلك، فإن تشكيل “الجبهة الثورية السُّودانية” ينُمُّ عن السعي لبناء تحالفٍ من “القوميات المُهمَّشة” التي يمثلها حاملو السلاح، في حين تدعو الجبهة كل القوى السياسيَّة السُّودانية للانضمام إلى صفوفها، و«رفض مسار التسوية السياسيَّة الجزئيَّة مع نظام حزب المؤتمر الوطني، واعتماد نهج شاملٍ لتغيير النظام في مركز السلطة بالخرطوم». ولكن، في ظلِّ الوضع السياسي الراهن، لا يوجد توافُقٍ في الآراء بين القوى السياسيَّة السُّودانية على هدف “إسقاط النظام” من خلال العمل المسلح، من جهة، وافتقار الجبهة الثوريَّة لوضوح الرؤية والنهج  بشأن التعامُل والتحاوُر مع هذه القوى في ضوء الاختلاف في الرأي حول طرق التغيير. فباستثناء التصريحات المعمَّمة عن ضرورة التعامُل مع القوى السياسيَّة المعارضة، لم يتم تحديد آليات بعينها لهذا الغرض، أو تحقيق نتائج ملموسة حتى الآن. كما أن قرار بعض الشخصيات المعارضة للانضمام إلى الجبهة لا يبدو أنه قد أتى بقيمة مضافة أو غيَّر صورة الجبهة في أعيُن كثير من الناس، إذ لا يزال يُنظَرُ إليها كمنبر حصري للمُهمَّشين على أساس عرقي وإثني، أي أنه يعبِّر عن “متلازمة الجنوب الجديد”. أما بخصوص وسائل التغيير، فقد أعلنت الجبهة الثوريَّة عن التزامها بتكامُل النضال المسلَّح مع العمل السياسي والمدني. ولكن، منذ أيام التجمُّع الوطني الديمقراطي، فقد ظلَّ هذا التكامُل مجرَّد شعار وهدف بعيد المنال، يفتقر إلى المنهجيَّة الواقعيَّة، أو آليَّة للتنفيذ على أرض الواقع. فالجبهة لم تكشف النقاب عن أي استراتيجيَّة واضحة في هذا الصدد. ومنذ تشكيل الحركة الشعبيَّة في عام 1983، كانت هناك حوار حول الحاجة لجمع الشعوب المُهمَّشة في منبرٍ واحد، ولكن ليس بالضرورة في شكل تحالفٍ منظم، مبني على أسُسٍ عرقيَّة أو إثنيَّة، يتبنى الكفاح المسلح. في رأيي، من المهم إعادة النظر في مفهوم “التهميش” بهدف تجاوز التعريف الضيِّق له على أساس العرق أو الإثنيَّة، الذي يتجاهل الطبيعة المعقدة للمفهوم ومضامينه الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، وبالتالي يستبعد الفئات المُهمَّشة الأخرى، بما في ذلك العمَّال والمزارعين والمستأجرين الزراعيين والرعاة والمهنيين... إلخ، في المجتمع السُّوداني. إلى جانب ذلك، هناك قوى سياسيَّة أخرى من المناطق والقوميات المُهمَّشة لا تنتمي أو تؤيد الجبهة، أو أي من الحركات المُكوِّنة لها، وهذا بدوره يطرح السؤال: كيف يتم النظر إلى، والتعامُل مع هذه القوى، وما هو شكل التواصل المقترح معها؟  أم سيتم صرف النظر عن هذه القوى ونبذها باعتبارهم مجرَّد أتباع موالين للمؤتمر الوطني؟ ومن المهم هنا الإشارة إلى أنه في مرحلة ما بعد استقلال جنوب السودان، على سبيل المثال، يبدو أن الحكومة التي تقودها الحركة الشعبية قد وجدت أنه من الضروري أن تستوعب شخصيات بارزة من مجموعات “السلام من الداخل”، أعداء الحركة بالأمس، بل وبعض منهم كانوا من الوزراء الاتحاديين وأعضاء في حزب المؤتمر الوطني نفسه.





