طلقة "أخيرة" في الظلام

في أعقاب الانتخابات: كيف يرضى الرئيسان المنتخبان مواطنيهما؟

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الفترة الانتقالية: أزمة في خناق أزمة

 

1.                تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، وكأن الانتقال يعنى التنقل من أزمة لأخرى، بدلا عن التحول من حكم الحزب الواحد إلى رحاب الديمقراطية والتعددية السياسية! ولعله كلما خرجنا من "نقرة" وقعنا في "دحديره" كما جاء في المثل الشعبي المصري، في إشارة إلى أنه كلما تجاوزنا مصيبة أصابتنا قارعة أفظع وأشد. فلم تسلم اتفاقية السلام الشامل منذ توقيعها في الأول من يناير 2005، بل منذ الاتفاق على بروتوكول مشاكوس في 2002، من وصمها بالثنائية بعد أن استبعدت القوى السياسية الأخرى من المشاركة في صنعها. ولم تفلح هذه الثنائية من لجم الخلافات بين الشريكين حول تقسيم الوزارات من الوهلة الأولى، أو يخفف من حدة الاتهامات المتبادلة والمشاكسات المتواصلة بينهما. ليس ذلك فحسب، بل لم يسلم المشهد السياسي من توتر ملحوظ  في العلاقة بين الشريكين والقوى السياسية المعارضة والساخطة (بالطبع ما عدا أحزاب "التوالي" التي تقف بقلب وعقل واحد مع المؤتمر الوطني)، من جهة، وبينها وبين كل شريك على حدة، من جهة أخرى. تسبب هذا التجاذب متعدد الوجوه والاتجاهات في خلق وضع سياسي محتقن تصاعدت وتائره بشده، خاصة في أعقاب إعلان جدول الانتخابات.

 

المشهد الانتخابي: تفاقم الاستقطاب السياسي

 

2.                ساهم الخلاف حول نتائج التعداد السكاني في تفاقم الاحتقان السياسي الماثل بعد رفض الحركة الشعبية الاعتراف بنتائجه المعلنة، وتبعتها في ذلك غالبية القوى السياسية الأخرى، نسبة لارتباط الإحصاء بتوزيع الدوائر الجغرافية وتأثيره على نصيب الجنوب من السلطة والثروة. ولعل (القشة التي قصمت ظهر البعير) هو اجتماع "تحالف المعارضة" الذي دعت فيه الأحزاب المشاركة بتشكيل حكومة انتقالية قومية تشرف على الانتخابات المقبلة بافتراض أن حكومة الوطنية الحالية ستفقد شرعيتها في يوليو 2009 بحكم اتفاقية السلام الشامل التي حددت هذا التاريخ لإجراء الانتخابات العامة، كما طالبت بإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات لضمان حريتها ونزاهتها، وإلا أن أحد خيارتها قد يكون مقاطعة هذه الانتخابات. ولعل ما "زاد الطين بله" هو مشاركة الحركة في اجتماع المعارضة، مقرونا بدعوتها لمؤتمر موسع بجوبا (لم تستثن منه المؤتمر الوطني) لمناقشة كافة القضايا الوطنية، إذ قابله المؤتمر الوطني بهجوم عنيف على لسان عدد من قياداته وصموا الخطوة (خاصة الدعوة لتشكيل حكومة قومية) بالمؤامرة لتغيير النظام قبل الانتخابات، وتنفيذ لسيناريو ترسمه دول أوروبية بغرض تأجيل الانتخابات، ووصفوا المتشككين في نتائج التعداد السكاني بأنهم "ينعقون بما لا يعلمون" وأن مثل هذا الحديث دليل علي عدم استعداد الأحزاب المشاركة في الاجتماع للانتخابات، ومعتبرين مشاركة الحركة الشعبية في لقاء المعارضة مخالفا لروح الشراكة لتنفيذ اتفاق السلام.

 

3.                تبعت ذلك اللقاء سلسلة من الأحداث الدرامية التي ذادت من حدة التوتر والاستقطاب السياسي، إلى حد الصدام والمواجهة العنيفة بين أنصار "قوى الإجماع الوطني" وقوات الشرطة (الاثنين 7 و14 ديسمبر 2009). ولم تسلم هذه القوى نفسها من الخلافات الداخلية، التي فجرها توصل الشريكين إلى تفاهم تم من خلاله اتفاق نهائي على قانوني استفتاء أبيى وجنوب السودان وقانون المشورة الشعبية، الخاص بمنطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، ليطرح على القوى السياسية بالبرلمان، والذي فعلا تمت إجازته بالإجماع، إذ اعتبرته قوى المعارضة بمثابة صفقة عقدت بليل بين شريكي السلطة مقابل تمرير قانون الأمن الوطني وقانون النقابات مما يعكس نية مبيتة للحركة الشعبية في ضمان إجازة القوانين المتعلقة بحق تقرير المصير (بالأصح الانفصال) دون أن تعير اهتماما بالتحول الديمقراطي، وكأنه شأنا يخص القوى الشمالية وحدها. ولكن، برغم أن التنسيق بين مكونات قوى الإجماع الوطني لم ينقطع وتواصلت اجتماعاتها إلا أن التصدع بدأ يدب في صفوفها. فبالرغم من تصعيد هذه القوى لموقفها الرافض لما اعتبرته تزويرا في كشوف سجلات الناخبين، والشروع في إعداد  مذكرة إلى مؤسسة الرئاسة تطالبها فيها بوضع حد ل"تزوير" الانتخابات، ووقف "انحياز" المفوضية القومية للانتخابات للمؤتمر الوطني، ورفضها الاستجابة لمطالب المعارضة، مما أفقدهم الثقة تماما في حياديتها، إلا أنها لم تتخذ موقفا نهائيا بشأن المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها. ومع أن هذه القوى بدأت في تسمية مرشحيها لكل المستويات التشريعية والتنفيذية والانخراط في الحملات الانتخابية في كل أنحاء البلاد، إلا أنها فشلت، في نهاية الأمر، في التوصل لقرار موحد يقضى بمقاطعة الانتخابات أو المشاركة فيها. سبب هذا التردد في اتخاذ القرار ارتباكا في صفوف قوى الإجماع الوطني، إذ أتخذ كل طرف فيها قرار منفردا بالمشاركة في أو مقاطعة الانتخابات، كليا أو جزئيا. 

 

نتائج الانتخابات: هل ختامها مسك؟

 

4.                على خلفية هذه التوترات والشد والجذب والارتباك والتردد في اتخاذ القرار وسط القوى السياسية المعارضة وداخلها، من جهة، وبينها وبين مفوضية الانتخابات والمؤتمر الوطني، من جهة أخرى، انطلقت العملية الانتخابية، مما يجعل "الجواب"، بمعنى تبعات الحدث، "من عنوانه باين"! فبالرغم من الأجواء السلمية التي صاحبت هذه العملية، إلا أن اتهام القوى السياسية للمفوضية القومية للانتخابات بالتقصير والتزوير وغض الطرف عن المخالفات والتجاوزات، وما ممارسه المؤتمر الوطني من تهديد وترغيب للناخبين، كان سيد الموقف طيلة أيام الاقتراع الخمسة. ولم يفلح اعتراف المفوضية بوجود أخطاء في عملية الاقتراع وما اتخذته من إجراءات لمعالجتها، في الحد من مطالبة قوى الإجماع الوطني بإيقاف الانتخابات في كافة إنحاء السودان حتي تتمكن من تجويد عملها، وهددت بمقاطعة العملية حال عدم الاستجابة لمطالبها.

 

5.                بمجرد ظهور بعض النتائج الأولية، أسرعت قوى تحالف جوبا، المقاطعة للانتخابات والمشاركة فيها على حد سواء، بالإعلان عن موقفها الموحد القاطع برفضها لهذه النتائج (المزورة من الألف للياء) وعدم التعامل معها إلا باعتبارها أمرا واقعا، داعية إلى انتخابات أخرى أكثر نزاهة عقب الاستفتاء وتسوية أزمة في دارفور. كما أن اكتساح المؤتمر الوطني للانتخابات على كافة مستوياتها وبفارق شاسع بين الأصوات التي تحصل عليها مرشحو المؤتمر الوطني وتلك التي تحصل عليها منافسوه، خصوصا في معاقل الأحزاب التقليدية، رسخ قناعة كثيرين بوقوع تزوير على نطاق واسع.  

 

6.                ومن ناحية أخرى، ظهر تباين واضح في موقف مراقبي الانتخابات من شفافية ونزاهة عملية الاقتراع. فقد اعتبرت بعثتا جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي الانتخابات السودانية خطوة متقدمة نحو تحقيق التحول الديمقراطي. كما أقرت البعثتان بعض الخروق والتجاوزات اللوجستية التي شابت العملية، غير أنها لم ترق إلى حد التأثير على نزاهة وحرية الانتخابات أو نتائجها النهائية. بينما أعلنت بعثتان دوليتان للمراقبة (الاتحاد الأوروبي ومركز كارتر) أن الانتخابات لم تف بالمعايير الدولية كلها أو بالتزامات السودان بشأن إجراء عملية حقيقية في العديد من النواحي، لكنهما أقرّا في الوقت نفسه، بأن الانتخابات ستمهد الطريق من أجل إحلال الديمقراطية في البلاد، ورجحتا أن تجد النتيجة قبولاً من المجتمع الدولي. أما تجمع منظمات المجتمع المدني السوداني فقد أصدر بيانا رصد فيه العديد من التجاوزات والأخطاء كنتاج طبيعي لعدم المصداقية الذي لازم أداء المفوضية منذ تكوينها، ودعي إلى إعادة الانتخابات.

 

7.                أما الآن، وبالرغم من أن صفحة الانتخابات قد انطوت، فإننا نعيش مناخا سياسيا متأزما، واستقطابا وتجاذبا بين كافة القوى السياسية، ومرشحا للتصعيد إن أضفنا إليه ملفات أكثر سخونة من استفتاء على تقرير مصير الجنوب، والمحكمة الجنائية الدولية، والأزمة في دارفور. حقيقة، هذا هو المشهد الذي يلحظه ويراه كل مراقب حصيف ماثلا أمام أعينه، ولا تستقيم معه أي مكابرة أو إنكار!

 

8.                على خلفية هذا المشهد، تهدف هذه الورقة إلى المساهمة المتواضعة في الجدل المحتدم حول ظروف الانتخابات ونتائجها، ومحاولة الدفع بخارطة طريق تعين الجميع فى تجاوز ما أفرزته من احتقان واستقطاب سياسي حاد ألقى بظلال كثيفة على مسار عملية الانتقال نحو الديمقراطية والتعددية السياسية. هذا في وقت تقبل فيه البلاد على الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب، كأخطر استحقاق دستوري في تاريخها المعاصر، بينما تواجه تحديات أخرى لا تقل خطورة تسفر عن وجهها في استفتاء أبيى والمشورة الشعبية في المنطقتين الانتقاليتين، والأزمة في دارفور، ومأزق المحكمة الجنائية الدولية.

