عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تجنبت أحزاب المعارضة الأقتداء بحكمة عمرو بن العاص، وعلها تجد وسيلة للأستفادة من خبرة معاوية بن أبي سفيان. فقد ورد ان معاوية قال لعمرو انه ما دخل في أمر الا ووجد طريقة للخروج منه، فرد عليه عمرو انه لا يدخل في أمر الا وكان يعرف من البداية كيف سيخرج منه.

ما يهمنا هنا تهديد أحزاب المعارضة بمقاطعة الأنتخابات مالم تستجب الحكومة والمؤتمر الوطني تحديدا الى عدة أشتراطات وأنفاذها في أطار سقف زمني هو منتصف أكتوبر المقبل. يأتي هذا التحرك بعد شهر من الضجة التي أثارها ذات التحالف بخصوص عدم شرعية الحكومة. وأول الدلالات العودة عن تلك الدعوى والأعتراف مجددا بشرعية الحكومة، والا لما طلب منها القوم القيام بأجراءات معينة. وليس هذا هو المهم، وأنما كان المرء يأمل في حدوث شىء من المراجعة وأستنباط السيناريوهات لمثل هذه الخطوات وما يمكن أن تؤدي اليه كي لا تصبح خصما على صدقية هذه الأحزاب وهو ما يمكن أن يجير لصالح المؤتمر الوطني ويجعله أكثر ثقة في المضي قدما في ممارساته، وأهم من ذلك انها يمكن أن تزيد من ضعف تجربة التحول الديمقراطي والعمل السياسي السلمي الضعيفتان أصلا.

تجربة حملة منازعة الحكومة بدعوى عدم شرعيتها تهاوت قبل أن تنطلق لسببين أثنين: أولهما موقف الحركة الشعبية، وثانيهما تعامل العالم الخارجي. ونفس الشىء يمكن أن يحدث هذه المرة فيما اذا قررت الحركة المضي قدما في الأنتخابات وشارك فيها المجتمع الدولي، وهو مشارك حتى الآن من خلال بعض الدعم الفني وشىء من التمويل والأستعداد للمراقبة كما في مركز كارتر الذي وقع أتفاقية مع الحكومة لمراقبة الأنتخابات. فمالذي سيفعله تحالف المعارضة وقتها؟ للأسف يبدو المتاح الوحيد هو العودة الى الخيار صفر ومقاطعة الأنتخابات، وهو أجراء يمكن أن يقدح في صدقيتها لكنه لن يعيق واقعا جديدا عن البروز. وسجل الحركة السياسية مع الأنقاذ خلال العشرين عاما الماضية شاهد حي على هذا. فكم من أنتخابات أجريت تمت مقاطعتها وبمشاركة من المجتمع الدولي، لكن ذلك لم يحجب حقيقة وجود نظام لابد من التعامل معه وبغض النظر عن مصدر مشروعيته.

لأسباب شتى ألقى العالم ثقله وراء أتفاقية السلام بين الشمال والجنوب وأحداث نقلة عبر التحول الديمقراطي وتسلم السلطة عبر صندوق الأنتخابات وكذلك الوصول بجنوب السودان الى ممارسة حق تقرير المصير. وبغض النظر عن التفسيرات واذا كانت الأتفاقية ومن ثم الأنتخابات وسيلة لتفكيك الأنقاذ أو الدخول الى مرحلة التداول السلمي للسلطة، الا انه من الواضح ان المجتمع الدولي يأخذ هذا الجانب بجدية أكبر. ويظهر هذا في الضغوط التي مورست على الحركة الشعبية لتتراجع عن مقاطعتها للأحصاء السكاني في أبريل من العام الماضي، وهو أحد الخطوات المهمة في الأتفاقية ولتهيئة الأرضية للأنتخابات ومن ثم للأستفتاء.

