alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 يوم الثلاثاء الثامن من هذا الشهر التقى مساعد الأمين العام للأمم المتحدة أدموند موليت بوالي شمال دارفور عثمان كبر حيث ناقش معه الترتيبات الخاصة بالأنتخابات. وعبر المبعوث الدولي عن سعادته، وفق موقع اليونميد، بالعدد الكبير من الذين قاموا بتسجيل اسماءهم للأنتخابات معتبرا تلك اشارة جيدة الى عزم السودانيين على ممارسة حقهم الديمقراطي وانه (فقط) من خلال هذه القناة يمكن تحقيق السلام في السودان.

الذي يلفت النظر في الأرقام الأولية عن التسجيل ان نسبة المسجلين تجاوزت 80 في المائة، مما يعطي اشارة واضحة حول الرغبة العارمة في ممارسة هذا الحق، وأن الجنوب جاء في المقدمة كنسبة، كما انه وبرغم المتاعب اللوجستية، فأن حكومة الجنوب نجحت في تسجيل ثلاثة ملايين ناخب سيشكلون عاملا مهما في تحديد السياسات المستقبلية سواء على مستوى التحالفات التي تعتزم الحركة أبرامها في الأنتخابات أو بالنسبة للتصويت على الأستفتاء. ويعتبر الأخير في تقديري العامل الرئيس في تحقيق هذه النسبة العالية من التسجيل.

كذلك يلاحظ ان دارفور حققت أنجازا مقدرا في التسجيل وضعا في الأعتبار الظروف الأمنية وغياب الحل السياسي. وبالأرقام المطلقة وصل عدد من يحق لهم التصويت من الذين سجلوا أنفسهم الى قرابة مليونين ونصف المليون نسمة، كما جاءت ولاية جنوب دارفور في المرتبة الثانية من ناحية عدد الذين سجلوا اسماءهم وتجاوز مليون وثلاثمائة ألفا متفوقين بذلك حتى على ولاية الجزيرة، التي تحتل المرتبة الثانية في البلاد من نواحي الأستقرار السياسي وتوفر الموارد الأقتصادية وتحسن سبل الأتصال. 

وهذه الحقائق تتطلب في تقديري ممارسة مختلفة للعمل السياسي تركز بصورة أقل على المظاهرات وتحريك الشارع، والأتجاه بصورة أكبر الى الأشراك الجماهيري لتحديد القضايا وبلورتها وتحقيق شىء من الأجماع حولها. ومن هذه الناحية تحديدا لم يكن هناك داع لمظاهرتي الأسبوعين الماضيين. فشعارهما المرفوع كان الضغط في أتجاه أجازة قوانين التحول الديمقراطي، لكن لم هناك مشروعات قوانين جاهزة تنتظر الأجازة، وأنما كانت هناك خلافات سياسية حول الشريكين، وعندما حسمت هذه الخلافات باللقاء الرئاسي أنفرجت الأزمة، لكن لا تزال مسودة القوانين تنتظر الأتفاق حولها، وهو ما يتطلب الرأي القانوني والخبرة المهنية أكثر من الضغط الشارعي عبر المظاهرات. فمثلا الخلاف حول قانون الأمن كان يتركز حول تفسير ما ورد في أتفاقية قسمة الثروة والنص كما ورد باللغة الأنجليزية يقول

2.7.2.4 The National Security Service shall be professional and its mandate shall be advisory and (focused) on information gathering and analysis

 أي ان جهاز الأمن ينبغي أن يكون مهنيا ويكون دوره أستشاريا و(يركز) على جمع المعلومات. لقد ضاعت أشهرا كثيرة حول هل يكون دور الجهاز قاصرا على جمع المعلومات فقط أم له سلطة الأعتقال كذلك. ومن الواضح ان الخلاف كان في أطار تحقيق بعض النقاط لصالح هذا الطرف أو ذاك بدليل ان الحركة قبلت أخيرا بمبدأ الأعتقال وهو ما يحتاج الى الأتفاق حول مدته والضوابط التي تحكمه، وهنا أيضا تكون الحاجة أكثر الى الخبرة القانونية أكثر من المظاهرات للوصول الى تفاهم يسهم في التحول الديمقراطي.

