alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 الحديث الذي بدأ يتردد عن التزوير في الأنتخابات أبتداءا بالتسجيل والتهديد بالمقاطعة يشير الى ان العقلية والمزاج النفسي الذين أنتجا أحداث الأربعاء الماضي عقب مباراة الجزائر ومصر لهما أمتداداتهما في السودان بما يجعل ذلك العرض مستمرا مع أختلاف الملعب واللاعبين.

  فالنزوع العدواني لبعض المشجعين الجزائريين وأحد ضحاياه صالة الحج والعمرة رغم انهم الفريق المنتصر، وعدم تقبل المصريين حقيقة هزيمتهم الكروية وبحثهم عن شماعة للهروب من تلك الواقعة مما أدى الى حملة اعلامية ظالمة ضد السودان، هي أبرز نتائج مباراة الفريقين المصري والجزائري التي أستضافها استاد المريخ.

وهي ذات العناصر التي تهيمن على مسرح العبث السياسي السوداني. فبعض تصرفات المؤتمر الوطني النابعة من هيمنته الكاملة خلال العقدين الماضيين تكاد تلحق الأذى بالأنتخابات وتصيبها بالعطب في أهم جانب لها وهو المصداقية وقبول المراقبين والخصوم بأجراءاتها قبل نتائجها النهائية. وبعض الأحزاب المعارضة ومعها الحركة الشعبية لم تتقبل حقيقة ضعف أداءها السياسي. وبدلا من الأستفادة من الهوامش المتاحة للتحرك السياسي والأعلامي وحقيقة ان المؤتمر ظل في السلطة لأكثر من عقدين من الزمان بما يوفر مادة خصيبة ويجعله هدفا سهلا للأنتقاد، أنصرفت الى ترديد الشكاوي وتوجيه أنظارها الى الخارج بحثا عن الحلول. والنتيجة هذا الهواء المسموم الذي يعبق في المناخ السياسي. واذا لم تقبل الحركة الشعبية وشايعتها في ذلك القوى السياسية المعارضة بالأحصاء السكاني الذي شاركت فيه مؤسسات دولية وأصدرت بشأنه 164 تقريرا محليا وولائيا وعاما وفي مراحل مختلفة لم يعترض عليها أحد في وقتها، لأنه لا يخلص الى نسبة سكان الجنوب التي ترجوها وذلك لأنعكاساتها على قسمة السلطة والثروة، فمن باب أولى أن تصبح هذه سابقة في العمل السياسي: أي عدم الأعتراف بنتائج أي ممارسة لا تأتي بالنتيجة المطلوبة والمرغوبة.

بداية لابد من النص على حقيقة بدهية وهي ان الأحزاب السياسية ليست جمعيات خيرية، وبالتالي فلا ينبغي لأحد ن يستغرب أن تسعى هذه الأحزاب الى السلطة والحفاظ عليها بكل الوسائل. والمؤتمر الوطني ليس أستثناءا. لذا يصبح من السذاجة الطلب اليه والتوقع منه أن يستجيب بتهيئة المناخ الملائم وأطلاق الحريات وأجراء أنتخابات نظيفة وجعل هموم الناس أولوياته، واذا حدث هذا فما حظ المنافسين من الفوز، وما الذي يدفع الناخبين الى تغييره؟