وبعد كل هذا المشوار، فالأحتمال الكبير أن يسعى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الى العمل على تخطي العقبات التي تعترض الأنتخابات مثل الأحصاء السكاني ومن ثم الأستفتاء على حق تقرير المصير للجنوب، الذي سيفتح الباب الى نقلة في تاريخ السودان.

و لا يعني هذا تلقائيا ان الغرب مهتم بأنفاذ أجندته بنشر الديمقراطية، وأنما صادف ان التحول الديمقراطي في السودان يعتبر أفضل خيار لمعالجة قضية الحرب الأهلية والتعامل مع مشاكل البلاد بصورة عامة، وبدون أن يعني ذلك بالضرورة الأعتراف تلقائيا بنتئاج الأنتخابات وعلى رأسها شرعية المؤتمر الوطني وتطبيع علاقات سلطته مع العالم الخارجي فيما اذا فاز في الأنتخابات. وأحتمال تطبيق نموذج حماس يظل قائما. فالأنتخابات الفلسطينية تمت بضغط غربي قادته واشنطون أساسا وشهد لها المراقبون مثل كارتر الذي أسهم شخصيا في مراقبة الأنتخابات بالنزاهة، لكن ذلك لم يمنع الغرب من أتخاذ موقف بعدم التعاطي مع حماس. والوضع هكذا فما بالك بالسودان الذي لا يزال على القائمة الأمريكية للدول التي ترعى الأهاب، وقضية دارفور، وأخطر منها الأتهام الموجه من المحكمة الجنائية الدولية، الذي مع عدم فعاليته عمليا حتى الآن، الا انه يمكن أستخدامه سيفا مسلطا خاصة اذا فاز عمر البشير بالرئاسة. ومن المثير تتبع ما يمكن أن ينشأ من جدل قانوني وأكاديمي حول من له الولاية والأولوية شعب السودان أم قانون روما ومحكمة لاهاي؟

في العلاقات الدولية تتطابق أحيانا المصلحة مع المبدأ وأفضل مثال لذلك غزو العراق للكويت مطلع العقد الماضي وما تبعه من تجييش للجيوش بدعوى حماية دولة تم الأعتداء عليها، لكن المصلحة كانت قائمة بالنسبة للدول الغربية تحديدا بسبب البعد النفطي والخوف أن يتحكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في أحتياطيات بلاده تلك الخاصة بالكويت مما يمكنه عمليا من أملاء شروطه على السوق النفطية. لكن عندما يفترقان فالأولوية للمصلحة.

وفي الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكية الأخيرة الى سبع دول أفريقية ما يؤكد على هذا . فقد أعلت هيلاري كلنتون من نبرتها الديمقراطية في كينيا ونيجيريا، لكن تلك النبرة خفتت عند وصولها الى انجولا بسبب بزوغ الأخيرة قوة نفطية متجاوزة نيجيريا كأكبر منتج أفريقي، كما ان واشنطون تسعى لتنافس بكين ووجودها القوي في أنجولا، وذلك رغم صيحات المعارضة وخطاباتها المفتوحة لكلينتون بدعم من بعض الجمعيات الأمريكية.

وفي حال السودان حاليا فالمصلحة الغربية تتماشى مع المبدأ العام في التحول الديمقراطي، وهو ما يحتاج القوم الى تدبره، ولو ان التحول الديمقراطي والعمل السلمي ضرورات داخلية أكثر منها أستجابة لمتطلبات خارجية لتأكيد مبدأي العمل السلمي وتداول السلطة عبر صندوق الأنتخابات ومن ثم تعضيد المؤسسات عبر التجربة وفتح نافذة نحو الأستقرار السياسي والتطور الطبيعي للدولة ومؤسسسات المجتمع المدني والأحزاب بعيدا عن عامل المواجهة الذي ثبت ان ضرره أكبر من نفعه نسبة لأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة والمواجهة ومن ثم يقفل الباب أمام التدرج والأصلاح. وهذا أحد أكبر علل تاريخ السودان المستقل.