آفاق التغيير ونُذُر تفكُّك السُّودان:
إسقاط النظام أم صناعة البديل؟!

إن عدم الوضوح في تحديد هدف “إسقاط النظام”، في ظلِّ تصاعُد العمل المسلَّح ودق طبول الحرب بين الشمال والجنوب، مع غياب التوافُق بين، والرؤية المشتركة للقوى السياسية المعارضة، يحمل مؤشرات تنذر بتفتت السُّودان. فلا توجد بالبلاد مؤسسة واحدة شرعية ومتماسكة، ربما باستثناء القوَّات المسلحة السُّودانية، (على الرغم من المحاولات المستمرَّة للجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني لتسييسها وأدلجتها وطمس هويتها الوطنيَّة)، بمقدورها إدارة عملية انتقالٍ سلمي للسُلطة. ولعلَّ المواجهة الأخيرة في هجليج واستعادة الجيش لها بعد احتلالها بواسطة الجيش الشعبي لجنوب السُّودان، قد أضفت على القوَّات المسلَّحة السُّودانية صورتها القوميَّة. وبعبارة أخرى، فإن ضعف مؤسسات الدولة السُّودانية، والتكوين السياسي المعقد للبلاد، وغياب الثقل الموازن المُوحَّد لهيمنة المؤتمر الوطني على المركز، والافتقار إلى وحدة القضيَّة والهدف والأساليب بين القوى السياسيَّة، وما نشهده من استقطاب سياسي بين مختلف المتصارعين على السلطة، يجعل الخط الفاصل بين سقوط النظام وتفكك الدولة رفيعاً جداً. وهكذا، في ظلِّ هذه الظروف، يمكن لسقوط النظام، وما قد ينجم عنه من فراغ في السلطة، أن يقود حتماً إلى صراع دامٍ على السلطة من قبل التنظيمات المسلحة المتعدِّدة من أجل السيطرة على الخرطوم، وأجزاء أخرى من البلاد، وهو ما سيكون من المستحيل كبحه أو التحكُّم فيه.

بات تغيير النظام وشيكاً وحتمياً. بادئ ذي بدء، فإن النظام منهكٌ ومحاصر في الخرطوم، لتعرُّضه فعلياً لضغوط على جبهات متعدِّدة على الأصعدة العسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، بينما ينتابه قلق متزايد حول احتمالات الانتفاضة الشعبيَّة، على شاكلة الربيع العربي، وهو احتمالٌ لم يعُد تُنكره حتى بعض القيادات البارزة في الحزب الحاكم، ولا سيَّما في ضوء الأزمة الاقتصاديَّة المتصاعدة، خاصة في أعقاب وقف ضخ بترول الجنوب. وهكذا، يتعرَّض النظام لضغوط متزايدة من القواعد الشعبية للحزب، بل وفي صفوف الحركة الإسلامية، التي جاءت به إلى السلطة، وكذلك من قوى المعارضة السياسيَّة، بالإضافة إلى المجتمع الإقليمي والدولي. وعلاوة على ذلك، تتجه معظم القوى السياسيَّة الساعية لتغيير النظام، فضلاً عن قطاعات واسعة من الإسلاميين، بما في ذلك أولئك الذين ينتمون إما للمؤتمر الوطني أو المؤتمر الشعبي، وأولئك الذين لا ينتسبون لأي من الحزبين، وإن كانت تفتقر إلى اتفاق على جدول أعمال ورؤية وبرامج مشتركة، أو على وسائل التغيير.