يعرف كل من عاش في الغرب أو تابع قضاياه عن قرب أن ما يبدو من أحترام للقانون وممارسة للصدق والأمانة خاصة من قبل السياسيين لا يرجع الى مزايا شخصية أو حسن تربية، وأنما لأن وسائل المراقبة المختلفة من فصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ووجود رأي عام ومؤسسات مجتمع قوية تجعل من الصعب الأفلات بالجريمة حتى وأن طال الزمن. لكن كل من وجد الفرصة للتهرب من الضرائب أو قبول رشوة لا يتردد في القيام بها. والعبرة في قصة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون وتجسسه على مقر منافسه الحزب الديمقراطي في ووتر جيت وأستخدامه لأساليب أين منها أساليب المؤتمر الوطني لأعادة انتخابه مرة ثانية، وهو ما حدث وبفارق كبير على خصمة جورج ماكقفرن. ومستندا الى هذا التفويض الشعبي ومستغلا سلطة الدولة قام نيكسون بمضايقات عديدة لصيحفة واشنطون بوست، التي كانت الوسيلة الأعلامية الوحيدة التي تنفخ في قضية ووتر جيت كالضغط عليها أعلانيا والغاء بعض التراخيص الخاصة بالمحطات التلفزيونية التابعة لها، والتجسس على هواتف بعض العاملين في الصحيفة، بل والتهديد أحيانا بالقتل. حدث هذا في بلد قام أساسا على مهاجرين دفعتهم أشواقهم الى الحرية الى القدوم الى الوطن الجديد وتأسيسه على قيم الحرية والعدالة وخلفة نحو مائتي عام من الممارسة المؤسسية للحرية.

لكن الواشنطون بوست لم تصرف وقتها وجهدها في الشكوى من تدخلات السلطة وتربصها بها، وأنما صمدت أمام هذه الضغوط مدفوعة بقوة شكيمة ناشرتها كاثرين غراهام ومهنية رئيس تحريرها بن برادلي، الذي أدخل القاعدة الذهبية في كيفية التعامل مع المصادر التي لا تكشف عن نفسها وذلك بتأكيد ذات المعلومة من مصدر ثان مستقل قبل نشرها. وبحفاظ الصحيفة على مهنيتها ونجاحها في الأستمرار في كشف مختلف حلقات مؤامرة ووتر جيت حتى علقتها في رقبة نيكسون وبدون طعن في مصداقية الصحيفة، تمكنت البوست من تحقيق أنجاز عالمي بأجبار نيكسون على الأستقالة وتأكيد حقيقة أن الصحافة سلطة رابعة.

أن أهم قضية ينبغي الأهتمام بها هي الحفاظ على التوجه السلمي للممارسة السياسية وأن يصبح صندوق الأنتخابات الآلية المعترف بها لا لتغيير السلطة فقط على مستوى الدولة القومي فقط وأنما بالنسبة لقيادات الأحزاب. على ان التطور في هذا الجانب تحكمه الممارسة ولا شىء غير الممارسة داخل مكونات العملية الديمقراطية وهي الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة. ولعل في الأنفجار الذي تشهده مختلف الأحزاب من أنقسامات مؤشر على الحاجة الى المناخ السلمي والممارسة الديمقراطية داخل هذه المؤسسات. فبسبب أجواء العنف والقمع والمصادمة تجمدت أمكانيات التغيير المتدرج داخليا، لأنه في تلك الأجواء لا صوت يعلو فوق صوت معركة المواجهة مع النظم الأنقلابية والنتيجة ما نراه حاليا من تشظي وضعف كاد يقعد بهذه الأحزاب ويجعلها رقما هامشيا لا يعتد به. والحل لا يكون في المقاطعة، وأنما في أستغلال تجربة الأنتخابات للقيام بممارسة عملية داخل أسوار هذه الأحزاب وعلى مستوى المنافسة العامة ومن ثم الولوج الى مرحلة جديدة على الأقل من باب أحداث فرز وتحديد الثقل السياسي للأفراد والاحزاب.

من الناحية الأخرى، فأن مباراة الجزائر ومصر التي تم الترتيب لها في غضون فترة 72 ساعة فقط، كشفت عن قدرات تنظيمية ضخمة، كما أحدثت قدرا من الوحدة في البلاد، أعاد للرياضة ذلك البعد الأيجابي، سواء في الرغبة في أنجاح المناسبة وعكس صورة مختلفة للسودان أو في التصدي للهجمة الأعلامية الظالمة التي أعقبت أنتهاء المباراة مباشرة، وهو ما يشير الى انه متى وجدت الأرادة يمكن عمل الكثير، وهو ما يوفر جرعة من الأمل ويبقى التحدي في كيفية تحويل ذلك الأمل الى حقيقة.