 

الانتخابات ووحدة السودان: الوطن فوق الحزب

 

9.                للمؤتمر الوطني (والحركة الشعبية أيضا) الحق بأن يسعد ويحتفي بما حققه من نتائج للانتخابات أضحى بموجبها في حكم المحتكر للسطلتتين التنفيذية والتشريعية، ولكن بدون التقليل من شأن أو وازدراء من خسر الانتخابات سواء بالمشاركة أو المقاطعة. وبنفس القدر، فللقوى السياسية المعارضة الحق في التعبير عن مخاوفها وظنونها والطعن في نتائج الانتخابات بقدر ما تملكه من أدلة وبراهين، بدون تعسف وتقييد لحرية تحركاتها من قبل الحكومة أو إسكات صوتها طالما كان نشاطها في إطار الدستور والقانون. فما الانتخابات في جوهرها إلا وسيلة أو آلية للتداول السلمي للسلطة مما لا يستقيم معها إقصاء أو عزل أي طرف للآخر من المشاركة، والمساهمة في إيجاد الحلول للقضايا الوطنية المصيرية التي تواجهنا جميعا. ولكن ما يبعث على القلق هو الخلاف المحتدم والاستقطاب الحاد حول نتائج الانتخابات والاتهامات المتبادلة بين الفريقين مما جعل المواطنين في حيرة من أمرهم فيما من يصدقون، ومجالسهم لا حديث يدور فيها سوى هذا المشهد السياسي المحتقن ومآلات وسيناريوهات المستقبل وما تحمله الأيام في جوفها من تخوفات! ولعل ما يغذى هذه الهواجس إشارة بعض المعارضين للاحتكام للشارع والتلميح لاحتمال حدوث عمل انقلابي مسلح. ولم تتمهل بعض قيادات المؤتمر الوطني التي جاء رد فعلها غاضبا ومحذرا من التفكير في الثورة الشعبية أو الخروج في الشارع لإحداث الفوضى وترويع المواطنين، لحد تصريح لرئيس قطاع العلاقات الخارجية للحزب بأنهم سيراقبون تحركات قيادات المعارضة الذين يسافرون للخارج لبث معلومات مغلوطة بغرض العبث بنتائج الانتخابات وتشويه صورة البلاد بالخارج.

 

10.           إذن، يضع هذا الوضع السياسي المتأزم وضرورة تجاوزه عبئا ثقيلا ومسؤولية ضخمة على رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس الجنوب المنتخب، خاصة والبلاد مقبلة على استحقاق مصيري على بقائها موحدة، بينما تظل الأزمة في دارفور تراوح مكانها، وقرار المحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس مازال يلقى بظلاله على وضع السودان برمته. فسيطرة الشريكين المطلقة على الحكم في الشمال والجنوب يجب أن لا تغريهما على التخندق الحزبي الضيق والاندفاع لإزاحة معارضي كل طرف والإجهاز عليهم بدون اعتبار للمصالح الوطنية العليا. فالرئيسان تقع على كاهلهما، كل في مجال نفوذه، مسؤولية إرضاء جميع المواطنين، من صوت لصالحهما أو ضدهما أو حتى من قرر مقاطعة الاقتراع (6 مليون مواطن يمثلون قرابة ال 40% من المسجلين)، والمثابرة على تحقيق طموحاتهم في العيش بكرامة وسلام وتطلعاتهم لمستقبل زاهر. فالرئيسان مطالبان، كضامنين أساسين لاتفاقية السلام الشامل، "بوضع الوطن فوق الحزب" بالاتفاق على برنامج وطني لمقابلة التحديات المصيرية التي تواجه البلاد، وتفعيل الحوار الجاد مع بقية القوى السياسية حول عناصر هذا البرنامج، والعمل سويا لتحقيق "الوحدة الطوعية" في ما تبقى من وقت قصير يفصلنا عن الاستفتاء. ولم لا؟ فالنسبة للرئيس، وعلى حد قوله عقب الانتخابات مباشرة، مخاطبا الهيئة القومية لانتخابه، فإن "تحقيق الوحدة من أولويات الحكومة القادمة" وأن "شجرة السودان جذورها بالجنوب لو انقطعت ذهب السودان"! وفى تناغم تام تحدث النائب الأول ورئيس حكومة الجنوب للتلفزيون المصري بأن "الوحدة قوة لجميع الأطراف، أما في حالة الانفصال فسوف يخسر الجميع الكثير" وأن "الجنوب يشهد عهدا يتطلب الوحدة أكثر من قبل"! هذا هو المدخل الوحيد والصحيح لتجاوز ما خلفته الانتخابات من أزمة واستقطاب سياسي والتفرغ للتعامل مع هذه التحديات! ولكن، كيف؟

 

 

كيف يرضى رئيس السودان مواطنيه؟

 

11.           في أعقاب مذكرة إدعاء المحكمة الجنائية الدولية في يوليو 2008 (قبل صدور أمر التوقيف في مارس 2009)، كتبت مقالا مطولا نشر في ثلاث حلقات متتابعة تحت عنوان "طلقة في الظلام" (الأحداث، يوليو 2008)، دعوت فيه للوقوف خلف الرئيس وفقا لبرنامج وطني تتفق عليه كافة القوى السياسية ويضع "الوطن فوق الحزب"، ليكون بمثابة المانيفستو الانتخابي للرئيس كمرشح لرئاسة الجمهورية بحيث تقوم القوى السياسية الأخرى، وعلى رأسهم الشريك في الحكم، بدعمه على أساسه هذا البرنامج، وهدفه الأساسي أن يقوم الرئيس بإكمال مهمة الانتقال السلمية للديمقراطية والتعددية السياسية. ذلك، خاصة وأن ليس هناك من حزب سياسي آخر قد حسم أمر تقديم مرشحه للرئاسة في ذلك الوقت المبكر. وقد شددت أنه من البديهي أن الاتفاق على هذا الترتيب لا علاقة له، على الإطلاق، بالتحالفات الانتخابية لهذه القوى والتي تتنافس على أساس البرامج الحزبية، للفوز بمقاعد الهيئة (الهيئات) التشريعية، والمناصب التنفيذية الولائية، إلا إذا أردنا أن نهزم فكرة "الديمقراطية"، ونقضى على مفهوم "التعددية السياسية" من أساسها! (كنت حينها على يقين أن مجمل الظروف الموضوعية والذاتية لا تسمح بتغيير رأس الدولة في هذا الوقت وأن المؤتمر الوطني لن يدخر جهدا من أجل المحافظة على الرئيس في سدة الحكم. كما كنت على ثقة بأن ذلك التاريخ كان مفصليا في تكثيف المؤتمر الوطني للإعداد والاستعداد للانتخابات، بالرغم من إصداره لإشارات فهمتها قوى المعارضة خطأ بأن المؤتمر الوطني لا يرغب في المنافسة الانتخابية طالما ظل مهيمنا على الحكم بدون "وجع انتخابات"!). على كل حال،  تدافعت كل القوى السياسية السودانية، المشاركة في الحكومة والمعارضة، لمناصرة الرئيس في مواجهة هذا الموقف معبرة عن قلقها من المساس بسيادة السودان، ومنبهة للتداعيات السالبة للمذكرة على اتفاقية السلام الشامل، وعلى واقع النزاع في دارفور، وعلى مجمل الأوضاع الدستورية بالبلاد. فجوهر ما دعوت إليه هو توسيع الحكومة الحالية بضم القوى السياسية ذات الوزن إليها حتى تصبح حكومة "وحدة وطنية" حقيقة لا مجازا، على أن تتفق الحكومة الجديدة على برنامج وطني يتضمن السعي لحل مشكلة دارفور وموقف موحد من المحكمة الدولية، وإلى تفعيل آليات للمصالحة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

12.           فكل هذه القوى السياسية الداعمة لموقف الرئيس، خصوصا تلك التي كانت مشاركة في حكم البلاد قبل "الإنقاذ" تتوق وتتطلع إلى المنافسة على السلطة كأي حزب سياسي من خلال الإطار الدستوري لديمقراطية تعددية حقيقية. ونبهت في ذلك المقال بأن المؤتمر الوطني، الشريك النافذ في السلطة، بحكم استمرار سيطرته على مؤسسات الحكم وجهاز الدولة التنفيذي خلال الفترة الانتقالية، يقع عليه العبء الأكبر والحمل الأثقل لتحقيق شروط الانتقال للديمقراطية والتعددية السياسية، التي يفرضها الدستور والالتزام بالتطبيق الأمين لاتفاقية السلام الشامل، وأن الحزب الحاكم مطالب بتلبية هذه الشروط استجابة لمتطلبات المناصرة والاصطفاف الوطني للقوى السياسية السودانية خلف الرئيس. وهو مطالب سياسيا وأخلاقيا، وبموجب العهود والمواثيق التي وقعها مع هذه القوى السياسية، بدفع مستحقات التحول الديمقراطي.

 

13.           ولكن، كما استعرضت في مقدمة هذا المقال، جاءت الانتخابات ومضت ونفس هذه القوى (من شارك منها ومن قاطع) تدفع بالإجماع بأن هذه المطلوبات لم تتحقق. فبعد مرور حوالي العامين من ذلك التاريخ، يظل الانفراج النسبي في هامش الحريات المتاحة للمعارضة السياسية، وإجازة قانوني تنظيم الأحزاب السياسية والانتخابات وتكوين المفوضية القومية للانتخابات، بالرغم من التحفظات عليها من القوى السياسية الأخرى، هي الإجراءات الملموسة التي اتخذتها الحكومة. بينما لم تزل بقية المستحقات،المتصلة بتعديل القوانين المقيدة للحريات (خاصة قانون الأمن الوطني الذي تمت إجازته في ظل انسحاب المعارضين وتصويت نواب الحركة الشعبية ضده) وتفعيل المفوضيات، تنتظر التنفيذ.

 

14.           ولا تتوانى قيادات المؤتمر الوطني بالرد القاطع بأن هذه الأحزاب قد أصابتها أمراض "الشيخوخة" فلم تحسن قراءة الخارطة السياسية والتغييرات الهائلة التي حدثت في خلال عقدين من حكم "الإنقاذ"، أو أنها توهمت بأن الانتخابات لن تقوم، فبددت وقتها في المطالبة بالتأجيل بدلاً عن الاستعداد لها، بينما أهملت التواصل مع قواعدها، في الوقت الذي لم يضع فيه المؤتمر الوطني وقتا للتأهب وإعداد العدة لها باكرا منذ التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، وتكثيف استعداداته في أعقاب صدور مذكرة إدعاء المحكمة الجنائية الدولية في يوليو 2008.