من جانب آخر، فإن الأحزاب السياسيَّة ليست هي التي تُسقط الأنظمة الحاكمة الاستبداديَّة والقمعيَّة، ولكن الشعب، وقُواه المدنيَّة الأخرى، هم الذين يتحمَّلون دائماً مسئولية الإطاحة بالأنظمة الديكتاتوريَّة العسكريَّة من خلال الانتفاضات الشعبيَّة. وتدُلُّ تجربتنا في 1964 و1985 بوضوحٍ على أن الأحزاب السياسيَّة لا تحرص على الانضمام إلى الثورة، إلا عندما يتبيَّن لها أن سقوط النظام الحاكم قد بات وشيكاً. ومع ذلك، ففي كلتا الحالتين عادت هذه الأحزاب السياسيَّة للسلطة، لتحصد ثمار الانتفاضة وتكييف النظام السياسي وفقاً لحساباتها الحزبيَّة الضيِّقة، ومن ثمَّ الإخفاق فى معالجة مشاكل البلاد المتراكمة من منظور وطني، خاصة الحرب الأهليَّة التي توسَّعت رقعتها لتشمل، ولأول مرَّة، مناطق تقع في الشمال الجغرافي. فقد أسهمت، على وجه المثال، السياسات الإقصائية وأحادية النظرة التي درجت عليها حكومات الخرطوم المتعاقبة في تبغيض الجنوبي في الشمال وتنفيره من الوحدة. زاد من ذلك الشعور، خرق كافة حكومات المركز لكل تواثق واتفاق، أو مشروع اتفاق سلام أقرَّته مع ممثلي حكومة الجنوب، بدءً من مؤتمر جوبا 1947، وإعلان الاستقلال 1955، ومؤتمر المائدة المستديرة 1965، واتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتى 1972، واتفاق الميرغني– قرنق 1988. ومع ذلك، تملك هذه القوى الحزبية قواعد شعبية يُعتَدُّ بها، في الوقت الذي تشهد فيه الآن ديناميكية داخلية وتحرُّكات إصلاحيَّة استجابة لمطالب القواعد الشعبيَّة الداعية للمشاركة والشُمول في عملية صنع القرار.

كذلك، قدَّم لنا الربيع العربي ثلاثة من الدروس المهمة. أولاً، بعد سقوط النظام، تحقق القوى السياسية الأكثر تنظيماً الفوز في نهاية الأمر بحصولها على نصيب الأسد من قسمة السلطة، في مقابل خيبة ظن القوى “الثورية”. ثانياً، سبق وقوع الانتفاضات الشعبيَّة، في ليبيا وسوريا واليمن، مشاركة الثوار المسلحين. ثالثاً، ضرورة التواضع على عملية لوضع الدستور تشارك فيها كل القوى الوطنية ولا تعزل أحداً، وذلك لوضع حجر الأساس لبناء نظام حكمٍ سياسيٍ جديدٍ يستوعب الجميع.

أؤكد من جديد بأن أزمة الحكم المزمنة في السُّودان منذ 1956، في جوهرها ترجع للفشل التاريخي للنُخب السودانية، وخاصة أولئك الذين تسنَّموا مقاليد السلطة، سواءً كانوا من العسكريين أو المدنيين، في صياغة رؤية واضحة وتفصيل إستراتيجيَّة سليمة لمشروع وطني توافقي لبناء دولة المواطنة السُّودانية الحديثة. وبالتالي، أصبحت قوى المعارضة نفسها جزءً لا يتجزأ من هذه الأزمة. فقد فشلت الطبقة السياسية السُّودانية في ابتدار حوارٍ شاملٍ ومفتوح وجاد نحو صناعة بديل وطني وصياغة دستور توافقي، في عملية تتسم بالشمول وقائمة على المشاركة، بما يعكس التنوُّع المتعدِّد في السُّودان، وبناء نظام سياسي يقوم على التبادل السلمي للسلطة يضع حداً للقتال الدامي والحرب بين السُّودانيين.

لذلك، فإن التحدِّي الحقيقي الذي يواجه الحركات المسلحة وبقية القوى السَّاعية للتغيير، في هذا المنعطف التاريخي الحاسم، لا تكمُنُ في مسألة “إسقاط النظام” فحسب، بل في “صناعة البديل” المقنع والمُلهم والقادر على حشد الشعب السُّوداني من حوله، وبالتالي تجنب سقوط الدولة السُّودانية نفسها.

