alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

 أنتهى العام بأبرز حدثين شكلا محور النشاط السياسي عمليا منذ أن نال السودان أستقلاله: أولها التحرك الفعلي لقطار الأنتخابات على مختلف المستويات وأستكمال الأطار الدستوري والقانوني لممارسة جنوب السودان حق تقرير المصير. 

عمليات الشد والجذب التي صحبت هذين الحدثين ألقت بظلالها على مختلف القوى السياسية بصور متباينة. فالمؤتمر الوطني يبدو الخاسرالأكبر اعلاميا وسياسيا بسبب سوء أدارته التي أدت الى التأكيد على صورته حزبا شموليا قابضا على مفاصل السلطة ولا يريد السماح حتى لمظاهرة سلمية لتسليم مذكرة والبلاد تتهيأ الى الدخول في تحولات ديمقراطية، كما أعطى الأنطباع انه يتراجع تحت ضغوط الحركة الشعبية وحلفاءها في الداخل والخارج.

الحركة الشعبية رغم انها تبدو الكاسب الأكبر بالحصول على ما تريد خاصة فيما يتعلق بقوانين الأستفتاء وأبيي والمشورة لولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، الا ان صورتها وشعاراتها عن السودان الجديد وتحالفاتها مع القوى الشمالية الأخرى أصبحت محل شك شديد وغير مقنعة لمخالفتها للمارسة الفعلية على أرض الواقع، بل ويرى البعض فيها أنتهازية اذ تضحي بحلفاءها عند أول منعطف تحصل فيه على مكاسب من المؤتمر الوطني. وهذا الأنطباع لا يقتصر على القوى السياسية الشمالية، وأنما بدأ ينسحب حتى على الساحة الجنوبية. وفي الجدل الدائر حول قوانين الأعلام المعروضة على برلمان الجنوب مثال على هذا، ووصل الأمر ببعض الاعلاميين الجنوبيين والناشطين في مجال حقوق الأنسان الى بدء تحرك والتساؤل بتهكم عن مدى صدقية الحركة وهي تثير الضجيج وتتظاهر في الخرطوم مطالبة بالتحول الديمقراطي الذي تستنكفه عن مواطنيها في الجنوب وحقهم في أعلام حر لا تسيطر عليه الحكومة. 

أما بقية أحزاب المعارضة الشمالية فقد وضحت وبصورة جلية قلة حيلتها في التعامل مع المؤتمر الوطني منفردة وفشلها حتى في الأستمرار في تسيير مظاهرات والضغط في أتجاه أجازة قوانين أفضل للتحول الديمقراطي، كما فشلت مع حليفتها الحركة الشعبية، اذ لم تستطع الحصول منها حتى على وعد بأتخاذ موقف سياسي واضح تجاه قضية الوحدة مقابل مساندة طلب الحركة أن تعتمد نتيجة الأستفتاء بنسبة 50 في المائة زائد واحد أو مساندة موقف المعارضة الشمالية فيما يتعلق بقانون الأمن الوطني. وأنتهى بها الأمر الى الطنطنة حول مسائل أجرائية تتعلق بالطريقة التي أعيد بها قانون الأستفتاء الى البرلمان مرة أخرى. وتناست ان البرلمان وعضويته بل والدستور الذي يحكمه في نهاية الأمر نتاج صفقة سياسية. والقوانين والدستور تقنين لأوضاع نشأت عبر القوة أو تعادلاتها كما هو الحال في أتفاقيا نيفاشا. أنسحاب كتلة المؤتمر الوطني، عدا الحزب الشيوعي من جلسة أقرار قانون الأستفتاء ترسل اشارة سالبة حول مدى التزام هذه القوى بمبدأ حق تقرير المصير الذي وافقت عليه من قبل، وهو أنطباع يمكن أن تكون له تبعاته المستقبلية في التحالفات الأنتخابية. فالحركة التي جعلت من هذا الحق قضيتها الأولى ستبحث عن تحالفات تؤمن لها أنجاز الأستفتاء دون عوائق، وموقف كتلة التجمع يصب لصالح تحالف المؤتمر والحركة أنتخابيا بصورة ما حتى وأن لم تقصد ذلك.

