alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

 يبدو ان فترة الأستحقاقات قد أزفت لعقود من الممارسات الحزبية الضيقة وتغليب الآني على الاستراتيجي وممارسة السياسة على طريقة رزق اليوم باليوم، مما أوصل البلاد الى مفترق الطرق الحالي مشحونا بحالة من الأحتقان مع تصاعد صيحات الأنفصال التي أصبحت واجبة النفاذ خاصة مع تمترس الحركة الشعبية خلف حق تقرير المصير المؤدي الى الأنفصال لأنها كما ترى ان الشمال ومن خلفه العرب هم فقط المعنيين بجعل الوحدة جاذبة.

يعتبر يناير من العام 1992 علامة فارقة وتلخيصا للفقرة أعلاه، حيث شهد ما عرف باعلان فرانكفورت بين الدكتور علي الحاج، أحد قيادات الأنقاذ وقتها الذي كان مسؤولا عن ملف الجنوب والدكتور لام أكول، الذي كان قد أنشق عن الحركة الشعبية مع الدكتور رياك مشار ضد قيادة جون قرنق. وفي ذلك الأعلان اعتراف من حكومة في السودان لأول مرة بحق تقرير المصير، الذي كانت مجموعة لام- مشار المنشقة تزايد به على قرنق. الخطوة التي أقدم عليها الدكتور علي الحاج جاءت مناقضة حتى لتوصية الأستخبارات العسكرية التي حذرت من المضي قدما في التعامل مع هذا المجموعة وذلك على أساس انها أنفصالية، بينما قرنق على الأقل يتبنى خطابا وحدويا، لكن كان للساسة رأيا آخر، هو الأعلى.

الأعلان أدى الى النتيجة التي توخاها موقعوه كل لأسبابه ودفع الحركة الشعبية بقيادة قرنق لتبني فكرة حق تقرير المصير كأحد الخيارات سواء عبر المفاوضات أو بحد السلاح، وهو ما تمخض عنه من نتائج في أول مؤتمر عام للحركة عرف بمؤتمر توريت الذي عقد في العام 1994 . المؤتمر الذي ترأسه المرحوم يوسف كوة انتهى الى نتيجتين رئيسيتين: التأكيد على قيادة قرنق للحركة مع أجراء بعض الأصلاحات وأقرار حق تقرير المصير للجنوب. ويعتبر هذا أستيعابا لتيار أنفصالي لا يستهان به يستند الى موروث كبير، ومع ان وجود قرنق وأجندته الوحدوية كانت تغطي على هذا التيار، الا ان ورود توصية حق تقرير المصير في قرارات المؤتمر الأول وفر الأساس القانوني والدستوري لهذا التيار، الذي برز الآن وبصورة واضحة.

وفيما بعد تبنى مؤتمر القضايا المصيرية للتجمع الوطني الديمقراطي هذا الخيار، رغم انه ربطه بأزالة النظام وبالتالي دفع الجنوب الى وحدة طوعية. وأذكر ان العديد من زعماء التجمع تلقوا تحذيرات من عدة عواصم عربية ان هذه مغامرة قد لا يستطيعون السيطرة عليها.

عمليا انتهت الحركة الى تبني خطين متناقضين يدعو أحدهما الى الوحدة والآخر الى حق تقرير المصير، كما قامت وبكل ذكاء بدفع الكرة الى ملعب القوى السياسية الشمالية، التي أصبحت هي المسؤولة عن خيار أهل الجنوب وحدة أو أنفصالا، بينما نأت قيادة الحركة عن أتخاذ موقف رسمي في أتجاه الوحدة تتحرك على أساسه. ويبدو ان هذا جزءا من التكتيك الذي تمارسه قيادة الحركة في بعض القضايا الحساسة حيث يمكنها تجنب أتخاذ مواقف واضح محدد ما لم تكن مجبرة عليه.