 

15.    إن الرئيس، في هذا الظرف بالذات، ليس برئيس للجمهورية أو للحزب الحاكم فحسب، فقد كان رئيسا للبلاد حتى قبل تكوين وإعلان الحزب نفسه، كما أنه ليس برئيس لنظام "الإنقاذ"، بل أنه المسئول الأول عن أهم عملية انتقال سياسي وتحول دستوري بعد استقلال البلاد في 1956. وبهذه الصفة، وكضامن أول لسلامة الترتيبات الدستورية التي قامت على اتفاقية السلام، والمسؤول الأول عن إبعاد شبح تقسيم وتشظى البلاد وتحقيق وحدة السودان الطوعية التي أعطتها ذات الاتفاقية الأفضلية، فعلى الرئيس أن يخلع جلباب الحزب الضيق ويتوشح بعباءة كل السودان بتبنيه لبرنامج لا يلبى رغبات ناخبيه فحسب، بل يتعداها ليستجيب لمطالب القوى السياسية، والتي في أصلها استحقاقات دستورية قائمة على اتفاقيات مع هذه القوى ذاتها، وبذلك يرضى الرئيس مواطنيه من كافة الاتجاهات، ويحافظ على مكتسبات كل الشعب السوداني وتطلعاته لسلام دائم ولحياة آمنة وكريمة. وهاهو الرئيس نفسه، في مخاطبته للشعب السودان في أعقاب فوزه في الانتخابات، يؤكد أن "شكرنا في هذا اليوم يشمل كل الذين وقفوا معنا وأيدونا من قطاعات الشعب كافة وكذلك يشمل من لم يؤيدونا، ولكن لا يخصم عدم تأييدهم لنا من مواطتنتهم شيئا، فرئيس الجمهورية يمارس سلطاته كرئيس للجميع وهو مسئول عنهم، هذه حقيقة أؤكدها والتزام أعلنه"! وبدورها، تستدعى هذه الاستجابة لطموحات كل المواطنين اتخاذ حزمة من الخطوات الكفيلة بإخراجنا من نفق الاستقطاب السياسي بين الحزب الذي يرأسه "الرئيس" والقوى السياسية المعارضة، والذي أفرزته العملية الانتخابية، وعلى رأس هذه التدابير:

 

 I.      الدخول في حوار جاد ومباشر بين المؤتمر الوطني وشريكه في الحكم، من جهة، والقوى السياسية المعارضة، من جهة أخرى، للتوصل إلى توافق وطني واتفاق سياسي على العناصر الأساسية لبرنامج "قومي" يفضى التنفيذ الأمين له لمقابلة التحديات التي تواجه البلاد في هذا الظرف الحرج والدقيق من تاريخها الحديث. وهذا ما ذهب إليه الرئيس في كلمته بمناسبة فوزه في الانتخابات "أيدينا وعقولنا مفتوحة لكل القوى العاملة في إطار الدستور، بالتواصل والتحاور والتشاور لتأسيس شراكة وطنية نواجه بها التحديات".

II.      توسيع قاعدة الحكم: وتتطلب تشكيل "حكومة مشاركة وطنية" (على المستويين الاتحادي والولائي) لتنفيذ البرنامج المتفق عليه سياسيا، دون الانشغال بتسميتها "قومية" كانت أم "حكومة ذات قاعدة عريضة"، مما يعنى إشراك القوى السياسية ذات الوزن والقاعدة الجماهيرية، بغض النظر عن مشاركتهم في الانتخابات أو مقاطعتهم لها. ويجب أن لا يثير هذا الأمر الصراع حول الحصص والأنصبة، طالما كانت الحكومة قائمة على برنامج "قومي" متفق عليه، ولا تتخذ قراراتها بالتصويت. فرفض التجمع الوطني وحزب الأمة، مثلا، المشاركة في حكومة "الوحدة الوطنية" (المعينة وفقا للنسب التي أقرتها اتفاقية السلام الشامل)، لم يكن بسبب صغر "الكوته"، بل لغياب البرنامج القائم على القواسم المشتركة والإجماع الوطني. 

III.       المبادرة والاتفاق على إنشاء منبر قومي أهلي (منبر مستقبل السودان) تشترك فيه كل القوى السياسية والشخصيات ذات المصداقية والمعروفة بميولها الوحدوية الصادقة ومنظمات المجتمع المدني الحديث والتقليدي، كآلية لمراجعة التحديات وتحديد العقبات التي تعترض تنفيذ ما تبقى من استحقاقات اتفاقية السلام الشامل، والمساهمة في اقتراح البرامج التي قد تغرى الجنوبيين بالتصويت لصالح خيار الوحدةً. فمع أن مسؤولية تنفيذ اتفاقية السلام الشامل تقع على عاتق الشريكين، إلا أنه من الضروري إشراك وانخراط اللاعبين الآخرين خاصة ونحن على أعتاب مرحلة حرجة قد تبقى على البلاد موحدة أو تنشطر إلى جزأين أو أكثر! يظل المدخل الصحيح لمعالجة قضية الوحدة وجعلها جاذبة هو فتح الحوار حول الوحدة والانفصال ومستقبل السودان فيما تبقى من وقت قصير، كما لابد من بذل مجهود مقدر نحو إصلاح ما يمكن إصلاحه وتغيير الرؤى النمطية حول الانتماءات والعلاقة بالآخر في السودان. وهذه المبادرة تبنى على أساس ضمان تنفيذ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وكذلك المشورة الشعبية للمنطقتين الانتقاليتين، إذ أن الوحدة التي تناقش هنا هي في الأساس وحدة طوعية تقوم على الإرادة الحرة للشعوب. تتمثل الأهداف والنتائج المتوقعة من "المنبر" في: الحوار حول ايجابيات وسلبيات الوحدة، مناقشة السيناريوهات البديلة، وتدعيم السلام والاستقرار في جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان. ومع احترامنا وتقديرنا لأعضاء "الهيئة القومية لانتخاب البشير"، إلا أن تحويلها إلى هيئة "لدعم خيار الوحدة"  قد لا يؤدى إلى تحقيق الغرض المطلوب إذ أن معظم أفرادها إما من المنتمين للحزب الحاكم أو من المؤيدين له، بل تضم من عرفوا بنزعتهم الانفصالية ومناصبتهم العداء لزعيم الحركة الراحل ومشروعه الوحدوي، مما يفقدهم المصداقية في عيون الجنوبيين، وهم الهدف المقصود بالمبادرة.

 

ملامح البرنامج "القومي" لحكومة المشاركة الوطنية

 

i.      بذل كل الجهود وتوجيهها نحو المتابعة اللصيقة لإنفاذ البرامج والخطط الكفيلة بحث الجنوبيين للتصويت لصالح الوحدة في الاستفتاء على تقرير المصير. لا يتناقض هذا الهدف مع العمل على التحضير والإعداد لاستفتاء الجنوب واستفتاء أبيى والمشورة الشعبية للولايتين الانتقاليتين، بالإضافة إلى مناقشة قضايا ما بعد الاستفتاء إن جاءت نتيجته مؤكدة للترتيبات الدستورية القائمة، أو لصالح الانفصال.

ii.      الإشراف على، ومتابعة تنفيذ ما تبقى من متطلبات التحول الديمقراطي، وذلك بتنفيذ كل النصوص ذات الصلة في اتفاقية السلام الشامل واتفاقية القاهرة. فهناك كثيرون يعتقدون خطأ بأن اتفاقية السلام تعنى فقط بإنهاء الحرب بين الشمال والجنوب، غافلين عن أن للاتفاقية هدفان توأم هما وقف الحرب وتحقيق السلام، والتحول الديمقراطي، والذي من أهم شروطه: 1) تعديل كافة القوانين السارية وذلك بإلغاء النصوص التي تتعارض مع حرية التنظيم والتعبير والصحافة وكافة الحقوق الأساسية لضمان اتساقها مع نصوص اتفاقية السلام والدستور الانتقالي والمعاهدات الدولية المصادق عليها، 2) تشكيل مفوضية حقوق الإنسان وفق قانون يضمن استقلالها وقوميتها ويحدد صلاحيتها وآليات عملها وفق المعايير الدولية، و3) دراسة ومراجعة قوانين الخدمة المدنية وهياكلها ومجالسها وأجهزتها المتخصصة، وذلك بغرض تطويرها وتفعيلها بما يضمن قوميتها وحيدتها وفعاليتها وكفاءتها واستقلاليتها.

iii.      المثابرة على حل النزاع في دارفور وتحقيق العدالة والتصالح والسلام الدائم، وذلك بالبناء على مخرجات مفوضات الدوحة (خاصة وقد تعقدت الأمور في أعقاب الانتخابات مباشرة بعد اتهام حركة العدل والمساواة الحكومة باستهداف مواقعها عسكريا مما دفعها لتجميد المفاوضات من جانب واحد). وذلك بالاهتداء بالمبادئ التي جاءت في توصيات تقرير لجنة حكماء أفريقيا (والتي اعتمدتها حكومة الوحدة الوطنية) لتسوية النزاع: أن يتم التفاوض في مناخ للتحول الديمقراطي يعم كل السودان، وأن يبنى على تقاسم السلطة والثروة وعلى تحقيق الوحدة الوطنية مع التنوع، وأن تأخذ العملية السياسية في الاعتبار جذور النزاع التي أدت إلى تهميش دارفور، وأن تتبنى إجراءات سياسية واقتصادية تهدف إلى إعادة وضع دارفور لمكانتها المستحقة في السودان، وأن تضم المفاوضات الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية والنازحين واللاجئين والزعماء التقليديين والإدارة الأهلية والمجموعات الرعوية والمجتمع المدني، وأن يتم التعامل مع العوامل الخارجية للنزاع مثل تطبيع العلاقات مع الجيران خاصة تشاد، وتحسين علاقات السودان بالمجتمع الدولي كأسبقية عالية.

iv.  البدء فورا في صياغة آليات و أشكال مصالحة وطنية شاملة و تضميد الجراح، ليس في دارفور فحسب، بل في جميع أنحاء القطر كجزء من عملية بناء السلام، وفقا لبروتوكول ماشاكوس، يشارك فيها الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والقادة الدينيون، وقادة القبائل.

v.      وضع الملامح العامة لخارطة طريق تهدف إلى تحقيق "العدالة الاجتماعية"، والتي لا تقل أهمية عن "العدالة الجنائية". إن التطورات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية التي حدثت بالبلاد خلال العقديين الماضيين وما نتج عنها من نزوح غير مسبوق إلى لعاصمة القومية أفرز مجتمعين متباينين، مجتمع الأغنياء (الذين يملكون كل شيء، ومجتمع الفقراء (الذين لا يملكون شيئا)، مع تآكل مستمر في الطبقة الوسطى، مما ينذر بانقسام حاد قد يفضى إلى قتال أهلي وفوضى عارمة.  فبحثنا عن العدالة الجنائية (رأسيا) في سياق النزاعات المسلحة بين المركز والأقاليم على خلفية التهميش للمجموعات "القومية" و"الاثنية"، يجب أن لا يلهينا عن الغبن الاقتصادي والاجتماعي للفقراء والمستضعفين في المركز نفسه، مما يهدد بنسف السلام الاجتماعي. وإن كان تحقيق العدالة الاجتماعية (أفقيا) يستوجب إعادة النظر في توزيع الدخل القومي، وهو إجراء بعيد المدى، فالمدخل الصحيح على المدى القصير يستدعى التوجه لتخفيض معدلات الفقر وتوفير فرص العمل والتدريب، خصوصا للخريجين، ومحاربة الفساد بصرامة كأساس لإرساء دعائم الحكم الراشد.                          

vi.  متابعة أداء المفوضيات، خاصة مفوضية حقوق الإنسان (بعد تكوينها)، والمفوضية القضائية، ومفوضية الاستفتاء، ومفوضية الخدمة المدنية، والتأكد من قوميتها واستقلالها، وتنفيذ توصياتها لإصلاح مؤسسات الدولة بما يتسق مع متطلبات الانتقال للديمقراطية والتعددية السياسية. كما لابد لمفوضية حماية غير المسلمين أن تلعب دورها الذي حددته الاتفاقية.

vii.  إعادة تنظيم أجهزة ووسائل الاتصالات والإعلام العامة بغرض صياغة الخطط والبرامج   والسياسات التي تعكس الأجندة الوطنية لبناء السلام والديمقراطية.

