تحدث الكاتب البريطاني سايمون تيسدال في الغارديان (عدد الرابع من يناير الحالي) عن عشر مناطق قابلة للأشتعال في مختلف أنحاء العالم هذا العام. القائمة التي تصدرتها أيران، ثم باكستان وأفغانستان، ضمت أيضا السودان في منتصفها وتلته دول أخرى. ووصف الكاتب الوضع في السودان انه مثل القنبلة الموقوتة وأن هذا العام قد يشهد أنفجارها وأرجع ذلك الى وجود بؤر مزمنة للصراعات مع فقر مدقع وان عددا من العوامل يمكن أن تؤدي الى أشعال الوضع ذكر من بينها الأنتخابات وما قد يصحبها من عنف، الخلافات القبلية والأثنية، دارفور، خلافات الجنوب والشمال، الى جانب عامل النفط.

لا يحتاج المرء الى الذهاب بعيدا والتنقيب في وسائل الأعلام ومراكز الأبحاث الغربية ليصل الى هذه النتيجة، فأهل البلاد أنفسهم من ساسة ومثقفين واعلاميين يكادوا يتفقون على أمر واحد: أن هذا العام يعتبر مفصليا في تاريخ البلاد وان خواتيمه يمكن أن تشهد اختفاء السودان بصورته وحدوده الحالية كما عرف بأكثر من 170 عاما، واذا كانت القناعة بحتمية الأنفصال تتزايد لا في الجنوب فقط، وأنما في الشمال كذلك، فأن السؤال المحوري يصبح اذا كان هذا الأنفصال سيتم بطريقة سلسة فاتحا الطريق أمام جوار أخوي، أم تبدأ القضايا الشائكة من الحدود الى المياه والنفط في وضع أسس نزاع جديد ومتفجر بين الدولتين.

هناك الكثير من الأقتراحات والعديد منها ينطلق للأسف من المنصة الحزبية وباب تسجيل المواقف وكسب النقاط، لكن المرحلة التي وصلت اليها الأمور تتطلب شيئا من الممارسة المختلفة المنطلقة من رحابة في الفكر وأعلاء للهم الوطني، وهي ممارسة ليست غريبة على التراث السوداني ويكفي أن تحقيق الأستقلال تم أنجازه عبر هذا الباب. ولعل هذا يكون مدخلا لتصبح العودة الى السودنة هي شعار هذا العام لمعاونة قارب البلاد على أجتياز موجات الأستحقاقات العاتية التي تحيط بها وتواجهها من كل جانب.

والمقصودة هنا سودنة الحلول وتقصير الظل الأجنبي ما أمكن، لا من باب ما حك جلدك مثل ظفرك، وأنما من باب التجربة المعاشة في تنفيذ أتفاق السلام الذي شهد عليه حضور اقليمي ودولي ووقعت عليه أكثر من 30 جهة. واذا لم يستطع مبعوث الدولة العظمى سكوت قريشن التوصل الى أختراق في المسائل التي كانت عالقة بين الشريكين فما بالك بالأيقاد أو قوات حفظ السلام التي تعتمد على الحكومة في الكثير لأداء مهامها.

محدودية التأثير الدولي لا تقتصر على التجربة المباشرة للفرقاء السودانيين، وأنما أصبحت ظاهرة عالمية بدرجات متفاوتة أبرزها ما شهدته الأنتخابات الرئاسية الأفغانية التي رعتها الدول الغربية وصرفت عليها أكثر من300 مليون دولار كما أصدر مجلس الأمن قرارا بتكليف بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان المعاونة في القيام بالأنتخابات، ورغم ذلك جاءت النتيجة مزرية للدرجة التي دعت الى جولة ثانية، الأمر الذي ستكون له تبعاته في مصداقية الحكومة التي لم تتشكل حتى الآن وبعد مرور الشهرين على تنصيب حامد كرازاي رئيسا، بل وأثارت علامات أستفهام حول الأنتخابات البرلمانية المقبلة. وعل الذين يدعون الى تدخل الأمم المتحدة وأشرافها على الأنتخابات يدرسون بتمعن تجربتها في أفغانستان.

 من ناحية أخرى ومع انه من المعروف ان أي تدخل أجنبي لا ياتي مجانا، الا ان الكتابة التي بدأت تظهر على الحائط حول أحتمالات تشظي السودان يمكن أن تحدث نقلة نوعية لجهة أن يصبح النظر اليه كفريسة تنتظر الأنقضاض، وهو ما يتطلب التأني في الأتجاه الى الخارج.   

و لايعني هذا الغاء الطرف الأجنبي نهائيا، لأنه ذلك من المستحيلات في عصر العولمة هذا، لكن يتطلب الوضع من المؤتمر الوطني تحديدا رحابة أفق وبسط يده لأستيعاب الآخرين من باب سيطرته على السلطة. فالتنازلات التي يمكن أن تقدم الى الخارج يكون من الأفضل ان تتجه داخليا، لأنها في النهاية ستصب داخل البلاد ولمصلحة الوفاق والأستقرار. والأشارة تحديدا الى تحسين الأجواء لأجراء الأنتخابات والأستفادة من النسبة العالية التي تمت في مرحلة التسجيل خاصة ومعظم القوى السياسية الرئيسية تتجه الى خوض الأنتخابات بصورة من الصور، والمطلوب تشجيعها على ذلك ومخاطبة همومها سواء تلك المتعلقة بالجوانب الأجرائية في العملية الأنتخابية أو قانون الأمن الى غير ذلك، وهذا ما يساعد في تقصير الظل الأجنبي في شؤون البلاد الداخلية. بل يمكن القول ان موقفا كهذا يبقى مطلوبا حتى من الناحية الحزبية البحتة. فمواقف القوى السياسية الشمالية فيما يتعلق بوحدة السودان وأبيي وغيرها كانت أقرب الى المؤتمر منها الى الحركة، لكن ممارسات المؤتمر دفعت بها الى أحضان الأخيرة، الأمر الذي يتطلب النظر الفاحص الى كيفية أتاحة فضاء لها تحرك فيه بشىء من الحرية.

على كل تبقى جذوة الأمل متقدة بسبب النسبة العالية للتسجيل، التي تعطي مؤشرا واضحا على رغبة جماهيرية عارمة لممارسة الحق الديمقراطي، وفوق ذلك ان تجارب السنوات الخمس الماضية أوضحت بجلاء قدرة الشريكين على الوصول الى حلول عبر الحوار المباشر وبدون تدخل أجنبي. وهذا ما يحتاجان الى البناء عليه وتوسيع قاعدته بأشراك بقية القوى السياسية. وقد لا يكون ميسورا وحمى الأنتخابات قد لغمت الجو مناقشة القضايا المتعلقة بسيناريو الأنفصال. ولتكن البداية بورش عمل أكاديمية تضم مختلف التخصصات وتتوصل الى مرئيات أو توصيات تعرض على القوى السياسية عقب الأنتخابات ومعرفة الحجم الحقيقي لكل حزب. ويتطلب هذا طبعا تهيئة الأجواء لأنتخابات مقبولة. فحتى المؤتمر الوطني ليست في مصلحتة أن ينتهي الأمر بعملية مشكوك في نتائجها كما يجري الآن في ايران. كما انه وكل القوى السياسية الأخرى تحتاج الى معرفة ما طرأ من تغيرات على المشهد السياسي السوداني بمجمله، وليس أفضل من أنتخابات مقبولة ومعترف بها لمعرفة النتيجة، التي على ضوءها يمكن التعامل مع الحاضر والتخطيط للمستقبل.

 

alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]