عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الزيارة التي قام بها النائب الأول سلفا كير الى جنوب كردفان يوم الثلاثاء الماضي وأفتتاح مصنع صافات للطائرات تشكلان النقطتين المضيئتين في مسرح من النشاط السياسي العبثي وتبقيان على شىء من التفاؤل.

 

زيارة كير التي وصفت عن حق انها أول زيارة له الى ولاية شمالية خلال أربع سنوات رغم تقلده منصب الرجل الثاني في الدولة والوعود التي أطلقت عدة مرات بقيامه بجولات في الولايات الشمالية، تعيد تسليط الضوء على تساؤل من الأهمية بمكان: هل كان في الأمكان القيام بهذه الزيارة لولا حالة التناغم السائدة بين الوالي أحمد هارون ونائبه عبدالعزيز الحلو؟ فجنوب كردفان لم تعان فقط من مشاكسات الشريكين، وأنما بالصراع داخل الحركة الشعبية نفسها الذي وصل الى درجة قيام مجلس التحرير بسحب الثقة من نائب الوالي السابق دانييل كودي، وهو ما دفع بعودة الحلو الى الواجهة مرة أخرى.

 

ترى كيف كان يمكن أن يكون الوضع في الولاية لو كانت في عهدة الرجلين من البداية؟ ألم يكن هناك أحتمال في أن تؤثر الأجواء الأيجابية حتى على أبيى وربما أدت الى مسار مختلف عن التحكيم الدولي؟ ومع ان التساؤل يبدو أكاديميا الى حد كبير، الا انه في نهاية الأمر يتعلق بقرارات الشريكين وأختياراتهما للقيادات وتكليفها ببعض المهام. فأتفاق السلام في نهاية الأمر عبارة عن نصوص تحتاج الى رؤية وأرادة سياسية وقدرة على العمل الجماعي لتنزيلها الى أرض الواقع، لا من باب تنفيذ الأتفاق فقط، وأنما أهم من ذلك تجسير هوة ضعف الثقة بين الشريكين، وأرتياد آفاق أرحب للعمل المشترك يمكن البناء عليه لبنة لبنة حتى يصبح لحديث الوحدة معنى.

 

أما خطوة مصنع صافات فهي أشارة الى أمكانية العمل بخطى تتسق وروح العصر وتتجاوز حتى ما ستوفره المؤسسة الجديدة من أمكانيات للتدريب وتوفير محلي لصيانة الطائرات. والأشارة الى التعامل الهميم مع عنصر الوقت ونشر ثقافة الأنضباط وترتيب الأولويات. مجىء هذا التطور بعد شهر من أفتتاح مصنع الأيثانول الذي تشرف عليه شركة كنانة، يعتبر دعما لأتجاه التعامل العصري من خلال المسؤوليات والأمكانيات المتاحة وفتحا في بلد لا تزال الثقافة السائدة فيه تستنكف عن الألتزام بالمواعيد ويكاد المكان الوحيد في العالم الذي توجد فيه ساعة للأفطار لا يدري أحد متى تبدأ ومتى تنتهي.

 

والهدر لا يقتصر على مثل هذه الممارسات الأجتماعية وأنما من قبل القيادات السياسية التي يفترض فيها أن تضع القدوة، لكنها لم تضيع فرصة للهدر الا وأنتهزتها بفعالية تثير العجب. وتتجاوز هذه الممارسة الشريكين الذين لم يحسنا في أوقات عديدة أختيار من يتولون المهام مما أدى الى هدر في وقت ثمين ورصيد أثمن من الثقة كان يحتاج الى كل جهد لدعمه وتقويته، وأنما ينسحب على الكثير من القوى السياسية وزعاماتها.

