alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

 يحمد لوزير الطاقة والتعدين الزبير أحمد الحسن صراحته وأنه أول مسؤول يتحدث عن النفط وصفته سلعة ناضبة وان أمام السودان عقدا من الزمان لأستغلال العائدات النفطية في موارد أنتاجية مستدامة، وذلك في معرض تعليقه على ما وصفه بتضخيم الأعلام العالمي للأحتياطيات النفطية الموجودة في أبيي.

وضعية النفط السوداني المحدودة كمنتج صغير معروفة من البداية، وحتى ابان مفاوضات نيفاشا، شرح بعض المختصين الذين حاضروا المفاوضين عندما كانوا يتداولون ملف قسمة الثروة أن عمر صناعة النفط السودانية سيتراوح بين (15) الى (20) عاما، بل ان التحالف الأوروبي من أجل النفط في السودان المعروف أختصارا ب "أيكوس" يعتقد ان صناعة النفط السودانية وصلت الى ذروتها العام الماضي، لكنها ستستمر لفترة عقد آخر من الزمان وستدر على الخزينة العامة نفس العائد، وهذا ما يعيد الحديث الى ما ذكره الوزير عن كيفية أستغلال هذه العائدات وهذا الوقت.

ولحسن الحظ فأن التوقعات الخاصة بالسوق النفطية العام المقبل تشير الى تطورين مهمين: أولهما ان السوق مرشحة للدخول في حالة نادرة من الأستقرار تعود بصورة أساسية الى قيام منظمة أوبك بخفض انتاجها بأكثر من أربعة ملايين برميل، الأمر الذي ساهم في رفع سعر البرميل ومضاعفته الى نحو (70) دولارا خلال هذا العام، وكذلك الى قيام السعودية، صاحبة أكبر طاقة أنتاجية تتجاوز (12) مليون برميل يوميا بمراقبة أحتياجات السوق لأحداث التوازن المطلوب بين العرض والطلب. ثاني التطورات يتمثل في ان سعر البرميل قد استقر عمليا بين (70) الى (80)  دولارا خلال الأشهر السابقة، وهو سعر يبدو ملائما للمنتجين وحتى الهامشيين منهم كالسودان وكذلك المستهلكين. والسعودية التي أعلنت من قبل انها تستهدف هذا النطاق السعري كشفت مؤخرا عن موازنة للعام الجديد بحجم (144) مليار دولار، هي الأعلى في تاريخ السعودية وستبذل جهدها للحفاظ على هذا النطاق السعري كي تتمكن من تغطية هذه الميزانية. مع ملاحظة أن صندوق النقد الدولي يتوقع أن يرتفع مستوى أنتاج السودان النفطي الى (560) ألف برميل يوميا العام المقبل.

هذا فيما يخص العام المقبل، أما بعد ذلك فليس واضحا كيف يمكن الحفاظ على مثل هذا التوازن خاصة في المدى المتوسط الى البعيد. والأشارة الى التطورات المتوقعة ومن بينها أتجاه العراق، الذي يملك ثالث أكبر أحتياطي نفطي في أوبك، الى رفع طاقته الأنتاجية، حيث أتخذ خطوات تنفيذية بتوقيع أتفاقيات مع شركات أكسون/موبيل الأمريكية وشركة النفط الوطنية الصينية وأيني الأيطالية ورويال دتش/شل الأوروبية، وكلها شركات من أعمدة الصناعة النفطية العالمية للتنقيب عن النفط وأنتاجه، حيث يتوقع أن يتراوح أنتاج العراق بين سبعة الى عشرة ملايين برميل يوميا خلال فترة عقد من الزمان، وأن الزيادة ستكون متدرجة علما ان العراق حتى الآن مستثنى من نظام الحصص، الذي يلزم كل دولة بحجم أنتاجي معين. ولهذا فما أن يبدأ الأنتاج العراقي في الزيادة من معدله الحالي الذي يتجاوز مليوني برميل يوميا، فأن أوبك ستواجه بمعضلتين: كيفية ادخال العراق في نظام الحصص، وهي عملية من التعقيد والصعوبة بمكان لأنها ستعيد فتح الملف بصورة عامة والكل يريد زيادة حصته. أما الأمر الثاني فأن الزيادة في الحجم الأنتاجي من العراق وغيره لابد أن تجد طريقها الى السوق بصورة أو أخرى، مما سينعكس سلبيا على سعر البرميل وذلك مالم يتصاعد الطلب بصورة كبيرة.