الملاحظ في الأتفاق الأخير بين شريكي نيفاشا انه تم عبرهما مباشرة ولم ينتظر حتى المبعوث الأمريكي سكون قريشن ليتوسط، وحبذا لو عملت القوى السياسية للبناء على هذا الأنجاز بدلا من البكاء على السيادة الوطنية الضائعة، ثم تتجه الى الخارج بحثا عن الحلول والحماية في كل منعطف كما ورد أخيرا في تهديد بعض قيادات المعارضة باللجوء الى الخارج وشكوى الحكومة للمجتمع الدولي بسبب استخدامها المفرط للقوى في قمع مظاهرت سلمية. فالضمانة الأساسية تأتي من توفير أجواء ملائمة، وهذه ستتحقق من توفير حد أدنى من الأجماع الوطني. ولعل الكل ينطلق للبناء على النسبة العالية للتسجيل والأختراق الأخير في علاقات الشريكين.

لكن فيما يبدو فأن الساحة السياسية لا تزال محكومة بقاعدة المسكوت عنه الذي يحكم التصرفات الى حد بعيد. فمن القضايا المسكوت عنها بالنسبة لتجمع المعارضة اذا كانت ستخوض الأنتخابات أم لا، وهل ستخوضها بمرشح واحد ومن سيكون، وعلى أي برنامج وما هي ضمانات التزام هذا المرشح بالبرنامج المتفق عليه خاصة والبلاد تتجه الى نظام رئاسي. أيضا من المسكوت عنه حتى الآن هل تعتزم الحركة وبصورة رسمية المنافسة في الأنتخابات وعلى أي مستوى وهل ستطرح مرشحا لرئاسة الجمهورية أم لا، أم ستفضل النأي بعيدا عن هذه المعمعة والتركيز على الجنوب فقط، وبالتالي هل ستقوم بتحالفات مع المؤتمر الوطني ولو من باب تأمين وضع أتفاقية السلام خلال الفترة المتبقية حتى ممارسة حق تقرير المصير، أم تصعيد التحالف مع أحزاب مؤتمر جوبا، الأمر الذي يعيد الأمور الى طاولة الحسم بين تيارين داخل الحركة: من يريد الأهتمام بالجنوب فقط ومن يريدي لعب دور قومي.

بل ان ظاهرة المسكوت عنه وصلت حتى الى القوى الدولية المنغمسة في الشأن السوداني وخير ما تعبر عن هذه الحالة مفوضية التقييم التي يترأسها البريطاني ديريك بلمبلي التي لم تصدر تقريرها السنوي المعتاد.

من ناحية أخرى يبدو مثيرا للأنتباه تتالي التقارير الدولية حول المتاعب التي تواجه جنوب السودان، الأمر الذي دفع نيال دينق وزير شؤون الجيش الشعبي الى تناول هذه النقطة في شهادته أمام اللجنة الفرعية للكونغرس في الثالث من هذا الشهر متحدثا عن أنجازات تأسيس قواعد للحكم والبداية من الصفر، لكن رغم ذلك وفي تزامن مثير للأنتباه كتب باحثان في مجموعة الأزمات الدولية مقالا في "بوسطن قلوب" بعد أسبوع من شهادة نيال يقولان فيه انه مع فقدان أمل الوحدة بين الشمال والجنوب، فأن على المجتمع الدولي أن يتحرك لتأجيل الأنتخابات وانفاذ بعض الأجراءات في جانبي البلاد كي لا يتحول من دولة واحدة تعاني من متاعب الى دولتين فاشلتين. في اليوم التالي نشرت "نيويورك تايمز" مقالا يلخصه العنوان الذي يقول: "العنف يسيطر على جنوب السودان مع أقتراب موعد الأنتخابات". على ان الأخطر التقرير الذي نشرته منظمة أطباء بلا حدود في نفس اليوم وأوردت فيه مقتل 1248 شخصا في العشرة شهور الأولى من هذا العام وأنها عالجت 11129 مقابل 6139 فقط طوال العام الماضي مما يتطلب من المجتمع الدولي التركيز على الأغاثة أكثر من التنمية، وهذه في تقديري أسوأ نتيجة يمكن الخلوص اليها بعد سنوات أربع من السلام، مما يتطلب نظرة مختلفة من الجميع.  

مواجهة هذه القضايا يبدو فرض عين بدلا من السكوت والهروب الى الأمام عبر مظاهرات وشعارات لا تقدم رأيا و لا تطرح حلا.