تورونتو، 3 سبتمبر 2018

الواثق كمير
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في صباح متأخر من يوم الجمعة الماضية، 31 أغسطس، فتحت الواتساب متوجسا كالعادة من ما يحمله هذا التطبيق من أخبار محزنة، ولم يخب ظني! فقد زفت أول رسالة أطلع عليها غياب بدر تجلى في حياتي، وفي دنيا كل من عرفه فأظلمت الدنيا من حولي. لا حول ولا قوة الا بالله. فقدت أعز الناس، صديقي واخي ورفيقي امين مكي مدني. تجمدت اطرافي وسرى الشلل في جسدي وكأنما عاهة قد ألمت بي فجاة فانحبس دمعي وضاعت مني الكلمات. حاولت إسعاف نفسي بالتواصل والاتصال لعزاء اقرب الأصدقاء المشتركين في لندن والخرطوم. وكان ذلك ليس بكاف سعيت ابحث في الاسافير لأجدها قد تحولت إلى صيوان واسع وعريض لتبادل التعازي وكلمات الرثاء الصادقة بين مريدي ومحبي البدر الغائب. آلاف الرسائل من كل حدب وصوب، كانت ولا تزال، بجد تنبيء عن موقع أمين مكي في القلوب، بل تكشف عن حجم الفراغ الذي خلفه ومكانته في البلاد التي ستظل شاغرة إلى الأبد.

حقا أوفى وكفى هؤلاء المريدون والمحبون في حق الراحل المقيم نعيا ورثاءا وفاضت الأسافير بذكرى سيرته العطرة. فقد عددوا مناقب أمين مكي فى كل مجالات العمل العام كرمز للنضال من أجل التغيير والإنتقال إلى رحاب العدالة والتعددية الحقيقة والتحول الديمقراطي، وناشط نقابي بارز وسياسي متميز خلال الفترة التي سبقت، واعقبت، انتفاضة مارس-ابريل 1985، بل ووزير في حكومة الإنتقال. كما كان أمين قائدا حقوقيا فذا يستند على معرفة عميقة بالقانون المحلي والإقليمي والدولي، خاصة في ساحات حقوق الإنسان. ما اكتنزه أمين من علم، وما ملكه من قدرات وما خبره من تجارب عملية، هو ما قد أهله بجدارة لتسنم أرفع الوظائف القيادية في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والخدمة في بعثاتها في فلسطين ولبنان والعراق وكوسوفو. ومن ناحية أخرى، لم يترك أمين النشاط الحقوقي وهو خارج السودان، فكان عضوا مؤسسا للمنظمة العربية لحقوق الإنسان وفي لجنتها التنفيذية ورئيسا لمجلس الأمناء المنظمة. ولم يقف عند هذا الحد، بل بذل جهدا مقدرا، في التقصي والبحث للتوثيق لإنتهاكات حقوق الإنسان، ضمنه في كتاب طبعه من حر ماله، ولم يسع للتربح منه، نشر في عام 2001 تحت عنوان "جرائم سودانية بالمخالفة للقانون الإنساني الدولي (1889-2000).

عقب متابعة كل ما بثته وسائل الاتصالات الحديثة في حق الراحل المقيم، حاولت مساءا أن أخرج وأجالس الأصدقاء عسى ولعل أجد ما احتاجه من اطمئنان وعزاء، فوجدت الجميع محزونين ولا حديث لهم غير أمين مكي وسيرته الذاتية وإنجازاته المهنية ومسيرته السياسية والحقوقية في الوقوف ضد الظلم والاستبداد، وتصدره معارك التغيير من أجل السودان واهله السمحين قليلي الحيلة والصابرين على محنهم وحرمانهم والمتطلعين إلى غد أفضل من نخب متعاقبة لم "تحن" أو تربأ بحالهم، بل أورثتهم البؤس والشقاء.

عدت من أصدقاء المواساة في قت متأخر من الليل، لا يخطر ببالي ولا يشغل عقلي إلا أمين وفراقه لنا. وانا على تلك الحالة، تداعت في ذاكرتي العديد من المحطات المهمة في حياتي والمناسبات واللحظات التي عشتها معه، واللقاءات التي جمعتنا خلال أكثر من ثلاثة عقود مضت. كانت طلعته بهية وحضوره طاغيا في كل المشاهد، دوما هامسا وهاشا باشا، لم يبخل بمال أو مساعدة مطلوبة ولم يضن بوعد أو يهرب من موقف، ومخلصا لعمله وقناعاته، التي لم تتلون، ووفيا للأصدقاء ورفيقا بأسرته الصغيرة وفخورا باخوانه. كان امين مكي هينا ولينا لكنه *قوي يصارع الأجيال*!