في الواقع، كان الراحل الدكتور جون قرنق، رغم سعيه لإعادة هيكلة السلطة في المركز، مدركاً بأن بناء البديل العملي هو شرط أساسي للإطاحة بنظام الحكم. وأنقل باستفاضة من أحد خطاباته (القاهرة، ديسمبر، 1997): «جميع السودانيين باتوا مقتنعين بأن نظام الجبهة يجب أن يذهب. ولكن، يظل السؤال: بماذا نستبدله؟  الطريق إلى الأمام هو تعزيز التجمُّع الوطني الديمقراطي، إذ لابد أن يكون لنا هيكل ليحل محلَّ الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، بحيث يصبح بديلاً مجدياً، كيان مقنع لكم أنتم، للشعب السُّوداني في المقام الأول، وفي المرتبة الثانية لجيراننا، وأخيراً للمجتمع الدولي بأسره. وذلك لأن العقل يتساءل: لا نريد نظام الجبهة الإسلامية، ولكن ماذا نضع في مكانه؟  ما هو البديل؟  وهو سؤالٌ مشروع. إذا قلتُ لكم أن الحركة الشعبية هي البديل، سيقول الناس “ولكن الحركة تنطلق من الجنوب، وهي بعيدة جداً في الأحراش، ولا يمكن أن تستلم السلطة في الخرطوم”. وهذه إجابة مشروعة وصحيحة، فالحركة الشعبية/الجيش الشعبي لا يمكنها استلام السلطة وتشكيل حكومة في الخرطوم. وإذا قلت حزب الأمة، أو الاتحادي الديمقراطي، سيكون الرد: “ولكن هؤلاء قد كانوا في السلطة بالأمس، وأنهم لا يملكون القدرة على الحُكم”. وإن قلت “القوى الحديثة”، فسيُثار السؤال: “ومن هم هؤلاء؟”، وينطبق هذا على الحزب الشيوعي وعلى أي تنظيم سياسي آخر. وهكذا، يحتار العقل، فالحل لن يكون عن طريق كل مجموعة بمفردها، مهما كانت تعتقد في نفسها. هذه المجموعات ضرورية، ولكن ليس هناك بتنظيم يفي بالغرض، أو يصلح أن يكون بديلاً، بمفرده». هكذا، ثمَّة سؤالٍ يطرح نفسه بقوة ويستدعي التفكير فيه والتفاكر حوله: هل يحقق إسقاط النظام الهدف الرئيس فى المضى نحو بناء دولة المواطنة السودانية وهل نعتقد حقيقة أننا نملك البديل كما وصفه جون قرنق بهذه الكلمات؟

الفرصة الأخيرة للحفاظ على وحدة السُّودان: ضرورة الحلِّ السياسي
ظلَّ السُّودان يشهد، منذ استقلاله في 1956، ظهور وتصاعُد الحركات الإقليمية والإثنيَّة المسلحة، خاصة فى جنوب البلاد، والتي أسفرت عن معاناة إنسانيَّة كبيرة، وأكبر عدد من اللاجئين والنازحين في أفريقيا. تحدَّت هذه الحركات الاحتجاجيَّة، وطعنت في شرعيَّة الدولة والنُخبة الحاكمة من وسط السُّودان، والمهيمنة على مركز السلطة. فقد انتهجت النُخب الحاكمة سياسيات أفضت إلى إقصاء قطاعات واسعة من أهل السُّودان من المشاركة في الحكم، وبالتالي تهميشها في المجالات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ممَّا حرَّض المُهمَّشين إلى اللجوء للمقاومة المسلحة، إذ لم تعُد هذه القطاعات الواسعة مشاركة أو صاحبة حق في حكومات يفترض أنها تمثلها. وبالتالي، لا تطالب حركات المقاومة، في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، في الوقت الراهن فقط بحقوق المواطنة المتساوية، لكنهم يطالبون أيضاً بالاعتراف بالحقوق الخاصة، بما في ذلك حقهم في الأرض، وبإدارةٍ لشئونهم بقدر من الحكم الذاتي، والحفاظ على هوياتهم الإثنية و“القومية”. فقد أخفقت دولة ما بعد الاستعمار فى وضع سياسة شاملة للمواطنة لديها القدرة على تجاوز التقسيمات الإثنيَّة والعرقيَّة الموجودة العنصريَّة والعرقيَّة من خلال إطار قومى للوحدة الوطنية (أنظر Amir Idris, "Rethinking Identity, Citizenship, and Violence in Sudan", Int. J. Middle East Stud. 44/2012)