 

في معنى حكومة المشاركة الوطنية

 

16.           أدرك جيدا أن مقترح "الحكومة الموسعة" يثير جدلا واسعا وسط كل القوى السياسية، بما فيها المؤتمر الوطني. فالحكومة "القومية" ظلت مطلبا للقوى المعارضة قبل الانتخابات حتى تضمن تهيئة المناخ الملائم وتسوية أرضية الملعب لإجرائها وتكتمل شروط الحرية والنزاهة. وهو مطلب رفضه الشريكان بحجة تعارضه مع نصوص اتفاقية السلام الشامل. وفى أعقاب الانتخابات، جاءت الدعوة، هذه المرة، من المؤتمر الوطني نفسه للقوى المعارضة للاشتراك في الحكومة الجديدة بالرغم من تضارب قيادات الحزب بشأنها، فمنهم من قصد بالدعوة كل الأحزاب المشاركة في الانتخابات والمقاطعة لها، ومنهم من حصرها في تلك التي تحصلت على تمثيل نيابي وكل بحسب وزنه. 

 

17.           وجاء رد فعل القوى السياسية المعارضة في أغلبه رافضا لفكرة الحكومة "القومية" أو "ذات القاعدة العريضة"، في أي من صورها، مفضلة للحوار والتوصل لإجماع وطني قبل قبول أو رفض المشاركة في هكذا حكومة، بينما ترفض أحزاب أخرى (المؤتمر الشعبي) الفكرة من أساسها، وتورد هذه القوى أسبابا متعددة لموقفها: 1) أن المشاركة تحرم الأحزاب المعارضة من ممارسة دورها الطبيعي في ترشيد مسار الحكم وتخلق وضع شاذا تجد فيه المعارضة نفسها مع الحكومة في مركب واحدة، وهو أمر لا يحدث في النظم الديمقراطية الراسخة، 2) القصد من الدعوة، بعد أن ازدراها وسفهها المؤتمر الوطني في فترة ما قبل الانتخابات، تكمن في تخوف الحزب من مواجهة استحقاق الاستفتاء وتحمل تبعات الانفصال لوحدة، 3) أن مثل هذه الحكومة تذكر بالحكم الشمولي في ظل احتكار المؤتمر الوطني لكل المقاعد التشريعية القومية والولائية وحكومات الولايات، فمن الأجدر أن يترك الحزب الحاكم وحيداً ليتحمل وزر أفعاله ويحصد ما زرعه ولتلتفت قيادات الأحزاب إلي التواصل مع قواعدها وتنظيم أحزابها وإعادة هيكلتها، 4) ثم لماذا إشراك المعارضة في الحكومة طالما هناك حزبان فائزان بالأغلبية؟ فليشكلا الحكومة وليبقى الآخرون في المعارضة تبعا لمنطق التنافس الانتخابي، و5) ستكون مشاركة الأحزاب المعارضة بمثابة "ديكور" أو "تمومة جرتق" بدون أي سلطات حقيقية في اتخاذ القرار، استشهادا بتجربة "حكومة الوحدة الوطنية" السابقة للانتخابات. لاشك، أن للمعارضة أسباب وجيهة للتشكك في، والحذر من وضع "كل البيض" في سلة الحكومة "القومية" أو "ذات القاعدة العريضة"! 

 

18.    ولكن، فلننظر لمعنى المشاركة في "الحكومة الموسعة"  من زاوية المصالح الوطنية العليا وضرورة مشاركة كل القوى السياسية في مواجهة التحديات التاريخية واتخاذ القرارات المصيرية بغض النظر عن نتيجة الانتخابات "المشكوك" فيها من قبل جل القوى السياسية السودانية. ولكن هذا مرهون بصدق وجدية المؤتمر الوطني في هذا المسعى وإلا فإن دعوته لمشاركة القوى في الحكومة لن تعدو أن تكون فقط بمثابة "فترة استراحة" من المعارضة لتحقيق مصالح حزبية لينقلب عليها الحزب الحاكم متى ما سنح الوقت والظرف المناسب، ولهذه القوى تجارب في هذا الدرب و"اليتيم ما بعلموه البكاء"! والآن، بعد أن أحكم المؤتمر الوطني هيمنته على شمال البلاد تنفيذيا وتشريعيا، فهل الحزب على استعداد لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة منفردا والتعامل مع مستحقات الوحدة أو تقسيم البلاد لوحده؟ أم كيف يتوقع "أقوياء" المؤتمر الوطني أن تقف معهم القوى السياسية الأخرى إن لم تحس بأن هناك من "يستمع" لها، ولا "يسمعها" فقط، بل ويولى تشخيصها للأزمات البلاد وتوصياتها للعلاج ما تستحقه من اهتمام، ويشركها في اتخاذ القرارات الوطنية المصيرية، بدلا عن إقصائها واستبعادها بحجة سقوطها في الانتخابات؟ أما حان الوقت للاعتراف بكينونة هذه القوى وقواعدها الاجتماعية وبدورها ومساهمتها في إيجاد الحلول لمشكلاتنا القومية! خلاصة الأمر، أنه لا يمكن للمؤتمر الوطني وحده، ناهيك عن "أقويائه وغلاته"، مواجهة ومعالجة هذه المشكلات في ظل هذا الاستقطاب والمناخ السياسي المحتقن، خاصة تداعياتها على عملية الانتقال السلمي للسلطة والمحافظة على الترتيبات الدستورية القائمة التي تراضى عليها الشعب السوداني بعد أن ذاق الأمرين من ويلات الحروب. إن استبعاد هذه القوى ووضعها في ركن قصي يفضى في نهاية الأمر إلى عزلة الحزب الحاكم عن قطاعات واسعة من الشعب السوداني، مما قد يعيدنا إلى مربع "الصراع" العنيف على السلطة. لاشك أن السير على هذا النهج سيحدث شرخا في الاصطفاف الوطني، نحن أشد ما نكون في الحاجة إليه في هذا الظرف الحساس. كما أنه ضرب من إلحاق الإساءة بالأذى أن تعتبر بعض قيادات الحزب الحاكم أن مشاركة الأحزاب المعارضة في الحكومة "نبلا" منه أو أنها من باب "حسن النية"، وأن الحزب لا يستجديهم أو يبدى إصرارا على إشراكها (رئيس قطاع العلاقات الخارجية، صحيفة الأحداث، 3 مايو 2010). أم هل يريد المؤتمر الوطني أن يقف وحده ضد الجميع؟

 

19.           لا شك أن هذه الهيمنة المطلقة ضارة ليس بالوطن فحسب، بل بالمؤتمر الوطني نفسه، إذ سيتحول المجلس الوطني (الذي من المفترض أن يعكس تنوعنا السياسي) إلى مجلس شورى الحزب نفسه، فأين، وكيف تكون، المحاسبة؟ والتي بدونها سينزلق الحزب إلى صراعات داخلية حول المناصب والمكاسب، ويعم الفساد ويستفحل! ويشهد التاريخ أن السيطرة التامة لم تدم أبدا، ودائما ما تكون نتائجها وخيمة، البلاد فيل "السلطة المطلقة تفسد مطلقا"، فهل يريد المؤتمر الوطني أن يعمل ضد نفسه ويقود البلاد في طريق التهلكة؟ المجلس الوطني المنتخب سيضطلع بإجازة دستور السودان الدائم، فهل من المستساغ سياسيا أن يقوم حزب واحد بهذه المهمة، خصوصا في حالة انفصال الجنوب؟ هذا سيعيدنا خطوات للوراء ويكرس حكم الحزب الواحد الذي لم يفض إلى للحروب والصراع العنيف على السلطة.

 

20.           ومن ناحية أخرى، فقد انتقدت قيادات القوى السياسية المعارضة موقفها من، وأدائها الانتخابات "لا سيما "الربكة" المصاحبة لاتخاذ قرار المشاركة فيها من عدمه" (فاروق أبو عيسى، صحيفة الأحداث، 30 أبريل 2010)، إضافة إلى أخطائها في مراحل الانتخابات المختلفة مثل مرحلة التسجيل، وفي ضعف متابعة مراقبيها لمراحل التصويت إحصاء الأصوات، وضعف تكثيف حملاتها الانتخابية وسط قطاعات النساء والشباب (فاروق أبو عيسى، صحيفة الأحداث، 4 مايو). ولعل هذا النقد الذاتي يوفر وقودا تستخلص منه هذه القوى الدروس في التعلم من تجربتها. فلتنفذ البصر في كيفية التعاطي الايجابي مع متطلبات المرحلة والمساهمة في حل القضايا التي تؤرق الوطن ككل بدلا من إهدار الطاقات في التشفي والاحتجاج، والانغماس في أتون الصراع على السلطة، حتى تقدم الخيار المقنع لجماهيرها. إضافة، إلى ضرورة أن تتعرف فيها القوى السياسية على مواطن الضعف في سياساتها، وبرامجها الانتخابية، ومواقع الخلل التنظيمي في داخلها، واستلهام العبر من التجربة حتى يتم تناولها بجدية ومعالجتها في سياق الإعداد والاستعداد للانتخابات التي تليها. وقد يدفع الإقبال على المنافسة الانتخابية الفصائل المنقسمة على أحزابها بأهمية طي الخلافات والعمل على التوحد والالتفاف حول قيادة موحدة. كما أنها تشكل فرصة أيضا للتفاعل قد تقود إلى تبلور تحالفات جديدة مما يخلق حراكا سياسيا ويدفع بالوضع السياسي، خاصة أجندة الوحدة، إلى الأمام. ذلك بجانب، أنها تساعد هذه الأحزاب في اكتشاف ثغرات العملية الانتخابية في مراحلها المختلفة والعمل على درءها، ولو تحسبا للانتخابات قادمة، حتى وإن وقع الانفصال.

 

21.           وإلا، فمن جهة أخرى، ما هي بدائل القوى السياسية المعارضة والرافضة لنتائج الانتخابات؟ فليس هناك من بدائل غير اللجوء للسلاح أو الانتفاضة الشعبية، والتي لن يؤدى أي منهما إلا لتصعيد العنف وإدخال البلاد في طريق الفوضى وتفتح الباب واسعا لحرب أهلية جديدة؟ فإن أشارت بعض هذه القوى إلى تجارب المعارضة في كينيا أو زمبابوي أو إيران أو تايلاند، فهل الظروف الموضوعية والذاتية تتشابه أو تتماثل؟ وما هي النتائج النهائية لهذه التجارب غير التسوية السياسية، إذ لم يتم إلغاء نتيجة الانتخابات في أي منها؟ فبدلا من المقارنة بهذه الدول، فلماذا لا ننظر إلى تجارب أخرى معاصرة تشير إلى إمكانية تنحية الحزب المهيمن من السلطة عن طريق الانتخابات كما حدث في زامبيا وغانا والسنغال وكيب فيردى وشيلي والبرازيل وبوليفيا وفنزويلا ونيكاراجوا؟ ولا نحتاج للذهاب بعيدا، فقد نجحت قوى العارضة في إزاحة حزب KANU الحاكم في الجارة كينيا الذي استأثر بالسلطة المطلقة لأربعة عقود كاملة.