التقيت بالراحل المقيم لأول مرة في حياتي بمكتبه للمحاماة، وبحضور شريكه الحامي المعروف التجاني الكارب، في المبنى رقم 8 شارع المك نمر. كان ذلك في ظهيرة اليوم الثاني من أبريل 1985 بعد يوم من بداية سريان الإضراب العام الذي أعلنه التجمع النقابي. فقد كلفتنا حينئذ اللجنة التنفيذية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم أنا والدكتور تيسير محمد أحمد على ، حيث كنا في "لجنة الظل"، بمقابلة أمين مكي بصفته المنسق بين القوى السياسية والتجمع النقابي بغرض توصيل ملاحظات وتعليقات الهيئة النقابية على مسودة "الميثاق الوطني" المقترح حينئذ. ما نهض به أمين مكي من مساهمة في حق الوطن، دون غرض ذاتي، دفع تجمعي الأحزاب والنقابات المهنية لترشيحه للوزارة، بالرغم من بروز صوت نشاذ، اتهمه زورا وبهتانا بالعمالة، لكنه ما لبث أن تلاشى لهشاشة حجته ولم يجد سامعا. لم يكترث أمين لهذه الترهات ونهض بمهمته كوزير للإسكان والاشغال العامة واضعا بصمته في الأداء والإيفاء بمستحقات الخدمة العامة. بل وساهم بقوة، بحسب خلفيته القانونية، في صياغة قانون الإنتخابات التي نظمت على هديه الإنتخابات العامة في 1986. كان بحق نجم وزراء "الانتفاضة" مقارنة برصفائه ممن اختارهم تجمع النقابيين المهنيين وخاب الظن فيهم وبددوا الآمال المعقودة عليهم.

وأثناء توليه الوزارة وبعد انتهاء المهمة في 1986، كنت دوما ألتقي بأمين في المنتديات والندوات التي وفرتها الحريات المتاحة في مرحلة الانتقال، وفي المناسبات الاجتماعية وفي الجلسات الخاصة. مرت الايام وتبددت احلام الانتفاضة وضاع الأمل في حكومات ما بعد الفترة الانتقالية "المنتخبة"، فسطت الجبهة الإسلامية على السلطة بليل عنوة واقتدارا.

ولم يكد القوم يحكمون القبضة على مفاصل السلطة، في يوم الخميس 7 سبتمبر 1989 دعوت أمين مكي لحضور عقد قران ابنة اختي في ضاحية اركويت جنبوب الخرطوم، خاصة وهو يسكن قريبا من مكان المناسبة. انتهي هذا اللقاء بقصة اختلطت فيها الدراما بالكوميديا! فقد أصر أمين على اصطحابنا معه للبيت، ومعي نسيبي وصديقنا المشترك المرحوم العقيد عبد العزيز دياب وابن عمي محمد اسماعيل كمير، وكان إخوته قادمون من مدني لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معه، فأغرانا بشراب مستورد حلو المذاق وعشاء دسم. اعتذرت له بسبب وجيه وهو حظر التجوال والذي كان وقتها محددا بالساعة الحادية عشر ليلا! واذا بعبد العزيز يشهر التصديق المستخرج له بتجاوز الحظر واقترح أن يأخذنا بعربته لمنزل أمين وبعد السهرة يوصلنا حي باريس. وفعلا، وصلنا إلى منزله، حيث الجو ممطر كثيف السحب، وكالعادة أحسن أمين، وإخوانه، استقبالنا. بدأنا نتجاذب أطراف الحديث، بينما كنا نسمع من بعيد رنين الأكواب يتخلله صوت الثلج تحت "التكسير"، وفي تلك اللحظات سمعنا ضربات غليظة وطرقا عنيفا على الباب الرئيس للبيت. مضت لحظات سراع ودخل علينا ثلاثة من الشباب المدنيين وعرفونا بانفسهم كضباط بجهاز الأمن صدرت إليهم أوامر باعتقال أمين مكي، والذي بات من الواضح أنهم لا يعرفونه. انتهى الأمر بإمهال أمين بضع دقائق حتى يعد نفسه ويجهز ملابسه. وبعد أقل من نصف ساعة كان أمين في طريقه لمعتقل لا يدري أحدنا عنوانه. أصبنا بالوجوم والشلل الكامل ولا نعلم ماذا يمكننا فعله، ولم يكن أحد منا يعلم متى سيلتقي بأمين حر طليق مرة أخرى! أما الكوميديا في الحكاية، فقد أوصلنا عبد العزيز إلى بيوتنا كما وعد، وللمفارقة، قبل ساعة من سريان حظر التجوال، وهكذا حرمنا اعتقال أمين المفاجئ من تذوق طعم العصير الحلو المرتقب، والذي لم نعرف ما لحق به من مصير إلا لاحقا!