تتطلب معالجة الأزمة العامة للعُنف السياسي المُسلَّح في السُّودان حلاً سياسياً، يستدعي بدوره إعادة تعريف الدولة بطريقة تضمن إدارة سليمة لتعايُش الهويَّات المتداخلة في سياق بناء دولة المواطنة السُّودانية القائمة على تساوى المواطنين/ات في الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون والدستور، بغضِّ النظر عن الجنس أو العرق أو الطائفة أو الدين أو القبيلة والطبقة الاجتماعيَّة. وهذا يعني ابتداءً إعادة هيكلة السلطة المركزيَّة بصورة تضع في الاعتبار مصالح كل المناطق والقوميات المُهمَّشة، سواء أولئك الذين حملوا السلاح أو الذين ظلوا يعارضون سلمياً، وتعزيز لامركزيَّة السلطة بإعادة تنظيم العلاقة بين المركز في الخرطوم والأقاليم بما يتيح المشاركة العادلة في السلطة والثروة.

لذلك، أرى أنه يتوجَّب علينا، كأولوية ملحة، مناقشة كل الخيارات المتاحة وعلى رأسها وقف الحرب والتوصل لتسوية سياسية عادلة، كشرط أساسي للتغيير نحو بناء دولة المواطنة السودانية. وقد أيدت جميع القوى السياسيَّة السُّودانية، والمجتمع الإقليمي والدولي، التفاوض كأداة سياسية من أجل تسوية سلمية للنزاع. وأذكر هنا أنه عندما تعرَّض الراحل د. جون قرنق للانتقاد بسبب قبوله التفاوض مع نظام الإنقاذ، كان دائماً يرد بقوله: “لساني هو جزء من أسلحتي، فلماذا أحرم نفسي من هذا النوع من السلاح؟”. ومع ذلك، فإن الوصول إلى اتفاق عادلٍ ومستدام يستدعي، وبالضرورة:
أولاً: البدء على الفور في صياغة ترتيبات دستوريَّة جديدة في سياق عملية تتسم بالتوافُق والشمول والشفافيَّة والمشاركة الواسعة لكل القوى السياسيَّة والمدنيَّة لتلبية إرادة وتطلعات الشعب السُّودانى بتعدُّد وتنوُّع مُكوِّناته، كمدخلٍ لتحقيق الحل السياسي الدائم للنزاع المسلح في كل أنحاء البلاد، وكفرصة أخيرة لبناء مقوِّمات دولة تقوم على الديمقراطيَّة والتداول السلمي للسلطة، وترفع يد الحزب عن الدولة ومؤسساتها وتفصل بين السلطات التشريعيَّة والتنفيذيَّة والقضائيَّة، وتكفُلُ الحريات، وتضمن حيدة وقوميَّة القوَّات المُسلَّحة والخدمة المدنيَّة. ولعلَّ المؤتمر الوطني يُدركُ أنه غير مُؤهَّلٌ بمُفرده، أو مع الموالين له، في إنجاز هذه المهمة التاريخيَّة في ظلِّ احتكاره الكامل للمؤسَّسة التشريعيَّة وسائر سلطات الدولة، وليهتدي بتجارب الإسلاميين في دول الربيع العربي في هذا الصدد، خاصة في مصر وتونس.
ثانياً: يجب أن تتم المعاملة مع، ومعالجة الصراع المسلح في كل المناطق، وخاصة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، كقضية سودانيَّة بحتة قائمة بذاتها، بعيداً عن حشره في النزاع مع دولة الجنوب، أو حصره فقط في المسائل الأمنيَّة. فقد انخرط أبناء المنطقتين في الحركة الشعبية وجيشها الشعبي عندما كان السُّودان موحداً، خاصة والحركة تأسَّست على رؤية قوميَّة