 

22.           كما أن القوى السياسية والاجتماعية في الشمال، وخاصةً أنصار الوحدة من قوى التغيير، تواجه تحديا كبيرا يتمثل في قدرتها على تركيز جهودها وتنسيقها بشكل واسع وفعال، وذلك بهدف تحريك أجندة الوحدة ودفعها إلى الأمام، مما يجنب البلاد مخاطر التقسيم إلى دولتين، في أحسن الفروض، أو التمزق والانهيار الكامل، في أسوأ السيناريوهات. وأشدد هنا على أنه حان الوقت لأن تقوم هذه القوى بإعادة النظر في استراتيجياتها وأشكال تنظيمها، وبإجراء تقييم موضوعي لما أحرزته من تقدم في سبيل تحقيق أهدافها المعلنة. فالكيانات السياسية لا تقيّم فقط ببرامجها جيدة السبك والكتابة، رغم أهميتها المؤكدة، وإنما بقدرتها على تعبئة قواعدها المعنية وتنظيمها بشكل فعّال، وتأثير تلك البرامج في الواقع العملي.

23.           ومن المهم التنبيه بأن الحكومة "الموسعة" لا تقاس بعدد الأحزاب المشاركة فيها، كما لا تعنى بأي حال من الأحوال مكافأة الأحزاب "الصغيرة" (أحزاب "الفكة" أو الأحزاب "المنشقة")، والتي أميل لوصفها بالأحزاب "الشبكة"، فهي في الحقيقة "مجموعات" مصالح"، شمالية كانت أم جنوبية، وتاريخها قصير بعمر السياسة السودانية، وتعتمد على "شبكة" من علاقات الاقتصادية والاجتماعية، وتعيش على إرث تاريخي لقياداتها السياسية أو الطائفية، أو على استحقاقات سابقة تتصل باتفاقيات السلام "من الداخل". وهى "مع ومن وإلى" المؤتمر الوطني، من ناحية التأييد المطلق لسياسات وبرامج وخطط وتوجهات الحزب، فإن كانت مشاركة بعض قيادات هذه الأحزاب لها قيمة مضافة ومساهمة متفردة لا يمكن الاستغناء عنها، فليشاركوا في الحكومة كمؤتمر وطني! ولم لا؟ فقد أخليت لهذه القيادات بعض الدوائر ففازوا في الانتخابات بأصوات المؤتمر الوطني!

 

حكومة المشاركة الوطنية: حاشية

 

24.              بحكم الدستور الانتقالي يكون أجل ولاية رئيس الجمهورية، وأجل كل من مجلسي الهيئة التشريعية القومية، خمس سنوات (المادتان 57 و90). فإذا جاءت نتائج الاستفتاء حـول تقرير المصـير مؤكدة للوحدة، تكمل الهيئة التشريعية القومية أجلها (المادة 118-1)، أما في حالة التصويت للانفصال من قبل مواطني جنوب السودان، تُعتبر مقاعد الأعضاء الجنوبيين في الهيئة التشريعية القومية قد خلت وتُكِمل الهيئة التشريعية القومية بعد إعادة تشكيلها على هذا النحو أجلها لحين الانتخابات القادمة (المادة 118-2). ولعل الجميع يدرك أنه إن تم الانفصال، فسيفيق أهل السودان على واقع جديد تقوم فيه دولة لشمال السودان وفى حدوده الجنوبية دولة جديدة كان أهلها لوقت قريب مضى يشكلون جزءا من النسيج السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للدولة السودانية بحدودها الحالية منذ نيل البلاد لاستقلالها في عام 1956. يستدعى هذا الواقع الجديد وغير المسبوق في تاريخ السودان أن يدعو الرئيس إلى إجراء انتخابات مبكرة، وليس إعادتها، للمجلس الوطني والمجالس التشريعية الولائية وولاة الولايات، وذلك بنهاية السنة الثانية من أجل الهيئات التشريعية القومية والولائية. حينها تكون حكومة المشاركة الوطنية قد أكملت مهامها فيما يتصل بإنفاذ المتطلبات المتبقية للتحول الديمقراطي وتهيئة المناخ الملائم لإجراء هذه الانتخابات، في الوقت الذي تكون فيه أيضا ترتيبات الانفصال وتكوين الجنوب لدولته المستقلة قد اكتملت. هذه خطوة ضرورية لا علاقة لها بأسباب الخلاف على نتائج الانتخابات الماضية، بل تمليها اعتبارات موضوعية، لعل أهمها: أولا، تتيح فترة العامين فرصة للتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع في دارفور، حتى تتمكن من الاشتراك في الانتخابات المبكرة كهدف مشترك لكل القوى السياسية، خصوصا، والحركات المسلحة في دارفور. كما أن هذه المهلة توفر مساحة لهذه الحركات لإعادة تأهيل نفسها سياسيا، ومخاطبة قواعدها استعدادا لخوض المعركة. ثانيا، من أهم وأخطر مهام المجلس الوطني المنتخب هو صياغة وإجازة الدستور الدائم لدولة "شمال السودان"، الأمر الذي يستدعى بالضرورة أن يكون المجلس ممثلا لكل القوى السياسية الفاعلة في البلاد للمشاركة في تقرير مصيرها. وإلا فإن المجلس الوطني عقب إخلاء النواب الجنوبيين لمقاعدهم سيتحول إلى برلمان الحزب الواحد مما يقدح في مصداقية ما يجيزه من تشريعات، خاصة دستور البلاد الدائم والذي سيصبح موضوعا للخلاف والنزاع بدلا من أن يكون وثيقة مرجعية ترسى قواعد الحكم وتضبط الممارسة السياسية، مما يعيدنا خطوات للوراء، وكأننا ما زلنا نعيش في عام 1998! ثالثا، سيكون مثل هذا البرلمان بمثابة امتداد للجهاز التنفيذي، طالما كان نوابه هم أعضاء الحزب الحاكم فقط، مما يجرده من وظيفته الأساسية في مراقبة أداء هذا الجهاز. إذن كيف ستراقب وتحاسب الحكومة نفسها بنفسها؟ كما أنه من غير المقبول سياسيا أن تبقى حكومة "المشاركة الوطنية" حتى انتهاء أجل المجلس الوطني في خمس سنوات، في ظل مشاركة أحزاب تفتقد لأي تمثيل نيابي.

 

وكيف يكافئ رئيس الجنوب مواطنيه؟

 

1.          بتوسيع قاعدة الحكم إقليميا وولائيا

 

25.           ولا يختلف المشهد الانتخابي في الجنوب عنه في الشمال، حيث يبدو أن هناك انقساما واضحا بين القوى السياسية المعارضة والحركة الشعبية التي فاز رئيسها ب93% من أصوات الناخبين كما كسبت الغالبية العظمى من مناصب الولاة ومقاعد المجالس التشريعية على كافة مستوياتها. فقد عَبّرت كافة الأحزاب الجنوبية عن استيائها وأسفها الشديد للمُمارسات التي كانت تقوم بها عناصر من الجيش الشعبي أثناء فترة الاقتراع والفرز، وحملت الحركة الشعبية كل الخروق والتجاوزات الأمنية‘ مع صمت مطبق للقوى السياسية الشمالية وعزوفها عن إبداء رأيها في ما وقع من خروق وانتهاكات‘ باستثناء بعض حالات متفرقة. وبعد إعلان نتائج الانتخابات مباشرة، أعلنت تسعة أحزاب جنوبية مناوئة رفضها لهذه النتائج  في الجنوب ووصفتها بالمزورة، معتبرة النسبة التي حازها مرشحو الحركة الشعبية لرئاسة الجنوب على التزوير، مما ينذر باحتقان سياسي فوق ما يشهده الجنوب من توترات أمنية وصراعات قبلية. هذا إضافة إلى عدد من المستقلين الذين شقوا عصا الطاعة على الحركة بإصرارهم على الترشيح والمنافسة ورفضهم الانصياع لمناشدات القيادة لهم بالانسحاب، مما قاد إلى تفجير الموقف والصدامات العنيفة في عدد من الولايات.  

 

26.           إن رئيس الحركة الشعبية يضع على رأسه أكثر من "قبعة"، مما يؤهله للعب دور محوري على المستويين الاتحادي والاقليمى بجنوب السودان لتجاوز مأزق الانتخابات ليس في الجنوب فحسب، بل في كل السودان. فرئيس الحركة الشعبية ورئيس حكومة الجنوب المنتخب هو أيضا النائب الأول لرئيس الجمهورية، مما يجعل مسؤولياته لا تقف عند حد الاستجابة لشعب الجنوب فحسب، بل تمتد لتشمل الشعب السوداني بأسره. فالحركة لا تضم في عضويتها جنوبيين فقط، أو تقتصر جماهيرها ومناصروها على الجنوب فقط، بل تستوعب المشايعين من كل أنحاء البلاد، كما تعبر عنه تشكيلة مؤسساتها. كما أنه، وبنفس القدر، مسئول عن مواطنيه بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية. فعلى صعيد الجنوب، فإن الرئيس مطالب بتشكيل حكومة الجنوب "الإقليمية" وحكومات الولايات، بإشراك القوى السياسية المعارضة على أساس برنامج تتوافق حوله كل هذه القوى لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية والاستعداد والإعداد للاستفتاء. وعلى المستوى القومي، يحتم عليه وضعه كنائب أول للرئيس، بصلاحيات واسعة، أن يدفع ويحض رئيس الجمهورية بتشكيل "حكومة المشاركة الوطنية"، على المستويين الاتحادي والولائى، وإشراك قوى المعارضة، بغض النظر عن مشاركتها في الانتخابات، بما فيها الحركة الشعبية (قطاع الشمال)، وفقا لبرنامج "الوطن فوق الحزب". وهذا ما أكده الأمين العام للحركة، فعلى حد تعبيره "سنشكل حكومة وحدة وطنية ائتلافية من الأحزاب السياسية الفائزة وبمشاركة الأحزاب السياسية التي لم تشارك في الانتخابات كأساس لقيام حكومات" قومية" يتحقق فيها إجماع وطني سوداني في هذه المرحلة علي المستوي القومي وكذلك في جنوب السودان" (رفيدة ياسين، الحرة، جوبا، 29 أبريل 2010).