طال حبس أمين مكي وغادرت أنا إلى القاهرة في مايو 1990، ولم ألتق به ثانيه إلا هناك بعد إطلاق سراحه والسماح له بالسفر في نهاية صيف 1991. قابلته وكان منهكا ومجهدا في ظل معاناة السجن وعراقيل المهنة. ولكن كسب العيش ومواصلة النضال والصمود دفعته لاتخاذ القرار الصعب بالبقاء في الخارج والبحث عن الرزق في أرض الله الواسعة، دون تنازل عن مبادئه في الدفاع عن حقوق الإنسان والوطن. بحكم القانون المنظم لمهنة المحاماة في مصر يلزم المحامي الاجنبي بالشراكة مع مكتب يتبع لمحامي مصري. رحب به القانوني الكبير المرحوم الأستاذ يحي الجمل في مكتبه الكائن على بعد أمتار من مكتب جهاز أمن الدولة المصري، في شارع جابر بن حيان في حي الدقي.

كان أمين هادينا وحادينا الذي نلجأ إليه في الملمات. فهو شخص يميل إليه القلب ويطمئن ويغمره الارتياح. نذهب إليه، وندعوه إلينا، نستمد من فكره الثاقب وعقله المتقد وهمته الوطنية العالية، خاصة وأنه لم يكن منتميا تنظيميا لأي كيان سياسي. وبالرغم من محاولة بعض الأطراف استمالته إليها، إلا أنه لم يقع في فخ وشراك الإنتماء التنظيمي. كان يستضيفنا في مكتبه كلما طرأ جديد على الساحة السياسية نستنير برأيه الراجح. لن انسى استضاقته لنا في المكتب لمناقشة مبادرة لواء السودان الجديد، مارس 1995، التى أطلقها الزعيم الراحل جون قرنق، في اعقاب اقرار الحركة الشعبية لحق تقرير المصير، لخلق منبر بجمع كل المؤمنين، شماليين وجنوبيبن، بوحدة السودان في مواجهة المد الانفصالي داخل الحركة. ومن ضمن المشاركين في ذلك الاجتماع الدكتور منصور خالد والصديق إدوارد لينو. أما على الصعيد الاجتماعي وعلاقات الصداقة فأيضا كان أمين مضيفنا، وزوجته المبتسمة دوما السيدة نعمات تشرف على حسن الضيافة، في بيته أينما حل في سكن جديد، فقد انتقل عدة مرات إلى شقق مختلفة بين احياء المهندسين والدقي ومدينة نصر والمعادي. وبالرغم من حالة عدم الاستقرار التي كان يعيشها أمين مكي إلا أن الفرح طل في دنياه، وفي الأسرة، بزواج إبنته الكبرى سماح من ياسر عباس، في حفل بهيج في 6 ديسمبر 1996، وكلنا حضور نحلق حول "أبو العريس"، مشاركين له في فرحته. كان ذلك في وقت اكتظت القاهرة بالمعارضين السياسيين والنقابيين المعاشيين والمفصولين من الخدمة، فالتقينا سويا مع رجال أفاضل وقيادات شامخة، وهم كثر يصعب حصرهن، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

في ذلك الحين، لم يكن العمل بالمحاماة مجزيا في مصر مما حدا بأمين البحث عن وظيفة تناسب مؤهلاته. فكانت مدينة ابيدجان، عاصمة كوت دي فوار أو ساحل العاج، محطة ثانية التقيت فيها أمين مكي، في صيف 1995, فقد كانت المدينة مقرا بنك التنمية الإفريقيي. استضافه في بيته الصديق الخلوق الأستاذ شارلس دينق كير الذي كان يعمل ضمن طاقم الإدارة القانونية بالبنك. وبالرغم من أن أحد نواب رئيس البنك كانت سودانية، المرحومة الدكتورة بدور عفان، التي أوصت بتعيينه مستشارا قانونيا للبنك، إلا أن جهودها لم تكلل بالتوفق، خاصة وقد كانت على أعتاب نهاية فترة عملها. فلولا الموزانات السياسية ومحاصصة الدول في المواقع القيادية للبنك، فإن أمين مكي كان يملك المهارات المطلوبة ويحظى بقدرات تؤهله ليكون رئيسا البنك ذاته. ولا ننسي أن البنك نفسه تم تأسيسه فى اجتماع تم في الخرطوم في عام 1964 وكان أول رئيس له هو المرحوم نأمون بحيري.

