ترى أين كان السيد باقان أموم، الأمين العام للحركة الشعبية مطلع فبراير من العام الماضي، عندما وقف السيد دينق ألور وزير الخارجية أمام الصحافيين والى جواره المبعوث الأمريكي السابق ريتشارد وليامسون ليقول انه يتوقع تطبيع العلاقات بين السودان والولايات المتحدة خلال فترة ستة أشهر، أو في يونيو الماضي عندما قدم الوزير خطابا أمام البرلمان عن سياسة السودان الخارجية متناولا موضوع العلاقات الثنائية مع واشنطون مشيرا الى أستمرار الحوار وذلك بأمل أن يؤدي الى رفع العقوبات وتطبيع العلاقات بين البلدين.

ليس مهما هنا ما أنتهت اليه توقعات وزير الخارجية وأنما السؤال هل كان ألور يعبر عن خط الحركة الشعبية بتصريحاته تلك، أم ان للحركة أكثر من سياسة يعبر عنها أكثر من شخص حسب الزمان والمكان وجمهور الحضور، هذا طبعا مع أستبعاد أن يكون ألور ينفذ في أجندة المؤتمر الوطني في كل الأحوال.

ويبرز السؤال بصورة أكثر وضوحا في أشارة أموم في شهادته أمام لجنة الشؤون الأفريقية في مجلس النواب الأمريكي الى نكوص المؤتمر الوطني عن التزاماته في العديد من قضايا اتفاقية السلام ذاكرا من بينها رفض تقرير الخبراء الخاص ببروتوكول أبيي الذي يفترض أن يكون ملزما ونهائيا حسب الأتفاقية. يذكر أموم هذه النقطة بعد أسبوع من حكم محكمة لاهاي الخاص بأبيي الذي التزم الطرفان بأحترامه، وأهم من ذلك انه يتجاهل حقيقة ان الذهاب الى لاهاي كان في الأساس نتيجة أتفاق بين الشريكين توصلا اليه وحدهما ومباشرة بدون تدخل أجنبي، بل والأستغناء عن عرض الوساطة من قبل المبعوث الأمريكي وقتها ريتشارد وليامسون الذي كان في زيارة للسودان.

ولهذا تعتبر شهادة أموم غريبة على الأقل من ناحية تعارضها مع بعض ممارسات الحركة سواء على المستوى التنفيذي كما في تحركات وزير الخارجية دينق ألور الهادفة الى تطبيع العلاقات مع واشنطون، أو الأتفاق السياسي على التحكيم. ومن ناحية ثانية تبدو التصريحات فريدة اذ لم يعرف عن أي سياسي يقوم بدعوة دولة أجنبية على الأستمرار في فرض عقوبات على بلده، رغم انه عضو في حكومة البلد، الذي يدعو الى مقاطعته وليس معارضا، بل ويتولى حزبه مسؤولية العلاقات الخارجية وأول واجباتها أعمار الصلات الديبلوماسية.

 صحيفة "الشرق الأوسط" طرحت على أموم سؤالا في عددها يوم أمس الأربعاء ان كان بحديثه ذاك  يسعى الى أرضاء منظمات وجمعيات لا تريد الخير للسودان، فنفى ذلك مضيفا انهم ممتنون للولايات المتحدة حكومة وشعبا، ودون الأشارة الى أي جماعات أو منظمات، وانه متأكد ان الأمريكيين لا يريدون للسودان غير السلام والأستقرار والتنمية والديمقراطية. وهذا صحيح، لكن الأختلاف كان دائما على الوسائل. فالمبعوث سكوت قريشن يدعو الى المزيد من التعاطي الأيجابي وأزالة السودان من قائمة الدول التي ترعى الأرهاب، وتخفيف حدة المقاطعة، بينما يدعو أموم الى الأبقاء على هذه حتى التطبيق الشامل لأتفاق السلام وتحقيق السلام في دارفور، الأمر الذي يجعل من شهادته جزءا من صراع بين مختلف الجهات، بل وحتى داخل الأدارة الأمريكية.