 

فلأسباب مختلفة جاء أنقلاب الأنقاذ وأتفاقية نيفاشا وما لحقها من أتفاق أبوجا الخاص بدارفور وذلك المتعلق بالشرق بأمل وضع خاتمة لدورة الأنقلابات في السودان، ويفتح المجال الى تداول سلمي للسلطة يستند على المواطنة والحريات ووفق ضوابط متفق عليها بالنسبة للعمل السياسي. فالهيكل الدستوري الذي أقامته أتفاقية نيفاشا ومجلس الأحزاب وقانون الأنتخابات وذلك الخاص بالصحافة الذي أجيز بأجماع القوى السياسية تمثل نقلات ذات طبيعة نوعية لم يشهد مثلها المسرح السياسي السوداني من قبل، وهو ما يتطلب المزيد من الصبر والممارسة لترسيخ قيم العمل السلمي والحريات والأتصال بالقواعد خاصة الفئة الشبابية التي وصلت الى مرحلة التصويت وكل خبرتها السياسية قاصرة على عهد الأنقاذ.

 

 لكن وبدلا من الأستفادة من دروس الماضي وما أكثرها في بناء سوابق للأستناد عليها وتطوير البناء  السياسي القائم، يجري هدر الفرص الواحدة تلو الأخرى بسبب ممارسات لا ترى أبعد من مصلحتها الذاتية. وكمثال على هذا الهدر دائرة التحفظ والرفض التي بدأت تتسع بخصوص التعداد السكاني بقيادة الحركة الشعبية. لا يختلف أثنان على أهمية التعداد السياسية والأقتصادية وضرورة خلوصه الى نتائج مقبولة مهنيا وداخليا وخارجيا. ويكفي ان التعداد الوحيد المتفق عليه وظل الى فترة طويلة أس كل نشاط هو ذلك الذي أجري في العام 55/1956. وكان أتفاق السلام والأهتمام الدولي بأنفاذه فرصة لأجراء تعداد سكاني شامل وبصورة مهنية مقبولة بسبب مشاركة الخبرة الدولية حتى يمكن البناء عليه للمستقبل السياسي والأقتصادي والأجتماعي للسودان. من هذا المنطلق كان يمكن للحركة أن تثير أي تحفظات لديها من البداية وتصعيد تلك التحفظات لتصبح معركة سياسية فأما أن يتم التعداد وفق المعايير العالمية المعروفة أو أن تنسحب منه مبكرة. فالتعداد ليس النتيجة فقط، وأنما سلسلة أجراءات وخطوات كان يمكن في كل مرحلة منها الأحتجاج بل والأنسحاب. ووفقا لتقرير بتاريخ الحادي عشر من أبريل الماضي للسيد (بالي ليهوهلا) الخبير من جنوب أفريقيا، الذي عمل كبيرا للمستشارين في لجنة المراقبة والمتابعة للأحصاء لخبرته العملية في الأقطار الخارجة من مرحلة النزاعات، فأنه ومن خلال 164 تقريرا تتكون من تسع تقارير أقليمية و 25 تقريرا ولائيا و130 تقريرا للمحليات، فأنه يقرر ان التعداد كان ناجحا بل وقام بالتوصية بأن يعاد تطبيقه في تعدادات أخرى في بلدان تعاني من الصراعات. والسؤال لماذا لم تعترض الحركة على أي من هذه التقارير المائة وأربعة وستين في وقتها؟

 على ان الهدر الأكبر الذي يطال المستقبل يتمثل في الدعوة الى حكومة قومية لأن الحكومة الحالية ستفقد شرعيتها أبتداءا من اليوم الخميس. وحتى على أفتراض وجود أساس قانوني ودستوري لهذه المطالبة، فلماذا لا يتم اللجوء الى المحكمة الدستورية بدلا من أثارة الغبار السياسي ووضع لبنة على طريق تعميق الممارسة الدستورية؟ أما الدعوة الى حكومة قومية فليست أكثر من قفزة في الظلام وتجريب للمجرب والذاكرة لا تزال عامرة بالشخصيات "القومية" التي شكلت حكومة أنتفاضة أبريل، التي لم يستطع راعيها وهو التجمع الوطني وقتها ضبطها والزامها ببرنامجه. والنتيجة ان تلك الحكومة القومية وضعت بذور نظام الأنقاذ الذي يتشكى منه القوم اليوم.