تدعو لوحدة السُّودان على أسُسٍ جديدة، ممَّا جعلها تجذب قطاعات واسعة من المؤيِّدين من شمال السُّودان الجغرافي. فمقاتلو الجيش الشعبي من المنطقتين كانوا، ولا زالوا، يقاتلون من أجل قضايا عادلة ومشروعة لثلاثين عاماً، وليس لهم ناقة أو جمل في انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة التي لم تُكمل حتى الآن عامها الأول. وعلى المؤتمر الوطنى، بصفته الحزب الممسك بزمام الأمور، أن لا يحبس نفسه فى نصوص وإجراءات الإتفاقية التى تلزم الجيش الشعبى بلإنسحاب جنوبا بدون إعتبار لهذا العدد الكبير من المقاتلين المنتمين أصلا للسودان أو مطالبة حكومة الجنوب بتجريدهم من السلاح. فسيظل هؤلاء مواطنيين سودانيين لهم حقوق ويكابدون مظالم مشروعة دفعتهم لحمل السلاح من أجلها، وليس للحرب بالوكالة عن أحد. حقاً، هناك فرق بين التقيد بلإجراء الصحيح وفعل الشئ الصحيح، خاصة وأن القضية فى جوهرها تمس الوطن وتماسك مكوناته، ولن يغفر التاريخ لمن يقدم النصوص على المعنى.   
ثالثاً: إن ضرورة مقاربة الصراع المسلح في السُّودان بمَعزِلٍ عن النزاع المحتدم مع دولة جنوب السُّودان لا تعني، بأى حالٍ من الأحوال، غضَّ الطرف عن حتمية إقامة علاقة إستراتيجيَّة منظمة ومؤسسيَّة  (structured relationship) بين دولتين مستقلتين، متمثلة في بناء كيانين قابلين للحياة سياسياً واقتصادياً، وذلك بالبناء على الاعتمادات  (interdependencies) التاريخية المتبادلة بين الشمال والجنوب في المجالات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، مع الالتزام بالقيم الأساسيَّة والمتطلبات الضروريَّة لمثل هذه العلاقة.
(AUHIP: Framework for Resolving Outstanding Issues Relating to the Future of Sudan and the Implementation of the Comprehensive Peace Agreement)

خاتمة
ومع ذلك، يظل الهدف النهائي للحل السلمي هو بناء تيَّارٍ وطني عريض يُشكِّل بديلاً صالحاً للنظام، وهي مهمة تتطلب مشاركة واسعة وحوار صريح وجاد وسط وبين وجميع القوى السياسية السُّودانية، لا يَستَثنِي أو يُقصِي أحداً، والاتفاق على الآليات الضروريَّة واللازمة لتحقيق التوافق الوطني على القواسم الوطنيَّة المشتركة. إنها الفرصة الأخيرة للمؤتمر الوطني، بحُكم تحكُّمه في مفاصل الدولة والسلطة، خاصة بعد إخفاقه في الإيفاء بمستحقات تنفيذ اتفاقية السلام الشامل وتحقيق السلام المستدام بعد انفصال الجنوب، لتجنيب البلاد مخاطر التفكُّك والتفتُّت، بعد أن باتت الكتابة واضحة على الجُدران! ولا أرى مبرِّراً لتخوُّف بعض قيادات الحزب من نيفاشا أخرى، طالما كان الهدف الرئيس هو المحافظة على وحدة السُّودان، ولا ما يمنع الاستفادة من أخطاء نيفاشا الأولى وسد الثغرات بإحكام، فالعيب لم يكن أبداً فى وثيقة وروح الاتفاقية، ربما، إلا فى مخيلة منبر السلام العادل!.
////////////////