 

2.          بتوضيح الموقف من الوحدة والاستفتاء

 

27.           إن الواجب الوطني يحتم على شريكي الحكم، بحكم قيادتهما لهذه المرحلة التاريخية الدقيقة، بل وعلى كل القوى السياسية السودانية، ابتدار الحوار حول معادلة الوحدة والانفصال بكل صراحة وأمانة وصدق وشفافية، والدعوة الجادة لجرد حساب موضوعي لما فعله، وما لم يفعله، كل طرف، من ناحية السياسات والبرامج، لجعل الوحدة "جاذبة" كأحد مستحقات الاتفاقية والدستور. فبدون أن يحدد كل طرف موقفه بوضوح من وحدة البلاد ومناقشة العقبات التي تعترض سبيلها بصراحة ووضع كل الضمانات المطلوبة، يصبح الشريكان، ولو على شاكلة "كل شيخ بطريقته"، كلاهما يدفعان بالجنوبيين للتصويت لصالح الانفصال، فليستعدا لتحمل تبعات سياساتهما على مستقبل البلاد والعباد! لذلك أميل للاعتقاد بشدة أن الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني يحتاجان بقوة للحوار الجاد والنقاش الصريح في داخل مؤسسات كل منهما ووسط جماهيره، لكي يكون الحوار بينهما فاعلا ومثمرا ويسفر عن نتائج ايجابية تحمى وطننا شر القتال والتمزق.

 

28.           لا أمل تكرار ما ذهبت إليه في مقال سابق "دعوة للحوار: الحركة الشعبية والعودة لمنصة التأسيس" بضرورة الحوار حول موقف الحركة من وحدة البلاد، على أسس جديدة، وعواقب الانفصال على جنوب وشمال السودان، على حد سواء (صحيفتا الأحداث والرأي العام، 21-22 ديسمبر 2009). فمثل هذا الحوار يمثل تحديا رئيسيا يواجه الحركة الشعبية، على وجه الخصوص، وهى مقبلة على استحقاق الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب والمشورة الشعبية في المنطقتين الانتقاليتين. فالحوار وحده هو الكفيل باستجلاء موقف الحركة من وحدة السودان من خلال تطوير إستراتيجية واضحة وبرنامج سياسي على أساس المانيفستو الذي أجازه مؤتمرها العام الثاني في مايو 2008.

 

29.           يظل التوفيق بين هدفي الوحدة وتقرير المصير يمثل التحدي الأعظم الذي يواجه الحركة بحكم رؤيتها وطبيعة عضويتها. إن نجاح الحركة في إتباع سياسة أعطت وحدة السودان الأولوية منذ نشأتها وحتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005، بنفس القدر يجعلها مطالبة الآن بإتباع إستراتيجية واضحة توفق بين الهدفين وتعبر عن تطلعات قواعدها المنتشرة في كل مناطق السودان، وليس في الجنوب فحسب. بالتالي، فالسؤال هو: هل حق تقرير المصير مرادف ومطابق للانفصال أم هو آلية لتحقيق الوحدة أو الانفصال؟ إذا كان تقرير المصير مرادفا أو مطابقا للانفصال، لبدت الحركة الشعبية وكأنها تسعى لتحقيق هدفين متناقضين في نفس الوقت: الانفصال ووحدة السودان! أما إن كان بمثابة آلية، فكيفية توظيفه لخدمة أي من الهدفين تصبح بيد القوى السياسية الداعية له. فهل قامت الحركة بدراسة جدوى لخياري الوحدة والانفصال على مستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في الجنوب وحياة المواطن الجنوبي، أو أدارت نقاشا صريحا حول فحوى ومضمون مرافعة الانفصاليين؟ فمثلا، منحت الاتفاقية جنوب السودان، سلطات وصلاحيات دستورية ومؤسسية غير مسبوقة في المجالات السياسية والاقتصادية، كما كفلت مشاركة السودانيين الجنوبيين، وفقاً لنسبتهم المئوية من مجمل سكان السودان، في نظام الحكم الفدرالي. وربما الأكثر أهمية، فقد أقرت اتفاقية السلام الشامل دستورياً حقوق المواطنة لكل السودانيين، بغض النظر عن العرق، الانتماء الاثني، الدين أو النوع، كأساس للأهلية في تقلد المناصب العليا في الخدمة العامة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية.

 

30.           وبالرغم من أن كل ما أقره الدستور الانتقالي لم يتحقق فعليا في ظل واقع تسوده العديد من الموانع الثقافية والعراقيل السياسية والمؤسسية والعوائق الاجتماعية، إلا أن النضال السياسي من أجل تفعيل وإنزال حقوق المواطنة الشاملة على أرض الواقع سيستمر ولن ينتهي أجله بانتهاء الفترة الانتقالية، بل سيستمر حتى بعد الانتخابات وإقرار الدستور الدائم. فيجب أن لا يتسرب اليأس إلى النفوس لمواصلة النضال والصراع السياسي من أجل استكمال بناء دولة المواطنة السودانية القائمة على التساوي في الحقوق والواجبات. فقد انتظر الأمريكيون من ذوى الأصول الأفريقية، دورهم في الرئاسة لأكثر من قرنين حتى أثمر أخيرا في الرئيس الرابع والأربعين، دون أن يدفعهم الصراع المرير والنضال المستميت، من أجل حقوقهم المدنية في العدالة والمساواة، للخروج من عباءة الاتحاد الأمريكي. حقا، فقد كان الزعيم الراحل يعول على ديناميكية الحركة الشعبية ومقدرتها على التفاعل، بما في ذلك التحالف مع القوى السياسية الأخرى في الشمال، لإحداث التغيير المطلوب والوصول للمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. هذا بدوره يقود إلى موقف الحركة من الاستفتاء!

 

31.           أيضا أعيد ما شددت عليه في مقالي الموسوم ""دعوة للحوار: الحركة الشعبية والعودة لمنصة التأسيس"، بأن الوحدة تمثل الخيار الأول للحركة الشعبية، بينما شعب الجنوب هو الذي يقرر ذلك في الاستفتاء المرتقب، كإجابة "نمطية" على أي سؤال يوجه لقيادات الحركة بخصوص موقفها من الاستفتاء، ليست بمقنعة وتظل ناقصة ومبتورة ولا تشفى غليلا. ففي كل الحالات التي تم فيها ممارسة حق تقرير المصير (كويبك بكندا، اريتريا، شرق التيمور، شرق أوربا)، كانت كل الحركات أو الأحزاب السياسية التي طالبت بهذا الحق تنطلق من منظور انفصالي يدعو إلى إقامة دول مستقلة للشعوب التي تنتمي إليها هذه القوى. بمعنى آخر، استخدمت هذه القوى الاستفتاء على حق تقرير المصير كآلية أو أداة لتحقيق هدف الانفصال، بل والترويج له من خلال حملات دعائية منظمة كما يحدث في أي انتخابات تنافسية، يروج فيها كل طرف لأطروحاته. وهذا سلوك لا يتناقض مع حقيقة أن الشعوب أو المواطنون هم من يقررون نتيجة الاستفتاء أو الانتخابات في نهاية الأمر! أما الحركة الشعبية فهي حركة قومية الطابع والتوجه وتضم عضويتها مختلف القوميات والشعوب السودانية. كما، للمفارقة، فإذا كان الجنوبيون فقط هم من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء، فهل تحرم باقي عضوية الحركة حتى من التبشير بالوحدة وسط رفاقهم، ناهيك عن بقية الجنوبيين من غير الأعضاء بها؟ فقد صدق نائب رئيس الحركة، عقب تأديته للقسم واليا لولاية النيل الأزرق، في دعوته "لتنظيم حملة شبيهة بالحملة الانتخابية للترويج للوحدة ونبذ الانفصال!" وهل تقف الحركة، كتنظيم سياسي يضم كل القوميات، على الحياد بدون إبداء رأيها، على الأقل بتعريفهم بايجابيات وسلبيات خياري الوحدة والانفصال؟ أليس الوقوف على الحياد يمثل في حد ذاته موقفا صريحا، ولو مضمرا، لحركة ظلت تكافح وتنافح من أجل مشروع يدعو للوحدة الطوعية لأكثر من عقدين من الزمان؟

 

32.           ومن ناحية أخرى، فقد حمل الجنوبيون السلاح وقاتلوا وقدموا تضحيات جساما لأكثر من عشرين عاما تحت راية السودان الجديد، فهل قرر شعب الجنوب من تلقاء نفسه أن يدفع هذا الثمن الغالي ويقدم كل هذه التضحيات من أجل هذا المشروع؟ أم أن قيادات الحركة هي التي قادته في هذا الطريق؟ فالقيادة السياسية هي التي تشكل عقول الأفراد العاديين وتأثر على وجهات نظرهم وسلوكهم، وعلى عاتقها تقع مسؤولية التوعية بالخيارات التي يرونها في صالح ومنفعة المواطن. ويظل الانفصاليون أنفسهم مطالبين أمام شعبهم بتوضيح رؤيتهم عن دولة الجنوب المستقلة وكيف أن الانفصال سيخدم مصالحهم ويرضى توقعاتهم! ولعلهم يمعنون في التأمل واستخلاص الدروس من ما قاله الزعيم الراحل د.جون قرنق بأن السودان ملك لكل السودانيين، وبالتالي فإنها مسؤولية كل الجنوبيين أن يقوموا بدورهم بدفع كل ما هو لازم ومستحق من أجل إحداث التغيير في كل السودان، فعلى حد تعبيره "لن نسمح أبدا أن نحط من قدر أنفسنا لنصبح مجرد كائنات إقليمية متحجرة"!!

 

33.           يعتقد البعض في الحركة الشعبية (وخارجها) أن تصويت الجنوبيين في الاستفتاء لصالح الوحدة مرهون بفوز مرشحهم "الجنوبي" في هذه الانتخابات. فمباشرة بعد صدور إعلان عن المكتب السياسي للحركة في أواخر يوليو 2008 بترشيح رئيسها، الرفيق سلفا كير ميارديت، وقبل تضارب التصريحات حول هذا الإعلان ثم نفى قيادات الحركة لهذا الترشيح في نهاية المطاف، كتب إزيكيل جاتكوث، رئيس بعثة حكومة الجنوب بأمريكا، مقالا عدد فيه المواصفات الموضوعية والقدرات الذاتية للرفيق الفريق سلفا كير ميارديت التي تؤهله لرئاسة البلاد، كأول جنوبي يتبوأ هذا المنصب. وبذلك سيكسب ترشيحه تأييد ومساندة كل الشماليين التواقين للتغيير، خاصة في المناطق المهمشة بغرب وشرق وأقاصي شمال السودان، مما يعظم من فرص تحقيق الوحدة. ولكنه، على حد قوله، يضيف (إذا فشلنا، نحن الحركة الشعبية، في هذه الانتخابات ولم نتمكن من حكم السودان، فإنها أيضا فرصة لتقول الحركة أننا قد حاولنا ولم ينجح مسعانا. وعندها أيضا سيجد الجنوبيون العزاء في أن الشماليين ليسوا على استعداد بعد لأن يحكمهم غير شخص شمالي-عربي-مسلم. وبالتالي سوف ننفصل ونقيم الدولة المستقلة الخاصة بنا. وفى كلتا الحالتين سيكون الجميع منتصرين وسيرحب بتحركنا هذا كل المهمشين في العالم!) sudanvision.com, 2/8/2008. هذا تبسيط مخل بقضية الوحدة وتشابكاتها المعقدة تاريخيا واجتماعيا وثقافيا، فعلى الشماليين أن يصوتوا لمرشح الجنوب في انتخابات الرئاسة القادمة قبل نهاية الفترة الانتقالية وإلا فليتحملوا مسؤولية تقسيم البلاد، وإن تقاعسوا عن ذلك فليتغنوا "بأصلو الفراق واقع.. كان ترضى.. كان تزعل". وما أراد الزعيم الراحل للوحدة، ولا رغب في، أن تتم هكذا "أخنق فطس" على طريقة إزيكيل، وكأنه يقرر سلفاً نتيجة الاستفتاء!