حقا، فبعد عام ونيف من زيارته أبيدجان كافأته الأمم المتحدة بموقع رفيع كمفوض لحقوق الإنسان في غزة، فلسطين، في النصف الثاني من عام 1996. مضت الأيام وشاءت الأقدار أن يستمر تواصلنا، فحظيت معه بلقاء أكاد أجزم بتفرده وقصة لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة. ففي ظهيرة يوم الأحد، 13 فبراير 2000، وصلت إلى رام الله في سيارة أجرة أردنية من مطار الملكة علياء الدولي، عمان، عن طريق جسر الملك حسين. فور استقراري بالفندق، اتجهت نحو تلفون الغرفة وطلبت توصيلي برقم أمين مكي في غزة، وبالطبع فهو السوداني الوحيد الذي أعرفه في الأراضي الفلسطينية. وفور سماعه لصوتي، لم يصدق وبدى مستعجبا من دخولي إلى فلسطين، وقال لي أن السلطات الأسرائيلية لم تسمح لأسرته بزيارته خلال أربع سنوات قضاها في غزة. وازداد استغرابه بأن الجواز الذي كنت أحمله كان سوداني يسمح بالسفر إلي كل دول العالم ما عدا إسرائيل! بل واستخرجت فيزا الدخول، ففلسطين لم تزل سلطة وليست بدولة، من السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، بدون ختم على صفحات الباسبورت، إذ كانت تمنح التأشيرة في وريقة منفصلة. كنت حينها أعمل كأخصائي أول للبرامج في المركز الكندي لأبحاث التنمية الدولية، المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالقاهرة، ومسئولا عن تمويل عدد من المشاريع البحثية مع بعض الجهات المعنية الفلسطينية.

وضحت لأمين حقيقة الأمر كله فرحب بي بحرارة، وجائني في رام الله وهو يقود سيارته بنفسه من غزة مساء الخميس 17 فبراير وأخذني في جولة تعريفية حول أحياء رام الله وبيت لحم وبير زيت، ومن ثم إلى القدس الغربية للعشاء في مطعم فخيم يسر الناظرين. تفارقنا ليلا بعد أن أوصلني إلي الفندق على وعد أن يأتي ليأخذني غدا الجمعة إلى القدس الشرقية. أوفى أمين مكي بوعده واصطحبني معه قبل الظهيرة وأدينا صلاة الجمعة في المسجد الأقصى بعد جولة عرفني خلالها على بوابات المسجد ومعالمه الرئيسية. حقا، لقد كان لقاءا متفردا ويوما فريدا وثق عرى العلاقة بيننا! وما أن عدت إلى القاهرة حتى تم استدعائي في جهاز أمن الدولة للتقصي عن زيارتي لللأراضي الفلسطينية، أو بالأحرى إسرائيل كما سألني ضابط الأمن المقدم أحمد صلاح، وللمفارقة ذهبت لمقابلته في مكتب الجهاز الكائن، في شارع جابر بن حيان، بالقرب من مكتب أمين مكي للمحاماة قبل تركه القاهرة!

ولم تكن رام الله والقدس آخر محطات تلاقينا في فلسطين، فقد عقدت العزم على زيارة أمين في غزة في عطلة نهاية الأسبوع، الخميس 24 فبراير 2000. كعادته، أحاطني أمين بكرمه الفياض وطاف بي على كل أرجاء الشريط الساحلي لغزة. قضيت معه ليلتان تحاورنا وتناقشنا خلالهما حول كل قضايا الهم الوطني ودور أمين السياسي في ظل ما كان يربطه من وشائج ببعض الأطراف، واتفقنا على أن يكون له اسهامه المستقل من موقعه كحقوقي ومفكر له مكانته وتأثيره على الرأي العام. لم يمض وقت طويل حتى أرسل لي أمين "فاكسا" من غزة يؤكد فيه على ما توافقنا عليه، وما زلت احتفظ بذلك الفاكس إلى يومنا هذا!

لم ينقطع اتصالي وتواصلي مع أمين مكي بعد إنتهاء فترة خدمته في فلسطين. وبحكم عملي مع المركز الكندي، فقد التقيت به أكثر من مرة بعد إنتقاله الى بيروت كممثل في المكتب الإقليمي للمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في منطقة غرب آسيا (2002-2004). كان عادة ما يأتي الي في الفندق بوسط بيروت ويقلني بسيارته للسمر و"الونسة"، المغرقة في شأن البلد وحال الساسة والسياسة، في منزل مضيفنا وصديقنا المشترك وأستاذ الأطباء الهميم الدكتور مصطفى خوجلي.

