alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 من الأقوال المنسوبة للمبعوث الأمريكي الأسبق للسودان السيناتور جون دانفورث قوله: سودان واحد يكفي، وذلك في معرض معارضته لفكرة تقسيم البلاد، التي عانت من متاعب متواصلة أستدعت تدخلات أقليمية ودولية لمواجهتها، والخشية أن تقع الدولة الجديدة في ذات المستنقع مما يتطلب جهدا خارجيا لأنقاذها. لكن واقع الحال يشير الى أن سودانا واحدا قد لا يكفي.

ورغم أن دانفورث كان يعبر عن رأي شخصي، ليس غريبا على الرجل المتحدر من ميسوري ومعروف بصراحته التي دفعته وهو القسيس الى انتقاد اليمين المسيحي الذي شكل القاعدة السياسية التي استند اليها رئيسه جورج بوش، الا ان رأيه ذاك كان يعكس الى حد بعيد المفهوم السائد لدى الديبلوماسيين المحترفين. وهؤلاء تحركهم ثلاثة عوامل لتفضيل وحدة السودان: أن الجنوب بتركيبته القبلية وكونه دولة لا منفذ لها على البحر يمكن أن تصبح عنصر عدم أستقرار، ثم انه وبسبب اللوبيات العديدة التي ضغطت على الأدارة لتقديم العون للحركة الشعبية، فأن واشنطون تخشى أن تجد نفسها في موقف المطالب بالمعاونة في بناء الدولة الجديدة. وتجارب الولايات المتحدة في هذا الجانب من الصومال الى العراق وأفغانستان ليست مضيئة و لا تشجع على التكرار. أما العامل الثالث فيتمثل في أن بقاء الجنوب في أطار السودان يقلل من فرص تحول البلاد الى ميدان للأسلاموية الأرهابية، وهو ما أشارت اليه الأستراتيجية الأمريكية الأخيرة عن السودان التي أعلن عنها في أكتوبر الماضي.

والموقف من وحدة البلاد لا يقتصر على الأمريكيين، بل ويتعداهم الى الأوروبيين. وعبر عن ذلك مفوض الشؤون الخارجية في الأتحاد الأوروبي خافير سولانا حيث تحدث بوضوح في سبتمبر الماضي قائلا انه من المهم أن يبقى القطر موحدا ومضيفا انه عندما ينظر الى الخارطة والى توزيع الموارد والى مجمل الأوضاع والمستقبل، فأن النتيجة التي يخلص اليها تدعو الى وحدة البلاد. وهذا هو التصريح الذي جر عليه أنتقادات مباشرة من الحركة الشعبية ومن بعض الدوائر الأوروبية وذلك على أساس ان أتفاقية السلام تتضمن حق تقرير المصير للجنوب، لذا عندما التقى سولانا النائب الأول سالفا كير الشهر الماضي أكد على ضرورة تنفيذ أتفاقية السلام بمجملها.   

والأمر كذلك يصبح السؤال لماذا لم يتم أستثمار هذه المواقف لدعم خيار الوحدة؟ والأجابة ببساطة انه لا الأمريكان و لا الأوروبيين يمكن أن يكونوا أحرص على السودان من أبناءه، خاصة وكل القوى السياسية السودانية قد امنت على حق تقرير المصير. وهذا الحق مضمن في أتفاقية السلام، كما انه حق ديمقراطي لا يستطيع الغربيون مهاجمته علانية. ثم جاء الأداء البائس للشريكين فيما يتعلق بقضية الوحدة خلال الفترة الأنتقالية ليدفع بالتيار الغالب في الجنوب في أتجاه الأنفصال.