 

34.           بل كان الزعيم الراحل يعول على ديناميكية الحركة الشعبية ومقدرتها على التفاعل، بما في ذلك التحالف، مع القوى السياسية الأخرى في الشمال لتغيير موازين القوة والسلطة، دون اشتراط بأن يكون الرئيس القادم من الجنوب. وعلى أي حال، فقد اختارت الحركة الشعبية أن لا ترشح رئيسها، أو أي قيادي جنوبي آخر لرئاسة الجمهورية، بل فضلت ترشيح قيادي شمالي والذي ما أن أقبل على الأمر بجدية حتى سحبته من السباق قبل بداية الاقتراع بعشرة أيام فقط! وهكذا، لم تتح الفرصة لنتعرف على رغبة الشماليين أم عدمها في انتخاب رئيس من الجنوب أو حتى لشمالي في قيادة الحركة يحمل راياتها ويلتزم ببرنامجها، مما يؤشر (نظريا) إلى نية مبيتة للانفصال سواء جاء رئيس السودان من جنوب أو شمال البلاد. حقا، فقد صرح وزير مالية الجنوب بملأ فيه، عند مخاطبته جالية جنوب السودان بواشنطون، بأن "استقلال الجنوب قادم، والحاضر يكلم الغائب" (سودانايل، 26 أبريل 2010). ثم ماذا يمنع الرئيس أن يكون جنوبيا طالما قبل جميع الشماليين بأن يكون رئيس حكومة الجنوب نائبا أولا لرئيس الجمهورية؟

 

35.           إذن، ماذا قصدت الحركة الشعبية من خوضها للانتخابات؟ هل كان هو مجرد الوفاء "الإجرائي" بمتطلبات اتفاقية السلام انتظاراً لموعد الاستفتاء وتحقيق الانفصال (ومجرد الوقوف معنويا مع شعبي جنوب كردفان والنيل الأزرق في ممارستهم ل"المشورة الشعبية)، أم المشاركة الحقيقية في عملية التحول الديمقراطي نحو بناء دولة المواطنة السودانية كما يتوقع أنصار الحركة وتتطلع إليه جماهيرها؟ ومن جانب آخر، هل قامت الحركة بالمبادرة بحوار عميق أو عصف فكرى حول ما  تعنيه الوحدة "الجاذبة" أو محاولة تحديد مسؤولياتها وما يمكنها فعله في هذا الشأن؟ كما هل عملت على رسم أي سياسات أو ضعت خططا في هذا الخصوص؟ لاشك أن أداء الحركة في هذا المجال يعرضها للتشكيك كون وقوفها المعلن، ودعمها لوحدة البلاد فاتر وتعوزه الحماسة، بينما تعمل في الخفاء لتمكين الانفصاليين! وهكذا، يبدو لعضوية وجماهير الحركة الشعبية، خاصة في شمال السودان، وكأن الحركة قد استبدلت رؤية السودان الجديد باتفاقية السلام الشامل وتنفيذ بنودها المتصلة بمستحقات الاستفتاء فحسب، وبالتالي اختارت التقوقع والتقهقر نحو الجنوب في انتظار انفصاله الحتمي، بدلا عن استخدام الاتفاقية كمنصة انطلاق، وهذا هو في الواقع كل ما تعنيه الاتفاقية من أمر، لتحقيق هدفها الكبير: السودان الجديد (الموحد)! فإذا لم تكن الوحدة جاذبة، في رأى البعض، فما هو الجاذب في الانفصال؟

 

3.          بالاستجابة لصوت الناخبين في الجنوب والمقاطعين في الشمال:

التبصير بمخاطر الانفصال

 

36.           يكاد يجمع كل كتاب الرأي من المشفقين على وحدة البلاد على تفسير ما أظهرته نتائج الانتخابات بالجنوب، بحصول مرشح الحركة الشعبية (المنسحب) لرئاسة الجمهورية بنسبة عالية من الأصوات مقابل نسبة ضئيلة حصدها مرشح (رئيس) المؤتمر الوطني، بأنها لا تعدو أن تكون استفتاءا مبكرا على تقرير المصير يوحى باختيار الجنوبيين للانفصال (خالد التجانى، الصحافة، 29 أبريل 2010). وعلى نقيض هذا الاستنتاج، فإني أميل لقراءة هذه النتائج من منظور مغاير وبصورة مختلفة. فتصويت أكثر من مليوني ناخب جنوبي لصالح مرشح الحركة بعد أن قرر مكتبها السياسي سحبه من المنافسة يشير إلى أن قواعد الحركة لم تأبه بقرار قيادتها، بل صممت على انتخاب المرشح المنسحب وعينها، بل قلبها وعقلها على برنامجه "حملة الأمل والتغيير" المستمد من رؤية السودان الجديد أو الموحد على أسس جديدة، دون تقليل من وفاء الجنوبيين لمن ناضل معهم في الأحراش كدافع لتأييدهم له. فإن كان الجنوبيون يميلون للانفصال، بحسب تصريحات بعض القيادات الجنوبية أو نتائج استطلاعات الرأي المنشورة، لكان من الأرجح أن يلتزموا بقرار الانسحاب ولفضلوا الإحجام عن الاقتراح. وهذا ما أمن عليه رئيس الحركة الشعبية، على حد تعبيره، "أنّ فرصة فوز ياسر عرمان مرشح الحركة الشعبية المنسحب كانت أكبر في الفوز من فرصة البشير، مؤكداً أنّ حصول البشير على نسبة ضئيلة من أصوات الجنوب (8 %) لا يعني بالضرورة نيّة جماهير الجنوب في  الانفصال عبر  الاستفتاء" (أجراس الحرية، 5 مايو 2020). وبالمقابل، فإن كان من المتوقع أن يحصل مرشح الحركة على كل هذه الأصوات، إضافة لما كان سيحصده من أصوات في الشمال إذا واصل حملته، خاصة في جنوب كردفان والنيل الأزرق والخرطوم، لولا قرار "قطاع الشمال" بمقاطعة الانتخابات. إذن، فلماذا تم سحبه من السباق في اللحظات الأخيرة؟ محاولة الإجابة على هذه السؤال هي التي فتحت الباب واسعا للتكهنات حتى أصبحت رواية "الصفقة" هي الأكثر رواجا وتصديقا.

37.           تفسيري لهذا الموقف أنه ربما يكون تعبيرا عن بوادر لتفكير استراتيجي، ولو بصوت خافت، أنه من أجل الحفاظ على وحدة الحركة فلابد من الاتفاق على أسلوب لإدارة الاختلافات ينزع نحو "اللامركزية" أو "كونفدرالية" الممارسة السياسية. ويعنى هذا التوجه إعطاء الحرية لكل من المكونات "القومية" للحركة للاستجابة لتطلعات شعوبها، بحساب أولوياتها، مع التنسيق أو التحالف بين بعضها البعض، في سياق السعى لتحقيق الهدف الكبير المشترك متمثلا في هزيمة الحزب الحاكم وتحقيق "السودان الجديد"، حتى بعد انفصال الجنوب. فقادة هذا الرأي يتفقون "جزئيا" مع قراءتي بأن نمط تصويت الجنوبيين لمرشحي الرئاسة هو دعم لمشروع "السودان الجديد" الداعي للوحدة "الطوعية"، إلا أنه في نفس الوقت يعكس زهدهم في العيش تحت القهر والاضطهاد في ظل نظام "الإنقاذ"، ورغبتهم في الانعتاق من دولة تنتقص من حريتهم وتحرمهم من العدالة والمساواة في حقوق المواطنة. بمعنى آخر، فإنه في مقابل الثقة التي منحها الجنوبيون لمرشح الحركة المنسحب فإنهم سيصوتون في الاستفتاء بنسبة تفوق ال90% لصالح الانفصال. بحسب هذه النظرة، فإن الحركة الشعبية تتعامل مع أربع مستويات أو حلقات متداخلة، لكل منها أولوياتها، في سياق النضال من أجل الديمقراطية والتعددية السياسية: الحلقة الأولى هي على مستوى الجنوب، فإن الأولوية القصوى للجنوبيين هي الاستفتاء على تقرير المصير كفرصة للاستقلال من نظام "الإنقاذ"، الحلقة الثانية هي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق وفي هذه الحلقة الأولوية هي قضية المشورة الشعبية، أما الحلقة الثالثة فهي دارفور التي الأولوية فيها لإنهاء الحرب وتحقيق سلام دائم عبر إنهاء التهميش وتحقيق العدالة وإنهاء حالة النزوح، أما المستوى الرابع فهو يخص الشمال والذي تتركز أولوياته في إلغاء القوانين المقيدة للحريات بغرض تحقيق التحول الديمقراطي وتنفيذ اتفاقية القاهرة وما تبقى من اتفاقية السلام الشامل (حوار مع الأمين العام للحركة الشعبية، رفيدة ياسين، الحرة، 2 مايو 2010).     

 

38.           ولكن، هذا التفكير قد يقود إلى طريق مزروع بالألغام محفوف بالمخاطر إذ إنه يقوم على تقسيم للعمل بين هذه المستويات الأربعة (ولو جاء برضاء وقبول كافة مكونات الحركة)، بافتراض انفصال الجنوب وبعد رحيل ومغادرة قيادة الحركة الشعبية إلى دولتهم المستقلة. فهذا الوضع سيضعف مكونات الحركة في الشمال الجغرافي على المستويات الثلاثة الأخرى، بل يشكل نهاية لها في شكلها التنظيمي الراهن الذي أقره ودستورها مؤتمرها الثاني في مايو 2008‘ مما يحتم إعادة بنائها وهيكلتها من جديد. فانسحاب الحركة جنوبا، يبدو ظاهريا وكأن الحركة قد نفضت يدها من عن الشمال أو الشماليين، بينما الصحيح أنها بهذه الخطوة ستكون قد تخلت عن "النضال" من أجل بناء سودان جديد يشمل كل السودان بمستوياته الأربعة. كما أن تقسيم الأدوار هذا، الذي سيفرزه انفصال الجنوب، قد يفضى إلى ترغيب الكيانات الأخرى لاغتنام أي سانحة للاستقلال من مركز الدولة السودانية، مما ينهكها إن لم  ينذر بتشظيها وتمزقها. وبما أن الشمال يمثل الحديقة الخلفية للجنوب، فإن هذا الوضع سينعكس سلبا على دولته الناشئة. فالانفصال سيأزم الوضع في الشمال اقتصاديا وسياسيا وسيخلق ضغوطا قوية على النظام في الخرطوم ويخلف أوضاعا مضطربة مما يشكل تهديدا مباشرا لدولة الجنوب، التي بدورها لن تسلم من الانهيار. ثم كيف ستتفاعل الحركة الشعبية في دولة الجنوب المستقلة مع مكوناتها (بقاياها) في دولة الشمال، مما سيعد تدخلا سافرا في شئونها السياسية؟ فهل مثل هذا الطرح من الواقعية في شيء؟