وأذكر جيدا عندما زرته في مكتبه فى يوليو 2003 وأبلغني بطلب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، بصفته المستشار القانوني له، بالحضور فورا إلى بغداد، وكان متوجسا من السفر بسبب ألم يعاني منه ويستوجب مراجعة وإذن طبيبه الخاص. لكن في نهاية المطاف، سافر أمين إلى بغداد في أغسطس 2003 ووقع قدر لم يكن يحسبه أحد، إذ تعرضت حياته للخطر عندما تم تفجير المقر الرئيسي للأمم المتحدة في بغداد في التاسع عشر من نفس الشهر.

وإلي أن تركت العمل في المركز الكندي في يونيو 2005، تواصلت لقاءاتي مع أمين مكي بالقاهرة، التي كان يزورها بانتظام بحكم نشاطه الحقوقي في المنطقة. فكنا دوما نلتقي مع طيف واسع من الاصدقاء والمعارف، المقيمين في القاهرة من المعارضين والزائرين المؤازين، وأذكر منهم على سبيل المثال فقط: المرحوم مأمون عوض أبوزيد ومنصور خالد والمرحوم كمال رمضان ود. صلاح عمر وفاروق ابو عيسى أمين عكاشة وكمال اسماعيل وأمين زروق.

عاد أمين مكي الى السودان بعد اتفاقية السلام الشامل ليعاود مهنة المحاماة ولم تفتر همته من المشاركة في العمل الحقوقي- السياسي مؤسسا ورئيسا لمبادرة المجتمع المدني، والمرصد السوداني لحقوق الإنسان وكونفدرالية منظمات المجتمع المدني، مما عرضه للإعتقال مرة أخرى. ومن ناحية اخرى، لم يكف أمين مكي عن المساهمة كتابة في المواضيع والقضايا الوطنية التي تؤرق حال البلاد والعباد، خاصة الحوار الوطنى وجدواه في ظل القوانين السارية وعن صناعة الدستور وعن مالآت المستقبل، التي كانت تبدو قاتمة، متسائلا "أنبقى حيارى يسأل كل منا الاخر: ماذا يحدث في هذا البلد؟ دون أن نحرك ساكنا؟" لم تفتر علاقتي مع أمين أبدا وواصلنا اللقاءات والتقينا في المناسبات العامة والخاصة، كما تجمعنا مع الأصدقاء المشتركين في جلسات السمر. وبالرغم من عدم رجوعي للسودان منذ مارس 2012، إلا أن اتصالي مع أمين لم يتوقف وظللنا نتحدث هاتفيا، وبواسطة الإيميل الذي كنت أرسل عبره مسودة أي مقال كتبىها منذ ذلك التاريخ، ملتمسا إضافته عالية القيمة. حزنت شديدا في مارس من عام 2017 على فشلي في القيام بزيارة له في القاهرة بعد أن علمت وجوده بمصر مستشفيا بسبب مضاعافات ألمت به وسفره إلي. المانيا لمتابعة العلاج.

لا شك، يجمع كل من عرف الراحل المقيم عن قرب أن أمين اسم على مسمى، فقد كان فعلا أمينا ونزيها وشفيفا. أمين مكي ثمرة طيبة من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وامتدت ثمارها علما ونبلا وزهدا واثرا سيظل باقيا ولو رحل عنا وتركنا نكابد الأيام وحدنا. وما أن أكملت كتابة هذه الكلمات حتى فاضت العيون بدموع بعد طول انحباس!

الدوام لله والبقاء له وحده. أتقدم بالتعازي الحارة إلى أسرة أمين مكي الصغيرة وأسرته الممتدة وكل أهله وعشيرته، وعلى رأسهم رفيقة دربه الطويل السيدة الفاضلة نعمات عبد السلام الخليفة وابنتيه سماح وسارة وأبنائه مكي ووليد ومعتز، وإخوانه حمزة والحاج وأبوبكر (بكري). التعازي موصولة إلى صديق عمره وشريكه في العمل الأستاذ التجاني الكارب، وإلى د. صلاح عمر المحب لأمين مكي، وإلى صديق أمين الحميم محمد نور السيد، وإلى صديقنا المشترك د. منصور خالد الذي أدرك جيدا مكانة أمين في قلبه، ولأصدقائه ومعارفه وزملائه في المهنة وإلي كل المهتمين بالعدالة وحقوق الإنسان والمهمومين بقضايا الوطن عموما، وإلي السودانيين قاطبة، في فقدهم الكبير.