التصريح المنسوب لوزير البترول المهندس مكاوي عوض منتصف هذا الشهر ان احتياطيات السودان النفطية بلغت أربعة مليارات برميل يثير العديد من الأسئلة التي تحتاج الى توضيح وأجابات.
ويلفت النظر أولا في رقم الأربعة مليارات ضخامة حجمه والمدى الزمني القصير لبلوغه. فالمعلومات السائدة في أروقة الصناعة النفطية ان أحتياطي السودان قبل الأنفصال بلغ خمسة مليارات برميل، وان جنوب السودان ذهب بثلثي الاحتياطيات المعروفة تاركا للسودان حوالي مليار ونصف المليار برميل. ولهذا فزيادة حجم الأحتياطي الى نحو 80 في المائة وفي فترة تقل عن ثلاث سنوات مما كان معروفا قبل الأنفصال أمر يلفت النظر ويحتاج الى التوضيح خاصة ولم يعلن عن أكتشافات جديدة.
ويزداد الغموض بالأشارة الى ان هذه الزيادة تمت بسبب " الحقول المكتشفة في المربعات الجديدة". ونسبة لأن البيان لم يوضح ما هي هذه المربعات تحديدا، فأن الذهن ينصرف تلقائيا الى الأتفاقيات التسع التي أبرمت في العام 2012 مع عدة شركات أجنبية فيما عرف بالجولة الثالثة وطرح مربعات جديدة على المستثمرين. على ان أيا من هذه الشركات لم تعلن عن أكتشافات، وهو أمر حيوي بالنسبة لها لأنه يساعدها على توفير التمويل، بل ان المعلومات المتوفرة تشير الى ان أيا من هذه الشركات لم تقم بعمليات حفر حتى الآن، ولاحتى الدخول في مرحلة المسح الثلاثي الأبعاد الذي يعتبر من الأشارات القوية على احتمال وجود النفط في المناطق المعنية. بل ان الأنطباع السائد ان الشركة الوحيدة التي تقوم بنشاط ملحوظ هي "بترو أنرجيا" البرازيلية في مربعي (9) و (11) وانها ربما تبدأ حفر أولبئر لها قبل نهاية هذا العام.
كذلك فأن هذا الرقم يتصادم مع آخر رقم رسمي قدمه وزير البترول السابق الدكتور عوض الجاز الذي قال أبان خطابه أمام مجلس الولايات في أواخر العام 2012 ان حجم الأحتياطي القابل للأستخراج في السودان يبلغ 762 مليون برميل، مما يعني ان رقم الأربعة مليارات الجديد يتجاوز خمسة أضعاف الرقم السابق ولو انه لا يحدد اذا كان هذه الأحتياطي مؤكدا أو محتملا أو ممكنا. ولكل من هذه الأوصاف معانيه وتبعاته بالنسبة للصناعة النفطية.
وفي واقع الأمر فأن القضية العاجلة والملحة فيما يتعلق بالصناعة النفطية في الوقت الحالي ليس حجم الأحتياطي مع أهميته، وأنما حجم الأنتاج. ففي السودان أحتياطي نفطي ما في ذلك شك، قد يزيد أو ينقص عن مختلف هذه الأرقام المتداولة، لكن كيفية زيادة معدلات الأنتاج والوصول بها الى متوسط 200 ألف برميل يوميا، وهو معدل يبدو ملائما لمقابلة احتياجات الأستهلاك المحلي المتنامية وأستحقاقات الشركات العاملة. فمنذ العام 2011 وأنفصال الجنوب ظل الأنتاج يتراوح في حدود 150 ألف برميل تزيد وتنقص، ومع دخول حقول جديدة الى دائرة الأنتاج، الا انه يلاحظ صغر حجم الكميات المنتجة التي تتراوح بين خمسة  الآف الى عشرة الآف برميل يوميا وتكون في الغالب تعويضا عن كميات فقدتها بعض الحقول التي بدأت تشيخ.