وهناك أيضا المتغيرات التي تشهدها ساحة السياسة الدولية اذ لم تعد رغبات وطلبات الدول الغربية أوامر واجبة التنفيذ كما كان الأمر عليه في السابق. وربما أفضل مثال على ذلك ما جرى في الأنتخابات الأفغانية الأخيرة. فالولايات المتحدة بكل ثقلها العسكري والسياسي والمالي في البلاد لم تستطع أن تأتي برئيس ترغب فيه وأنتهى بها الأمر الى العمل بالحكمة الرائجة: أن لم يكن ما ترد، فأرد ما هو كائن. وهكذا ذهبت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون الى كابل لتهنيء حامد كرزاي على أعادة أنتخابه رئيسا.

عامل آخر يتمثل في بروز منظمات المجتمع المدني وجماعات اللوبي المختلفة ودورها المتعاظم في تسيير السياسة الخارجية خاصة الأمريكية على حساب الديبلوماسيين المحترفين، وهو ما بدا واضحا في الأستراتيجية الأمريكية عن السودان التي حفظت لها مكانا. وربما هذا ما يفسر الى حد ما فشل جولتي سكوت قريشن الأخيرتين في تحقيق ولو أختراق جزئي في القضايا العالقة بين الشريكين ولو عن طريق الضغط على الحركة الشعبية لتقديم بعض التنازلات اذ لم يعد في جعبة واشنطون ما تضغط به على المؤتمر الوطني.

ويمكن مقارنة موقف قريشن هذا بموقف دانفورث، الذي بدأ عمله في الوساطة بين الحكومة والحركة الشعبية بأختيار منطقة جبال النوبة لتصبح نقطة أختبار لأتفاق السلام المأمول. الحركة الشعبية لم ترتح لهذا الأختيار لأنه يطعن في نقطتين من الأهمية بمكان بالنسبة لأستراتيجيتها القتالية: أن جبال النوبة تعتبر من الشمال، والحركة تطرح نفسها بصورة قومية لكل السودان و لا تريد تجزئة القضايا لتنتهي محصورة في الجنوب، كما ان المقترح يدعو الى وقف أطلاق النار. والحركة تضع هذا العامل في ختام المفاوضات لأنه كرتها الوحيد. وللألتفاف حول مشروع دانفورث هذا أتصلت ببعض مؤيديها في واشنطون للتحرك، وكان أن أجتمع بعض هؤلاء بالرئيس جورج بوش معبرين عن قلقهم من هذا المنحى، وكانت اجابة بوش لهم هل تريدون السعي نحو السلام أم تغيير النظام؟ الأدارة ملتزمة بالعمل نحو السلام وترى في مقترح دانفورث خطوة في ذلك الأتجاه.

تبقى هذه في النهاية عوامل مساعدة للعامل الرئيسي وهو موقف القيادة السياسية في الجنوب وهل هي مع الوحدة أم الأنفصال. وتجربة أرتريا التي نجحت في أنجاز أستقلالها رغم معارضة الدولتين العظميين الولايات المتحدة والأتحاد السوفياتي لذلك الأتجاه تمثل خير نموذج. ثم أن الطبقة السياسية الجنوبية تجد لها قدوة في رصيفتها الشمالية التي وصل بها الأمر الى أعلان أستقلال البلاد من داخل البرلمان مدفوعة من ناحية بمصالحها الذاتية، ويمكن أن يضاف الآن الأغراءات التي تقدمها لها بعض الشركات عبر الوعود بأستغلال موارد الجنوب الطبيعية بما يوفر أمكانيات لتطوير الدولة الجديدة، هذا الى جانب ما عبر عنه سالفا كير أن يصبح أبناء الجنوب أسيادا في بلدهم.

هذه فرصة أخرى أهدرت وكان يمكن أستغلالها حتى لتجيير موقف دول الجوار لصالح الوحدة، ولتؤكد على الحقيقة الأزلية ان السياسة الخارجية تقوم في نهاية الأمر على رصيفتها الداخلية، ومالم ينصلح أمر الأخيرة فسيظل السودان في حالة هدر مستمر للفرص للأستقرار وأستقطاب العداوات الحقيقي منها والمفتعل.