ونسبة لأن قضية السودان، خاصة بعد الزخم السياسي والأعلامي الذي لحق بدارفور، أصبحت قضية أمريكية داخلية، فأن المرء يخشى أن يتم أستغلالها لأهداف لا علاقة لها بالسودان، وأنما يمكن أدراجها في أطار تشعبات السياسة الداخلية للولايات المتحدة بأمتداداتها الخارجية.

فالرئيس باراك أوباما الذي جاء بشعار التغيير، بدأ حملة طموحة لوضع شعاره ذلك موضع التنفيذ ويظهر هذا في عدة مجالات أبرزها مواجهة الأزمة المالية والأقتصادية، مخاطبة العالم الأسلامي، التصدي لموضوع الرعاية الصحية، والعمل بنصيحة الرئيس الأسبق جيمي كارتر والأهتمام بقضية الشرق الأوسط في بداية عهده وتجنب تجربة بيل كلينتون الفاشلة عندما ألقى بثقله للتوسط بين الأسرائيليين والفلسطينيين في أخريات عهد رئاسته، مما لم يساعده في تحقيق شيئ يذكر.

هذه القائمة الطويلة من القضايا السياسية ذات الثقل الكبير التي تصدى لها أوباما ليست نزهة مريحة، فهو في واقع الأمر دخل في حالة مواجهة مع لوبيات شرسة، قوية ومتمترسة. واذا كانت المواجهة مع حكومة بنجامين نتنياهو حول المستوطنات تلقى شيئا من التغطية الأخبارية الخارجية، فأن وسائل الأعلام الأمريكية مشغولة أكثر بقضايا الرعاية الصحية، التي شكل فشل أدارة كلينتون في التعامل معها بسبب ضغوط الشركات، أول هزيمة له كلفته خسارة الأنتخابات النصفية.

وفي مثل هذه الأجواء تسعى مختلف هذه اللوبيات في أن تلحق بأوباما هزيمة ما ولو في قضية واحدة يتصدى لها لأحداث أختراق وأبطاء الأندفاعة التي ينطلق بها. والسودان يبدو ملفا مثاليا لتحقيق ذلك الفشل بسبب الصورة النمطية والسلبية المرسومة عنه في العقل الأمريكي، الأمر الذي سهل في الأساس أن يوضع في قائمة الدول التي ترعى الأرهاب على أسس سياسية وليس نتيجة لدلائل قاطعة، كما أورد المبعوث قريشن. وأفشال مهمة قريشن، وهو مبعوث شخصي لأوباما من المقبلات التي تفتح الشهية للأنقضاض على الرئيس نفسه.

وبعيدا عن الساحة الأمريكية يبدو مثيرا في تصريحات أموم من الناحية السياسية هذا التركيز على الأجنبي من حركة أمتشقت البندقية وأنطلقت من الريف والمهمشين مع خلفية تدريبية لباقان شخصيا في كوبا أبان مجدها كعبة للثوريين.

وكذلك التغييب للدور الشعبي في احداث التغيير الديمقراطي المنشود، رغم ان أتفاقية السلام الشامل قد وضعت الأطار الدستوري، والأكتفاء بالعمل الفوقي لتعديل بعض القوانين التي تتعارض مع الدستور بدون أستصحاب البعد الشعبي وأستخدام وجود الحركة في السلطة لتوفير الأسناد الرسمي لتحقيق التحولات المنشودة. وبدلا من أن تستغل هذه الأطر الدستورية وهامش الحريات السياسية والصحافية الموجود لتقنين هذه الحريات وتحويل الأطار الدستوري الى قوانين سائدة، يلجأ أموم الى الخارج بعد أن عجزت لقاءات الغرف المغلقة بين مسؤولي الحركة والمؤتمر الوطني عن حسم بعض الخلافات، وهي نتيجة طبيعية لغياب العمل السياسي ببعد شعبي قادر على الأنجاز.

alsir sidahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]