تورونتو، 18 نوفمبر 2017

لا شك أن هذه محاولة جادة ورصينة للتفكير خارج الصندوق بابتداع مفهوم *بنية العقل الرعوي* وتشريحة كمقاربة جديدة لفهم المشكلة السودانية ويقدم تفسير وتنظير جديد لكوابح النهوض، وللتخلف، والتراجع، الذى تشهده البلاد على كل الأصعدة.

النور يقول ان (السودان لا يزال فى مرحلة القبلية، تتحكم فى مجريات أموره *بنية العقل الرعوي*. فالدولة الحديثة فى السودان لم تقم بعد، بل هي نبت اجنبي، وكل مظاهر الحداثة تم فرضها بالقوة والقمع. ولن تقم، هذه الدولة الحديثة، إلا بعد أن ننجح فى تفكيك وإزالة بنية العقل الرعوي التي لا تزال ممسكة بخناق كل شيء. نقطة جوهرية أخرى فى اطروحة النور *أن بنية هذا العقل ليست خاصة بالسودان وإنما وفدت إليه منذ بداية تماهيه مع الفضاء العربي منذ القرن ال 14 ميلادي، وهو تماه اكتملت أركانه على يد الخديوية لاحقا. فبدخول الثقافة الرعوية التي حولت القرى النوبية الممتدة على طول مجرى النيل إلى ما يشبه الباديه، وبذلك انقطعت *التواصلية الحضارية السودانية*، واعتل، من جراء ذلك، *البناء العقلي والوجدان السودان*).
حقيقة، تجد اطروحة العقل الرعوي، المتحكم فينا، ولو بدرجات متفاوته، استقبالا حسنا من قطاعات مقدرة من السودانيين، خاصة فيما يتصل بالسلوك والافعال والقيم وتصرفات الأفراد تجاه الدولة والمؤسسات والقانون. فصحيح ان فى داخل كل سوداني، طبعا بما فى ذلك كل السيدات والسادة الحضور، عقل رعوي، بحسب المواصفات التي حددها النور فى التعريف بهذا العقل، كبر أم صغر حجمه، أو طغي وتمكن!

ودائما، فى ونستنا وجلساتنا وقعداتنا بنتكلم عن سلوكنا وممارستنا الرعوية، من عدم احترام للسلطة المركزية، أي كان طبيعتها أو نمطها، وأنه، مثلا، صوتنا العالى، وراثة عن صياح الرعاة للمناداة فى سهول البادية الممتدة (الأثيوبين أيضا رعاة ولكن صوتهم خفيف كالهمس تكاد لا تسمعه، فهل يعود هذا للعروبية؟)، وعدم احترام المواعيد، الخ.... وطول الوقت نقول "العربي ده"، ليس العربي المتمثل فى الدول العربية، إنما بمعنى آخر "الرعوي" ده أو "الجلف ده". لكن، تكمن المشكلة فى أن كل واحد/ة من منا يتبرأ من مثل هذا العقل ويعتبر أن الآخر هو صاحب/ة العقل الرعوي؟ فكيف نحل هذا ال paradox أو المفارقة أو المعضلة؟

ومن زاوية أخرى، فقد أثارت أطروحة النور جدلا كثيفا سواء من ناحيتين.
الناحية الأولى، تتمثل ربط المفهوم بالفضاء العربي وثقافة البادية. ولعلها تهمة غليظة أن يعزى اعتلال بنية عقل ووجدان السودانيين إلى غزو الثقافة العربية-الإسلامية للمالك النوبية، خاصة وأن النور يشدد على نقطة مركزية مفادها أن الأعراب الذين وفدوا إلى السودان لم يأتوا من مراكز الحضارة الإسلامية وحواضرها، وإنما جاءوا من البرية. فهل كان الأمر سيتغير إن أتوا من الحواضر والمراكز؟ ولما استطاع الأعراب أن يفسدوا علينا "بنية العقل السوداني"؟ سيكون هذا الاتهام مصدرا لمعركة جديدة للنور مع قبائل الإسلاميين والعروبيين، وأيضا مع محبي مصر وعشاق وحدة وادي النيل. فالنور يرى أن المصريين والاستعمار الثقافي المصري هم من ألبسونا "خوذة الهم العربي قسرا ومخادعة".
ومن ناحية أخرى، تثير أطروحة النور جدلا واسعا على خلفية إسقاطه لمنهج المادية التاريخية والتحليل الماركسي، بدعوى أنها لم تعد صالحة لتفسير الواقع. فليس بصحيح، فى رأيه، أن علاقات الإنتاج هي التي تصنع القيم، وأن البنى التحتية هي التي تشكل البنى الفوقية. فالنور يرى أن هذه المقولات لم تسقط على الصعيد النظري فحسب، وإنما سقطت على صعيد التجربة الفعلية فى تطبيق الاشتراكية فى الدول الشيوعية. هنا، لا ادري إن كان النور قد تأثر باطروحة ماكس فيبر Max Weber، 1904، المنشورة فى كتابه الشهير The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism . فويبر يفترض أن الرأسمالية هى وليدة ونتاج العقل الغربي، وذلك لعدة أسباب على رأسها "الأخلاق البروتستانتية"، خاصة طائفة "الCalvinists. فهذه الأخلاق هي التي أفرزت وشجعت ما يسميه "روح الرأسمالية the spirit of capitalism أو جوهر النظام الاقتصادي. فبالنسبة لويبر، الرأسمالية ليست بمجرد نشاط اقتصادي أو تراكم الثروة، بل جذورها مغروسة فى "العقلانية" مجسدة فى نمط السلوك المتسم بالزهد والتقشف البروتستانت، خاصة الكلفانية، وهذا ما دفع بإنشاء المؤسسات الاقتصادية والاستثمار والتراكم الراسمالي. يبدو هذا الطرح قريب للفكر الجمهوري بصورة عامة.

