شارك الكاتب مؤخرا في ندوة في بيروت أقامتها صحيفة "السفير" اللبنانية بمناسبة مرور 40 عاما على صدورها مستشرفا المستقبل من قراءة لما يجري في السودان.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السر سيد أحمد*
المستقبل يبدأ اليوم، والتيارات المتصارعة في هذه الفترة تضع الأساس لمستقبل يتخلق الأن. رغم ان السودان يعيش على الهامش السياسي والأقتصادي والجغرافي للمنطقة العربية، الا ان ما جرى ويجري فيه يمكن أن يشكل مرآة لتطورات الأحداث التي يشهدها العالم العربي وشعوبه. ففي أكتوبر/تشرين الأول من العام 1964 أنجز السودان ثورة شعبية أطاحت بالحكم العسكري الأول فيه، وكرر نفس الخطوة بعد ذلك بعقدين من الزمان عندما أطاح بالحكم العسكري الثاني في أبريل/نيسان 1985 مستخدما نفس الأساليب السلمية المجربة من الأضراب السياسي والعصيان المدني ليسبق بذلك ثورات الربيع العربي بأكثر من أربعة عقود من الزمان.
وفي مطلع عقد السبعينات قام السودان بأول خطوة من نوعها في العالم الاسلامي عندما تم تعيين أول قاضية شرعية، ومع بروز المرأة في ميدان العمل العام بسبب هجرة الرجال الى مناطق الأغتراب وتصاعد عمليات العنف وأهتزاز النسيج الأجتماعي تقدمت المرأة في درجات السلم الوظيفي والعمل العام وتحقيق شىء من الأستقلالية الأقتصادية ولو انها تركزت في ميدان المهن الهامشية الى حد كبير، لكن ذلك الحضور عبر عن نفسه سياسيا عندما أقر قانون الأنتخابات الذي أجريت على أساسه انتخابات العام 2010 نسبة 25 في المقاعد لصالح النساء. وبأستثناء العراق الذي خصص بالفعل نسبة لمقاعد النساء، فأن بقية الدول العربية حتى تلك التي قطعت شوطا على طريق التحول بعد الأنتفاضات الشعبية التي مرت بها مثل تونس واليمن لا زالت تتحدث عن أجراءات لدعم التمثيل السياسي للنساء سيتم تقنينها في الأنتخابات المقبلة.
في ديسمبر/كانون الأول من العام 2012 أفتتح الرئيس عمر البشير خط أنابيب يمتد على مسافة 147 كيلومترا في مربع (6) وهو أول خط يتم بناءه بعد أنفصال جنوب السودان قبل ذلك بعام، والفكرة أن يساعد الخط شركة "بتروأنرجي" على توصيل نشاطها الى داخل المربع الذي يمتد بين ولايات كردفان ودارفور في غرب البلاد، لكن بناء الخط الذي كان ينبغي أن يستغرق فترة ثلاثة أشهر فقط استنزف قرابة ضعف تلك المدة وذلك لأسباب تتعلق بمطالبات لأهالي تلك المنطقة أنهم يريدون نصيبهم من الثروة النفطية في شكل خدمات وفرص توظيف لأبناء المنطقة ومشاريع تنمية، وهذا هو المشهد الذي تكرر بصورة أو أخرى في أقليم برقة الليبي وطوره أكراد العراق لتحقيق قدر من الأستقلالية لأستغلال مواردهم النفطية لصالحهم وبعيدا عن الهيمنة المركزية لبغداد، الأمر الذي يؤذن بدخول صناعة النفط العربية مرحلة جديدة أبرز ملامحها تقليص سيطرة المركز على هذه الصناعة الهامة والأستراتيجية.
بل ان السودان كان أول من شهد وصول جماعة الأسلام السياسي الى السلطة عن طريق أنقلاب عسكري، الأمر الذي يثير أسئلة عن مدى التزام هذه الجماعات بالممارسة الديمقراطية علما ان تنظيمها السوداني وقتها "الجبهة الأسلامية القومية" وعلى غير ما كان سائدا في المنطقة كان متاحا لها العمل تحت رايتها المستقلة معارضة ومشاركة في حكومة أئتلافية. على ان سنوات حكم الأسلامويين السودانيين التي أكملت ربع قرن من الزمان كشفت بجلاء عن خواء الشعارات حتى في القضايا ذات البعد الأخلاقي مثل العدل والفساد وحقوق الأنسان، ناهيك عن الفشل الأقتصادي بل وحتى في الحفاظ على حدود الدولة السودانية الموروثة. ففي عهد الأسلامويين أنقسم السودان.وهاهو شبح التقسيم يطل على العراق وسورية وغيرها من دول المنطقة.