لكن رغم ذلك يبدو الكاسب الأول من هذا كله سيادة مبدأ الحوار وعدم حدوث عنف يذكر حتى الآن، بل وتبدو النقطة المشرقة في كل هذا أن الأتفاقات التي تمت جاءت نتيجة لحوارات بين طرفي الحكم ودون تدخل الوسطاء الأجانب الكثر وعلى رأسهم المبعوث الأمريكي الذي لم يستطع خلال جولات عديدة أن ينجز ما تمكن الطرفان من أنجازه في حوارهما المباشر ولا حتى البريطاني والروسي الذين كانا متواجدان في السودان في قمة الأزمة بين الشريكين. واذا صدق العزم وتبلورت الرؤى لأصبح هذا منطلقا لأسترجاع ملف السودان بقضاياه المتشعبة من التجوال بين مختلف العواصم الأجنبية، والعودة مرة أخرى الى الحقيقة البدهية ان السلام يصنعه أهل البلاد و لايمكن فرضه من الخارج.

وهذا السلام يكتسب قوة أضافية اذا كان مستندا الى أرادة شعبية، وهذا ما ينقلنا الى قطار الأنتخابات الذي تحرك فعليا. ويمكن الأشارة بداية الى ضيق المدى الزمني الذي تتحرك فيه المفوضية القومية للأنتخابات وتأثره بالجدول العام، وكان يمكنها التعويض عن جزء من هذا الضيق عبر تكثيف نشاطها الأعلامي والتوعوي. ولست أدرى لماذا لم تنشر من قبل شروط الترشيح لمختلف المواقع الدستورية. فالعلم بها والأستعداد لها بصورة مبكرة كالتعامل مع شرط الحصول على مساندة وتوقيعات ناخبين من مختلف الولايات والمحليات يمكن أن يساعد في التعامل مع قيد الضيق الزمني.   

حتى الآن فأن تسجيل الناخبين جرى بصورة سلسة محققا نسبة تجاوزت الوقعات في ظروف السودان الغير مواتية مما يدل على رغبة عارمة في ممارسة الحق الديمقراطي، وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تلتفت اليها مختلف الأحزاب خاصة المعارضة منها والأستفادة من الخسائر السياسية التي لحقت بالمؤتمر الوطني وبصورة أقل الحركة الشعبية. ثم ان قانون الأنتخابات وتوزيع الدوائر يشكلان نقلة في تاريخ السودان بأستيعابه لمختلف مكونات المجتمع عبر الدوائر الخاصة بالنساء والتمثيل النسبي مما يمكن أن ينتج عنه برلمان أكثر تمثيلا لأهل السودان وتجاوز التجارب السابقة حيث لا تجد بعض القوى الحية والمؤثرة خاصة في الأنتفاضات على النظم العسكرية سبيلا الى البرلمان مما يضعف من التجربة ويجعلها لقمة سائغة للأنقلاب المقبل.

على ان هذه التجربة لن تأتي خالية من الشوائب، والمطلوب اللجوء الى آلياتها المعتمدة من طعون وقضاء للمضي قدما. فالديمقراطية تترسخ عبر الممارسة والتجريب والتطور الأنتقالي التدريجي الذي يفرض على القيادات النظر الى أسفل الى الناس الذين ينتخبون. والأهم من هذا كله أن تتم في مناخ فيه قدر من المعافاة والأجواء المواتية، التي لا تستبعد عامل العنف فقط، وأنما تهىء الأرضية للقبول بنتيجة صندوق الأنتخابات. فليس هناك أسوأ من انتخابات مشكوك في نتيجتها. ولعل هذا يصبح برنامج العمل للعام المقبل: كيفية أزالة الأحتقان الذي تعيشه الساحة، وهي مسؤولية يتحملها بصورة رئيسية المؤتمر والحركة أنطلاقا من خطوة قانون الأستفتاء التاريخية، لكنها لا تقتصر عليهما. واذا أريد لقيمتي السلام والتداول السلمي للسلطة أن يصبحا ثوابت وطنية، فالعام المقبل يشكل ضربة البداية لتنزيل تلك الشعارات على أرض الواقع.