هذا لا شك جدل طويل ومعقد ومقعد! فهل هدف النور طويل المدى أن يثابر على تطوير أطروحته الى مستوى النظرية المتكاملة لتقدم نقدا حاويا وبديلا متكاملا للتحليل الماركسي، لا تقتصر على حالة السودان أو الفضاء العربي المحيط به؟ لا ادري إن اطلع النور على كتابات البروفسور طلال أسد، عالم الانثروبولجي، ومحاولته لنقد رأس المال، وحول الاسلام والعلمانية، فهو أكيد مصدر هام فى ما تسعى اليه من تطوير الأطروحة.

وسؤالي هذا ليس من فراغ، فالنور، من خلال تشريحه لبنية العقل الرعوي، بدأ يتلمس الطريق نحو نظرية مكتملة الأركان. فهو، على سبيل المثال، ينظر إلى الفاشية والنازية، بالرغم من وقوعهما فى إطار حداثة الدولة الغربية، كهبتين رعويتين، تسمهما القبلية والعنصرية التي انبثقت من داخل بنية الحداثة. ويذهب النور أبعد من ذلك، ويضرب مثلا بدونالد ترامب ك*ظاهرة رعوية*، تخرج من داخل عباءة الحداثة. فقد أيقظ، أو أعاد إلى الحياة، بخطابه البسيط المباشر والصدام، ما تم دفنه عبر السنين من بنية العقل الرعوي أو *عقلية الكاوبوي* فى الحياة الأمريكية، التي ما زالت مختبئة تحت قشرة الحداثة الأمريكية. إن كان الأمر كذلك، فهل هذا يعني أن هذا العقل أيضا يختبيء فى كل مكان أو دولة فى العالم، مهما كانت درجة ومدى حداثتها، طالما استطاع أن ينفذ من جلد سميك للحداثة الأمريكية؟ وهل تتطابق أو تتشابه بنية العقل الرعوي فى ماضي هذه البلاد مع المجتمعات العربية والسودانية؟ المثير للتساؤل أن النور لم يشر إلى تفشي العقل الرعوي فى آسيا وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية حتى تكون مقارنته متكاملة، وبالتالي تدعم أطروحته الأساس بأن العقل الرعوي هو سبب الداء والخيبة! ولعل مواصلة البحث عن التجارب المختلفة لاختبار صحة الأطروحة هو فى حد ذاته قيمة مضافة للبحوث الفكرية الجادة والعميقة.
وهنا أتساءل إن كان قد طرأ على النور فكرة كتابة مقال مانع وباتع باللغة الإنكليزية يعرض من خلاله أطروحته حول بنية العقل الرعوي وأن لهذا العقل مخلفات كامنة وراء تخرج كما المارد من قمقمه كلما حان الظرف والوقت المناسبين، لا تعصمه نهضة أوروبا ولا حداثة أمريكا. سيكون المقال سانحة هائلة لتقديم تفسير بديل، كمثال، لظاهرة ترامب، لاختبار ردود الفعل واكتساب آراء ومنظورات مختلفة تساعد فى تطوير الأطروحة حتى تكتمل اللوحة (لا ننسى أن النور أصلا مطبوع بالفن التشكيلي، وفنون أخرى حامياني، فالنورعواد ماهر). وهذا حقيقة هو الهدف الذي يردده النور نفسه، أنه يتجه إلى "توسيع الأطروحة وتعميقها، وتقديم مزيد من الإيضحات حولها".

والأكثر إثارة للتساؤل، حديثه عن وفود هذا العقل مع الهجرات العربية الإسلامية وهزيمتها وتدميرها للحضارة النبوية، دون أن يوضح بصورة حاسمة أين تقع باقي مناطق السودان التي لم تكن فى نطاق سيطرة الممالك المسيحية، كدارفور والجنوب وجنوب شرق السودان مثلا!
إن كان العقل الرعوي هو العلة فى التقدم والنهضة، فما هي العوامل التي تقود إلى إعادة انتاجه، رغم واقع الانتقال من الاقتصاد الرعوي (وانت ترجع هذا العقل، أو المسلك المناهض للحداثة والقيم المرتبطة بها إلى حالة البداوة وبنية المجتمعات التي حول نشاط الرعي) إلى المجتعات الزراعية والتجارية-الصناعية-الخدمية؟ هذا خاصة، وأن الدول فى أوروبا وشمال أمريكا تركت هذا النشاط البدائى منذ عقود طويلة من الزمان؟

وهل اليات ووسائل التحرر من بنية العقل الرعوي فى السودان، أو فضائه العربي، هي نفسها اللازمة لمعالجة الظواهر الرعوية التي يتصاعد انتشارها فى أوروبا وأمريكا؟ وهل نحن موعودون ب *هبة رعوية* يوما ما من بين قشور الدولة الحديثة الكندية وايقاظ بقايا بنية العقل الرعوي لسكان كندا الأصليين the Indigenous Peoples ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.