 

39.           وفوق ذلك، فلا شك أن الانفصال المتوقع للجنوب سيخلق أوضاعا قابلة للانفجار في ولايتي منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار التفسيرات المتضاربة للشريكين لمعنى ومضمون "المشورة الشعبية" الوارد في البروتوكول الخاص بالمنطقتين في اتفاقية السلام الشامل. وتكتسب المنطقتان أهمية خاصة بالنسبة للحركة الشعبية: فهما لا يجاوران الجنوب فحسب، بل بادر بناتهما وأبناؤهما بالانضمام للحركة الشعبية والجيش الشعبي منذ البدايات الأولى وقدموا تضحيات جسام طوال فترة الحرب، كما شكلا اثنان من المناطق الخمس "المحررة" التي كانت تقع في نطاق "إدارة السودان الجديد" في مرحلة ما قبل الاتفاقية (الاستوائية، بحر الغزال، وأعالي النيل). وفوق ذلك، فإن الانفصال يضعف فرصة الوصول لسودان جديد يبقى فيه الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، أو حتى الحفاظ على النسخة القديمة أو الحالية منه، مما يجعل قواعد الحركة في المنطقتين في حالة توتر وخيبة ظن. وهذا بالضبط ما دفع نائب رئيس الحركة، بعد تنصيبه واليا لولاية النيل الأزرق، للحديث عن أن "السياسيين الداعين للانفصال يدسون رؤوسهم في الرمال سيصلون في النهاية إلى أن الانفصال عملية مؤلمة وستحدث الكثير من المشاكل، فهم لا يدركون خطورته وما سيترتب عليه، وأنه سيكرس جهوده من اجل تحقيق الوحدة رغم ضيق الفترة الزمنية التي تفصل البلاد عن الاستفتاء، وبغض النظر عن موقع ولايته الجغرافي، ونبه إلى ضرورة تفحص عيوب الانفصال والموازنة بينها وبين محاسن الوحدة وتبصير المواطن بما هو أفضل له، كم نبذ الانفصال الذي اعتبره مهددا لأمن البلاد، ويعني انشطارها إلى دويلات متناحرة" (صحيفة الصحافة، 4 مايو 2010).

 

40.           فإن كان الدافع للانفصال هو تغيير موازيين القوى في المركز وإنهاء هيمنة الحزب الواحد وسياساته الأحادية والانتقال إلى تعددية سياسية حقيقية، فلماذا لا تعمل الحركة الشعبية في كافة أنحاء السودان وتنشط سياسيا في إطار الترتيبات الدستورية القائمة على اتفاقية السلام الشامل، والتي منحت جنوب السودان سلطات وصلاحيات دستورية ومؤسسية غير مسبوقة في المجالات السياسية والاقتصادية، مما جعل الزعيم الراحل للحركة يطلق عليها "السودان الجديد في حده الأدنى"؟ فهذا الإطار يوفر مساحة واسعة لتفاعل الحركة مع القوى السياسية في الشمال لإحداث التغيير المنشود وتحقيق الوحدة على أسس جديدة. فإن شعر الجنوبيون أن قسمة الثروة الحالية لم تعد منصفة في ظل احتياطي البترول الموجود في الجنوب، فلا يجب أن يكون هناك عائقا يقف أمام التفاوض حول نصيب الجنوب من الثروة. أما إذا كان الأمر يتصل بأن حقوق الجنوبيين منقوصة بسبب العلاقة بين الدين والدولة، فالتوفيق بين الحقوق الكاملة للمواطنة والقوانين الإسلامية قضية قابلة للحوار إن صدقت النوايا وتوفرت الجدية والثقة. حقا، فقد اقترح نائب رئيس الحركة الشعبية ووالى النيل الأزرق المنتخب "ضع مسودة أو وثيقة تفاهم لإزالة كل الأسباب التي تقود إلى الانفصال" لأن "بناء الثقة مهم والأزمة الموجودة بين الطرفين هي انعدام الثقة"، والتي "لا بد أن نجد لها ميثاقا قويا للتنفيذ" (الشرق الأوسط، 5 مايو 2010). وكما أشرت في مقالات سابقة، فموضوع العلاقة بين الدين والدولة قد حدثت فيه اختراقات وتفاهمات مع كل القوى السياسية، باستثناء المؤتمر الوطني (الجبهة الإسلامية في نسخته السابقة). ولكن قيادة الحركة اختارت عدم إثارة أو طرح القضية إلا في نهايات الفترة الانتقالية مشددة بأن القوانين الإسلامية تقف عائقا يحول دون تحقيق وحدة البلاد، مما اعتبره كثيرون حديثا لا يتسم بالجدية، بل مجرد حجة عابرة في الوقت الضائع (دينق ألور،ندوة بعثة "اليونميس" ومؤسسة اتجاهات المستقبل، نوفمبر 2009، فاقان أموم، ندوة المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، القاهرة، فبراير 2010).

 

41.           ومن جانب آخر، فعلى المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، على حد سواء، أن لا يسعدا كثيرا بموقف الولايات المتحدة (والترويكا) من اعتبارها للانتخابات كخطوة هامة في طريق التحول الديمقراطي وللانفصال السلمي (الطلاق المدني) بحد قول مبعوث الرئيس الأمريكي، سكوت غرايشن. فهذا طريق خطير غير مضمون العواقب، فالإستراتيجية الأمريكية تجاه السودان تمليها مصالحها وتتغير تبعا لها، إضافة إلى أن إستراتيجية المبعوث الأمريكي تتعرض لانتقادات عنيفة داخل الولايات المتحدة. فهناك من يرى أن "تخلى الحركة الشعبية عن رؤية الزعيم الراحل د. جون قرنق قد تسبب في تقويض المصالح الأمريكية على نحو خطير، مما يستدعى البحث عن إستراتيجية جديدة للتحول الديمقراطي في السودان، بعد أن أضحت الحركة الشعبية، حلفائنا التقليديين، خارج الملعب، بينما قويت شوكة المؤتمر الوطني" (جينداى فريزر،The Huffington Post، 5 مايو 2010). وهاهو فرانك وولف، نائب الكونغرس الأمريكي من الحزب الجمهوري، والمجاهر بعدائه لنظام الإنقاذ، يكتب رسالة إلى الرئيس أوباما يحضه فيها بتغيير سياسة "اللين" التي ينتهجها مبعوثه الخاص للسودان، تحذيره من قبول نتائج الانتخابات "المزورة"، على حد قوله (سودانايل، 6 مايو 2010). ومن ناحية أخرى، فإن احتفاء المؤتمر الوطني بموقف المبعوث الأمريكي قد يثير بعض الشك بأن الحزب الحاكم، بخلاف ما تصرح به قياداته، يضمر النية لفصل الجنوب، إلا إذا كانت أمريكا تبيع الانفصال للجنوب بينما، في نفس الوقت، تبيع الوحدة للشمال؟ بدون التقليل من أثر المجتمع الدولي، فستبقى الوحدة، على أي حال، شأنا سودانيا والقرار الخاص ببقاء السودان موحدا سيحدده استفتاء الجنوبيين على حق تقرير المصير.

 

خاتمة

 

42.           حاولت في هذه "الطلقة الأخيرة في الظلام"، ولعلها تصيب الهدف، أن أقدم مساهمة متواضعة في الجدل المحتدم حول ظروف الانتخابات ونتائجها وتجاوز ما أفرزته من احتقان واستقطاب سياسي حاد ألقى بظلال كثيفة على مسار عملية التحول الديمقراطي برمتها. هذا في وقت تقبل فيه البلاد على الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب، كأخطر استحقاق دستوري في تاريخها المعاصر، بينما تواجه تحديات أخرى لا تقل خطورة تسفر عن وجهها في استفتاء أبيى والمشورة الشعبية في المنطقتين الانتقاليتين، والأزمة في دارفور، ومأزق المحكمة الجنائية الدولية. أولا: لا شك أن الشريكين يدركان جيدا أن إقصاء القوى السياسية المعارضة في الشمال والجنوب، والفشل في التوصل إلى تفاهمات مشتركة معها حول هذه التحديات الجسام، وإشراكها في اتخاذ القرار في مثل هذه القضايا المصيرية، لا محالة سيفضى إلى تفاقم الوضع المتفجر في البلاد. إن رئيس الجمهورية المنتخب، ورئيس الحزب الحاكم، ورئيس حكومة الجنوب المنتخب، ورئيس الحركة الشعبية، تقع على كاهلهما، كل في مجال نفوذه، مسؤولية إرضاء جميع المواطنين، من صوت لصالحهما أو ضدهما أو حتى من قرر مقاطعة الاقتراع والمثابرة على تحقيق طموحاتهم في العيش بكرامة وسلام وتطلعاتهم لمستقبل زاهر. فالرئيسان مطالبان، كضامنين أساسين لاتفاقية السلام الشامل، "بوضع الوطن فوق الحزب" بالاتفاق على برنامج وطني، حاولت تحديد عناصره الأساسية، لمقابلة التحديات المصيرية التي تواجه البلاد، وتفعيل الحوار الجاد مع بقية القوى السياسية حول عناصر هذا البرنامج، مما بدوره يستدعى توسيع قاعدة الحكم في الشمال والجنوب لمتابعة تنفيذ هذا البرنامج. وثانيا: إن الواجب الوطني يحتم على شريكي الحكم، بحكم قيادتهما لهذه المرحلة التاريخية الدقيقة، بل وعلى كل القوى السياسية السودانية، ابتدرا الحوار حول معادلة الوحدة والانفصال بكل صراحة وأمانة وصدق وشفافية، والدعوة الجادة لجرد حساب موضوعي لما فعله، وما لم يفعله، كل طرف، من ناحية السياسات والبرامج، لتحقيق الوحدة "الطوعية" كأحد مستحقات الاتفاقية والدستور. فبدون أن يحدد كل طرف موقفه بوضوح من وحدة البلاد ومناقشة العقبات التي تعترض سبيلها بصراحة ووضع كل الضمانات المطلوبة، يصبح الشريكان، ولو على شاكلة "كل شيخ بطريقته"، كلاهما يدفعان بالجنوبيين للتصويت لصالح الانفصال، فليستعدا لتحمل تبعات سياساتهما على مستقبل البلاد والعباد! كما أن مثل هذا الحوار يمثل تحديا رئيسيا يواجه الحركة الشعبية، على وجه الخصوص، وهى مقبلة على استحقاق الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب والمشورة الشعبية في المنطقتين الانتقاليتين. فالحوار وحده هو الكفيل باستجلاء موقف الحركة من وحدة السودان من خلال تطوير إستراتيجية واضحة وبرنامج سياسي على أساس المانيفستو الذي أجازه مؤتمرها العام الثاني في مايو 2008. خلاصة الأمر أنه إذا فشل الشريكان في تحقيق التعايش السلمي لمواطنيهما في بلد واحدة، فما هو الضمان لأن يتعايشا بسلام كجارين في بلدين منفصلين؟  

 

 

 

تونس

مايو 2010