وأشير في هذا الأطار الى ما لاحظه الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان الخبير الدولي في مجال المياه في ورقة غير منشورة، أن الحركة تجنبت في أتفاق السلام أن يكون لها وجود ظاهر عبر حكومة الجنوب التي تسيطر عليها في المؤسسات أو القضايا التي تتعلق بالمياه مثل اللجنة الفنية المشتركة. وتعمدت أن تكون هذه القضايا من مسؤولية حكومة الوحدة الوطنية، وهو يرجع ذلك الى سببين رئيسيين: أولهما الطبيعة المعقدة والخلافية حول قضايا مياه النيل وهي لا تريد أثارة حفيظة بعض الدول ان هناك أحتمال قدوم دولة جديدة تزيد من تعقيد وضع معقد أصلا عند بحث قضية حصص مياه النيل. والسبب الثاني يعود الى انه ليست هناك مشروعات في الجنوب تتطلب موارد مائية في الوقت الحالي. ولهذا وجدت انها ليست مضطرة الى التعامل مع هذا الملف في الوقت الحالي على الأقل.

ويبدو ان قيادة الحركة أتبعت نفس الأسلوب في قضية الوحدة. فرغم ان أتفاق ماشاكوس الأطاري نص على مسؤولية (طرفي) الأتفاق في جعل الوحدة جاذبة،  وليس المؤتمر الوطني وحده، وهو ما تم تأكيده فيما بعد في اتفاق قسمة السلطة، الا ان مسؤولي الحركة يتمترسون حول مقولة انهم كأفراد يمكنهم التصويت على الوحدة، لكن هذا لن يعني شيئا اذا قررت غالبية سكان الجنوب التصويت للأنفصال. وهذا من تبسيط الأمور وتجنب أتخاذ مواقف واضحة تنبع من قرار حزبي تجاه الوحدة والعمل من أجل أنفاذه. فالحركة لم تستشر سكان الجنوب عندما رفعت السلاح لأول مرة و لاعندما توصلت الى أتفاق السلام، وأنما هي قرارات سياسية أتخذتها قيادتها وجدت لها قبولا من الشارع الجنوبي فيما بعد.

وساعد على هذا الموقف نجاح قيادة الحركة في تصدير الكرة الى ملعب المؤتمر الوطني والشمال عموما وبقية العرب، على أساس ان مسؤولية جعل الوحدة جاذبة تقع على عاتقهم لأنهم يفترض أن يقوموا بعملية تنمية ضخمة في الجنوب خلال السنوات الماضية، وهو ما لم يحدث. ولو تم القبول بهذا المنطلق فيفترض بالحركة أن تقاطع الدول الغربية الرئيسية التي التزمت في مؤتمر أوسلو قبل أربع سنوات بمبلغ أربعة مليارات ونصف المليار دولار وكلفت البنك الدولي بأدارة هذا الصندوق، والنتيجة حتى الآن تقارب قبض الريح مما جعل صيحات الكثير من قيادات حكومة الجنوب ترتفع منتقدة بطء تدفق أموال المانحين. وللعلم فغالبية صناديق التنمية العربية فضلت التعامل المباشر مع السودان ولم تسهم في ذلك الصندوق.

طوال السنوات الأربع الماضية لم تكن الحركة مضطرة الى أتخاذ موقف محدد من قضية الوحدة، وذلك من باب وجود تيارين عبرا عن نفسيهما من خلال تبني الحركة لموقفي الوحدة وحق تقرير المصير. ومع أقتراب فترة الحسم بدأت تتمايز الصفوف بين القيادات، ولعل الخلاف الأخير حول ما أعلنه رياك مشار بخصوص قانون الأستفتاء ونفي باقان أموم له مؤشر على ذلك، مما يطرح سؤالا اذا كانت القيادات الجنوبية ستعيد انتاج ممارسات رصيفتها في الشمال بأعلاء البعد الشخصي وتغليب الآني على الأستراتيجي وتبعاتهما من أمراض النمو المعروفة في دول العالم الثالث مما يهىء الأجواء لدولة فاشلة حتى قبل ولادتها كما حذرت مجلة "الأيكونومست" وصحيفة "الأوبزيرفر" البريطانيتين من قبل.