وبما ان هذه عوامل لا يمكن السيطرة عليها أو التنبؤ بها بدقة، فمن الأسلم تبني أختيارات محافظة وحذرة فيما يتعلق بالعائدات المتوقعة من مبيعات النفط في السنوات المقبلة، وهو ما يعيدنا الى حديث الزبير مرة أخرى والتركيز على الجوانب الأنتاجية التي يمكن أن يكون للسودان فيها ميزة تنافسية. والأشارة تحديدا الى الميدان الزراعي والحيواني، حيث تمكن السودان من تصدير رقم قياسي في موسم الهدي لهذا العام تجاوز المليون ونصف المليون رأس، لكن في الجانب الزراعي خاصة لجهة أجتذاب الأستثمارات الأجنبية، فيبدو وكأن السودان مرشح ليفقد فرصته رغم الأهتمام العالمي بهذا الجانب بسبب أزمة الغذاء المستمرة، اذ لم تتبلور خطط واضحة في شكل مشروعات متفق عليها، بل ان السودان شكل غيابا واضحا في مؤتمر زراعي أقليمي عقد الشهر الماضي في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا وشاركت فيه الى جانب السعودية عدة دول في شرق القارة الأفريقية على مستوى الرؤساء وذلك للبحث في المشروعات الزراعية التي ستمولها السعودية في تلك المنطقة.

سيظل الوضع السياسي وأستقراره في نهاية الأمر هو المحك، وللأسف فأن كل ما ينقل عن السودان في الآونة الأخيرة انه يخرج من أزمة ليقع في أخرى. وبغض النظر عن الأسباب وتحديد المسؤولية، فأن مثل هذه الصورة لا تشجع مستثمرا على القدوم الى بلد تبدو وكأنها سيارة منطلقة بدون كوابح. والأشارة هنا الى حق تقرير المصير بالنسبة لجنوب السودان، وكيفية ممارسته والطريقة التي سينتهي اليها وأنعكاسات ذلك على السودان بصورة عامة.

ورغم ان أتفاقية السلام ألزمت كلا من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بالعمل على جعل خيار الوحدة جاذبا، الا ان ذلك لم يجد طريقه الى أرض الواقع خلال السنوات التي تصرمت من عمر الأتفاقية، بل وأسوأ من ذلك أن أصبحت كل قضايا الأتفاقية أسيرة لخلافات الشريكين التي تمترست خلف الألتزام الحزبي وغاب البعد الوطني والشعبي في قضية من الأهمية بمكان مثل قضية الوحدة. ويحمد للدكتور الواثق كمير في مقاليه المنشورين بهذه الصحيفة يومي الأثنين والثلاثاء الماضيين دعوته للحركة الشعبية الى الحوار مع النفس والعودة الى منصة التأسيس فيما يتعلق بنظرتها الى قضية الوحدة. وبالنسبة للمجموعة من الوحدويين الذين قدموا الحركة على أساس ان أول معاركها العسكرية كانت ضد الأنفصاليين، وأن نحو ثلث عضوية مجلس التحرير القومي فيها من الشمال، فأن الأمر يتجاوز مجرد أعلاء الصوت عبر النشر في الصحف الى عمل سياسي مطلوب اليوم قبل الغد ومن داخل العضوية لأعادة الزام قيادة الحركة بميثاقها الأساسي وبأتفاقية السلام.