بل ان طول المكوث في دست الحكم قضى تقريبا على ألق الشعار الأسلاموي في البلاد حتى ان الحزب الحاكم وارث عقود من تراث الحركة الأسلاموية السودانية آثر هجر تلك الصفة وأطلق على نفسه أسم "المؤتمر الوطني" فقط، بينما الحركة الأسلامية تابعة له، وأكتملت هذه المرحلة أواخر العام الماضي بخروج شخصيات تاريخية ذات رمزية أسلامية من كابينة القيادة مثل نائب الرئيس السابق علي عثمان ومسؤول الحزب الدكتور نافع علي نافع.
وهذا ما يعتبر خلاصة وتجسيدا لفشل النخبة السودانية بيمينها ويسارها، عسكرييها ومدنييها الذين حكموا البلاد لأكثر من نصف قرن من الزمان ولم يستطيعوا التواءم والتوصل الى صيغة تعبر عن التنوع الذي يحفل به السودان مما نتج عنه ازمات متلاحقة وحروب أهلية متتالية لم يؤد فصل الجنوب الى أخمادها.
و لا يقتصر الفشل على الطاقم الحاكم حاليا وأنما يمتد الى المعارضة بشقيها السلمي الموجود داخل البلاد وتلك التي تمتشق السلاح وترفع شعار أنصاف أهل الهامش من أهل المركز المستأثرين بكل السلطة والثروة. فمعارضة الداخل تعاني من أمرين انها جربت مرتين على الأقل من قبل ولم يكن أداؤها في مستوى الطموحات، كما ان قياداتها في العقد الثامن من عمرها في المتوسط، الأمر الذي لا يجعلها معبرا مناسبا عن المستقبل. أما الحركات الحاملة للسلاح وتنضوي تحت لافتة الجبهة الثورية السودانية من الحركات المتمردة في دارفور والجبهة الشعبية- قطاع الشمال، وهو من بقايا الحركة الشعبية التي أنفصلت بالجنوب، فأنها أيضا تعاني من أشكالين رئيسيين انه وبعيدا عن الشعارات حول أنصاف المهمشين ليس لديها برنامج عملي لكيفية تحقيق ذلك، كما ان بعض هذه الحركات دخلت في اتفاقيات من قبل مع الخرطوم أنتهت الى وظائف وأمتيازات لبعض منسوبيها، وهو مالم ينعكس على القواعد. على ان أهم نقد يوجه الى هذه الحركان انها بلجوءها الى البندقية تضع الخيار الديمقراطي في خطر لأن من يصل الى الحكم عبرها لن يتخلى عنها من أجل صندوق الأقتراع، وما يجري حاليا في جنوب السودان من تفجر للعنف بين رفاق الأمس يبقى شاهدا حيا على ذلك.
على ان هناك أربعة عوامل ستؤثر على مستقبل البلاد من خلال تبلورها والطريقة التي سيتم التعامل معها: أولها ان الأزمة الوطنية وصلت مرحلة شاملة دفعت بالنظام الى الأعلان عن حوار بين كل القوى السياسية حتى تلك الحاملة للسلاح، وهو ما ينتظر ان يتشكل بصورة عمليةويخلص الى نتائج خلال هذا العام. وهناك أيضا الدور المتعاظم للمرأة في الحياة السياسية والأقتصادية، والبروز القوي لثورة الأتصالات. فهناك شبكة أرضية من الألياف الضوئية تمتد على مسافة تقارب 25 ألف كيلومترا، كما تجري الخطط لأكمال التحول من التقنية التقليدية الى تلك الرقمية في غضون ست سنوات. وتشير الأحصائيات المتوفرة الى وجود 30 مليون وحدة من الهواتف السيارة توفر الكثير من أستخدامات الاعلام الجديد بما ي ذلك الأنترنيت التي يعتقد ان نصف سكان السودان على الأقل لديهم اشتراك فيها.
وهذا الوضع سيفرض واقعا جديدا انه لن يكفي رفع الشعارات في الاجابة التي الاسئلة التي يطرحها وأنما في كيفية تطبيق تلك الشعارات على أرض الواقع والأهتمام بالناس في أقاليم البلاد من خلال برامج عملية تركز على تنمية تلك المناطق وتوليد الثروة فيها بداية. وهناك اشارات على هذا التحول بدأت في ولايات البحر الأحمر في شرق السودان، ونهر النيل في شمال السودان وشمال كردفان الى الغرب. ومدى النجاح في هذا المسعى وتحوله الى هم قومي سيحدد مستقبل السودان.