و لايعود سبب الأنتاج بكميات قليلة الى ضعف في الأحتياطي. فمربعا (17) و (6) مثلا يتميزان بأمكانيات جيدة ويذكر ان مربع (17) وهو أول مربع يبدأ الأنتاج بعد الأنفصال في 2012 جاء نفطه من ابار "النجمة" التي أكتشفت في العام السابق للأنتاج، علما ان هذه المربع يحتوي على بئر أبوجابرة الشهيرة التي شكلت أو أعلان عن وجود النفط بكميات تجارية على أيام شيفرون.
وكذلك مربع (6) الذي يعتبر في الوقت الراهن أهم مربع في السودان من الناحية الأنتاجية وأمكانياته المستقبلية خاصة بعد بعد مد خط أنابيب بقطر 12 بوصة وعلى مسافة 147 كيلومترا ليربط شرقي المربع حيث تركز معظم انتاجه البالغ 60 ألف برميل في المتوسط حاليا فيما نسبته 10 في المائة فقط من مساحة المربع الى غربهحيث توجد أمكانيات واعدة والأعلان عن دخول حقلي شوكة وسفيان دائرة الأنتاج قريبا مؤشر على هذا.
العقبة الرئيسية التي تقعد بالصناعة النفطية عن تحقيق طموحاتها وأمكانياتها سياسية في المقام الأول وتتركز في عاملي عدم الأستقرار الأمني وضعف الأستثمارات التي لابد من ضخها وفق ترتيبات أدارية وفنية كي تأتي أكلها. مربعا (6) و (17) يمتدان في مناطق كردفان ودارفور المتأثرة بنشاط الجبهة الثورية التي تضم حركات دارفور والحركة الشعبية قطاع الشمال، وبجانب هذا المهدد الأمني فأن هناك بعض التفلتات التي لا تنطلق من تحت مظلة سياسية، وأهم من هذا تنامي ظاهرة التدخلات من قبل المجموعات السكانية المحلية ومطالبتها بالحصول على نصيبها من ثروة النفط التي تستخرج من أراضيها في شكل خدمات أو توفير فرص عمل لأبناء المنطقة أو بعض مشاريع التنمية. ووصل الأمر في أحيان كثيرة الى قيام بعض بعض هذه المجموعات بأيقاف العمل حتى تتم الأستجابة الىي بعض مطالبها. وكمثال على ذلك فأن خط الأنابيب المشار اليها وكان يفترض انجازة في نحو ثلاثة أشهر استغرق بناءه ضعف هذه المدة بسبب عمليات التعطيل هذه، التي تجعل العديد من الشركات تفكر أكثر من مرة قبل ضخ أستثمارات جديدة اذا لم تكن متأكدة انها يمكن أن تستعيد أستثماراتها تلك في وقت معلوم.
أما الجانب الآخر الذي يسهم في تعطيل تدفق الأستثمارات فهو تنامي فعالية المقاطعة الأقتصادية للسودان التي ضمت اليها مصارف خليجية مؤخرا، الأمر الذي جعل العديد من الشركات الأجنبية تواجه متاعب في تحويل التزاماتها المالية. ويشكل هذان العاملان أهم العقبات التي تواجه أنطلاق الصناعة النفطية رغم وجود عوامل أخرى تتعلق ببنية الصناعة نفسها وتنظيمها والتوافق على أستراتيجية بشأنها.
وهذا ما ينقل النقاش الى الجانب السياسي. فقدحفلت السنوات الماضية بممارسات أستندت الى فكرة الترضيات لهذه المجموعة المسلحة أو تلك بدلا من أعتماد أسلوب يقوم على التراضي الوطني بكل تبعاته السياسية والدستورية والأقتصادية، ثم جاءت أتفاقية السلام مع الحركة الشعبية لتعلي مفهوم قسمة الثروة، الذي عزز من القناعة بوجود ثروة تحتاج فقط الى أعادة تقسيم وفق مفهوم لم يقطع صلته بتراث السودنة في بدايات العهد الوطني.
واذا كان من مؤشر نحو المستقبل فهو يتمثل في الأتجاه نحو توليد الثروة قبل الأصطراع حول تقسيمها وهذا لن يحدث وبصورة مستدامة الا بأتباع نهج التراضي العام بدلا عن الترضيات السياسية الفردية والفئوية لهذه المجموعة أو تلك.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////